التجويع.. سلاح "الأسد" لتحقيق "النصر"   
الجمعة 29/3/1437 هـ - الموافق 8/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:07 (مكة المكرمة)، 15:07 (غرينتش)
التجويع سلاح سارعت قوات النظام السوري وحلفائه إلى استخدامه ضد كثير من المدن والبلدات السورية منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لفرض الاستسلام على المعارضة المسلحة، مما تسبب في وفاة العشرات جوعا، وسط صمت عالمي ملفت.

قطط وكلاب
القطط والكلاب، أو الحشائش وأوراق الأشجار، أو الماء الدافئ مع الليمون والبهارات، أصبح كل ذلك طعام المجوَّعين في سوريا، بعدما غيّر جيش بشار الأسد المدعوم من إيران والمليشيات الشيعية وروسيا من خططه العسكرية، واتخذ التجويع تكتيكا للانتصار على المعارضة عبر أجساد الأطفال والشيوخ والنساء.

يحدث ذلك في القرن الـ21، وسط تعالي أصوات العالم بتبني المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وجعل القضية الحقوقية أساسا للحكم على مدى تقدم الدول وتخلفها.

فلم يكتف النظام السوري بالبراميل المتفجرة والمدافع والقذائف والصواريخ الكيميائية، بل قرر إدخال سلاح التجويع إلى ترسانته، واستخدمه ضد جل المدن والقرى السورية التي رفضت رفع الراية البيضاء وتسليم أعناق أبنائها للنظام وحلفائه.

يأتي ذلك رغم تبني مجلس الأمن الدولي يوم 22 فبراير/شباط 2014 -ولأول مرة منذ بدء الثورة السورية- قرارا بالإجماع يطالب بتقديم العون الإنساني والسماح بعمليات العبور الإنساني عبر الحدود وخطوط إطلاق النار، وتضمن القرار آلية متابعة للتنفيذ، مهددا باتخاذ خطوات لاحقة في حال عدم التقيد بما جاء فيه.

عام التجويع
منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أعلنت يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2015 أن المجاعة ضربت نصف الشعب السوري سنة 2015.

وذكرت في تقرير أن هناك "13.6 مليون جائع يتوزعون بين عشرة ملايين داخل سوريا، ونحو 3.5 ملايين في دول اللجوء، والعدد مرشح للزيادة".

وأعلن "تجمع ثوار سوريا" أن سنة 2015 شهدت وفاة 208 أشخاص على الأقل بسبب الجوع والحصار في سوريا، جلهم في مناطق دمشق وريفها.

وجاء في التقرير السنوي للتجمع أن "معظم المدنيين الذين قضوا بسبب الحصار من الأطفال، حيث بلغ عددهم 132 طفلاً، في حين توفي 55 رجلاً و21 سيّدة معظمهم من كبار السن".

وبحسب التقرير، فقد لقي 191 شخصا مصرعهم بسبب الجوع والحصار في دمشق وريفها، التي تضم مناطق: دوما، ومضايا، والحجر الأسود، ومعضمية الشام، والغوطة الشرقية، ومسراب، وجسرين، وببيلا، والزبداني، ودير العصافير، وشبعا، وعربين، وكفربطنا، والعبادة، وبقين، وجوبر، وبيت سحم، وهي مناطق تحاصرها قوات الأسد.

بينما توفي 13 شخصا في دير الزور وتضم أحياء: الجورة، والقصور، والبغيلية، وهي مناطق يحاصرها تنظيم الدولة، وتوفي شخصان في حمص (الوعر، وتل ذهب) وهي مناطق محاصرة من قبل قوات الأسد والمليشيات الشيعية الداعمة له. وشمل إحصاء التجمع لاجئين توفيا في لبنان (عرسال) بعد أن منعهما الجيش اللبناني من العبور إلى الداخل اللبناني لتلقي العلاج.

مخيم اليرموك
شهد مخيم اليرموك معارك طاحنة بين كل من قوات الأسد وعناصر تنظيم الدولة وكتائب المعارضة المسلحة، حيث كان من أكثر المناطق معاناة من مأساة تجويع وحصار خانق.

وبادرت منظمة العفو الدولية في مارس/آذار 2014 لإصدار تقرير وصف ما يجرى بحق الفلسطينيين والسوريين في مخيم اليرموك بأنه "جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".

video

وتحدث التقرير الذي حمل عنوان "امتصاص الحياة من مخيم اليرموك" عن وفاة نحو مئتي شخص منذ تشديد الحصار في يوليو/تموز 2013، ومنع دخول المعونات الغذائية والطبية.

وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني -من جانبه- مخيم اليرموك منطقة منكوبة، وطالب بإنهاء الحصار وإدخال الدواء، بعد توقف "مستشفى فلسطين" عن العمل بسبب نقص الكادر الطبي والمعدات والأدوية وانعدام الوقود لتوليد الكهرباء.

ويوجد بسوريا 13 مخيما فلسطينيا، أكبرها اليرموك الذي كان يعيش فيه نحو 180 ألف فلسطيني، لم يتبق منهم سوى أقل من 18 ألفا بسبب الحصار الذي فُرض منذ بداية يوليو/تموز 2013. 

حمص
عانت حمص بدورها من حصار خانق منذ 2012، حيث قطعت قوات الأسد المدعومة من مليشيات شيعية وحزب الله، كل إمدادات الغذاء والدواء والماء والكهرباء عن المدينة، ولم يعد أمام المحاصَرين سوى خشاش الأرض والنباتات لإطفاء جوع أطفالهم.

التجويع وأكل الحشائش تسبب في انتشار أمراض خطرة، وظهور حالات تسمم عديدة، وصلت إلى المستشفى الميداني، حيث يؤدي تناول هذه النباتات إلى القيء والإغماء والإسهال، وحتى فقدان الذاكرة مؤقتا، بل إن البعض توفي بسبب ذلك.

ومكّن استئناف العمليات الإنسانية بالمدينة صباح 12 فبراير/شباط 2014 شاحنات المساعدات الغذائية من الدخول إلى حمص القديمة، حيث اكتشف المسؤولون الأمميون وضعا كارثيا للمدينة المحاصرة.

فقد أكدت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي إليزابيث بايرز أن الأشخاص الذين خرجوا من حمص كانوا في حالة وهن شديد وعليهم علامات ضعف واضحة بسبب سوء التغذية، وتابعت "قالوا إنهم يبقون على قيد الحياة بتناول أوراق الشجر والعشب والزيتون".

في حين أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن فرق العمليات الإنسانية أجلت مئات الأطفال، كما أجلت منظمة الهلال الأحمر وفريق من الأمم المتحدة مئات المدنيين، وقدموا مساعدات غذائية للمحاصرين. 

يبرود
عانت يبرود تحديدا عام 2014 من قصف متواصل ومعارك ضارية وحصار لم يترك للسكان من حل سوى الهرب باتجاه مدينة عرسال اللبنانية، للنجاة بأنفسهم من القصف والجوع والمرض.

أما من بقي منهم داخلها (تشير تقديرات إلى أن عدد سكان يبرود نحو خمسين ألف شخص) فقد عانوا من التجويع وقلة المواد الطبية والماء الصالح للشرب، بسبب الحصار واستمرار المعارك.

الغوطة الشرقية
الوضع في الغوطة لم يكن أفضل من المناطق الأخرى بسوريا، فقد حذرت منظمة "أطباء بلا حدود" يوم 11 فبراير/شباط 2015 من وضع صحي خطير في الغوطة الشرقية لدمشق جراء القصف الكثيف من قبل الطيران السوري، إلى جانب الحصار الخانق الذي عانت منه منذ 2013.

وتسبب حصار قوات الأسد في نضوب المواد الغذائية والطبية، مما تسبب في انتشار أمراض قاتلة بين المواطنين.

جنوب دمشق
يوم 28 فبراير/شباط 2015 أظهر تسجيل مصور بثه ناشطون سوريون على الإنترنت مجموعة من الأطفال يحاولون الحصول على بقايا طعام يُوزع في مناطق جنوب العاصمة وأجزاء واسعة من ريف دمشق، وهي مناطق محاصرة منذ 2012.

وأكد ناشطون للجزيرة وقتها أن "عددا كبيرا من الأسر لا تملك قوت يومها، وتعيش على فتات الطعام نتيجة سياسات التجويع والحصار التي يفرضها النظام لتركيع هذه المناطق أمام مرأى ومسمع من المجتمع الدولي".

video

دير الزور
لم يكن الوضع أقل سوءا في مدينة دير الزور، حيث تعاني المدينة -إلى جانب الحصار- من المعارك الطاحنة بين قوات النظام وتنظيم الدولة.

وفي سبتمبر/أيلول 2015 ناشد نغم غادري نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة العالمية، ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، اتخاذ إجراءات فعالة لإنقاذ نحو 250 ألف مدني محاصرين داخل أحياء مدينة دير الزور: الجورة، والقصور، وهرابش، والبغيلية، من قبل تنظيم الدولة الذي سيطر على بعض مناطق المدينة، وأغلق جميع منافذ إدخال الغذاء والمواد الطبية.

وطالب مسؤولو المعارضة السورية بإصدار قرار أممي يلزم النظام بالسماح للمنظمات الإغاثية باستخدام مطار دير الزور من أجل نقل المساعدات الإنسانية بوجود إشراف دولي على عملية النقل والتوزيع أيضاً، وتسهيل خروج المدنيين من الأحياء المحاصرة.

مضايا والزبداني ومعضمية الشام
مع بداية عام 2016، وبينما قضى العالم وقته يحتفل بدخول السنة الجديدة وسط أصوات وأضواء المفرقعات، كان أهالي مضايا في ريف دمشق يحصون عدد قتلاهم بسبب الجوع، حيث لقي -حتى السابع من يناير/كانون الثاني 2016- 23 شخصا مصرعهم، بينما ناشد مدير المهن الطبية في مستشفى ميداني ببلدة مضايا الأمم المتحدة التدخل لفك الحصار عن عشرات آلاف المدنيين المهددين بالموت جوعا.

وقال الطبيب إن نحو 35 ألفا من سكان مضايا مهددون بالموت جوعا بفعل الحصار الذي تفرضه قوات النظام وحزب الله اللبناني منذ نحو منتصف 2015.

غير أن برنامج الغذاء العالمي كشف في الثامن من يناير/كانون الثاني 2016 عن قرب إدخال المساعدات الإنسانية إلى ثلاث بلدات سورية بينها مضايا، ونقلت الأمم المتحدة عن "تقارير موثوقة" أن الناس يموتون من الجوع ويتعرضون للقتل أثناء محاولتهم مغادرة مضايا.

في حين حذّر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية من ارتفاع معدل الوفيات بين الأطفال وكبار السن نتيجة الحصار في مضايا والزبداني ومعضمية الشام، محملا المسؤولية للمجتمع الدولي وأصدقاء الشعب السوري، بحسب وصفه، داعيا الأمم المتحدة إلى تصنيف الوضع بالكارثة الإنسانية، وإقرار تدخل دولي إنساني عاجل وتقديم المساعدات عبر الجو.

بينما حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة من جهتها في بيان في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2015 من نتائج تعليق مساعدات برنامج الغذاء العالمي على حياة ملايين الأطفال السوريين الذين يعانون من الجوع، ودعت الدول المانحة للالتزام بتعهداتها لتجنب وقوع كارثة إنسانية.

ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى 35 مليون دولار كل أسبوع لتوفير الغذاء للجياع بسبب الحرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة