رسالة توجان فيصل إلى معروف البخيت   
الأربعاء 1436/5/28 هـ - الموافق 18/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)

وجهت الكاتبة الأردنية توجان فيصل في بداية الربيع العربي رسالة إلى رئيس الوزراء الأردني معروف البخيت، ضمنتها ما اعتبرته نصائح لمواجهة الفساد في البلاد وتكريس الديمقراطية. وفيما يلي نص الرسالة:

دولة السيد معروف البخيت رئيس الوزراء الأكرم

تحية طيبة, وبعد
هي نصيحة صادقة أقدمها لكم اليوم, سبقتها نصائح, تعرفون أنها كانت بذات الصدق, لو أخذتم ببعضها لجنبتكم ما أنتم فيه الآن. وهي نصائح لم أتطوع بها, بل أتت نتيجة مبادرة من دولتكم في بواكير تكليفكم, وقبل إعلانه. ونحن الأردنيين نقدم لضيوفنا خير ما لدينا, فكيف إن كان الضيف يطلب خيرا.

وتذكر أنه حين سألتموني عما يجب عمله بشأن الفساد, أجبتكم بسؤال عمن تلجؤون له في حالة المرض, للطبيب المختص أم لمن أدخل علي أو انتحل صفة المعالج دون أن يتأهل علميا وعمليا للمهنة؟؟ وقلت لكم إن الطبيب المختص في تشخيص ومعالجة الفساد هو القضاء النظامي, وأن قضاءنا كفؤ..

ولكنني أكدت وجوب توجيه خطاب مختلف تماما عما كان يوجه للقضاء من قبل, وهو أن أحدا لن يعاقبه لنزاهته "بمجزرة قضائية" أخرى, بل سيُعاقب حتما إن أخل بها.. وهذا وحده ما يحتاجه قضاؤنا النظامي الكفؤ والنزيه لو ترك لشأنه, بدلالة قيام الحكومات الفاسدة بتشكيل هيئات بديلة لمنعه من النظر في قضايا الفساد تحديدا, وبجعل محكمة أمن الدولة محكمة دائمة وتوسيع صلاحياتها في محاكمة مدنيين بتهم فضفاضة.

وكلاهما يهدف لعقاب المصلحين, ولتحصين الفساد ونجاة الفاسدين بالتبرئة, أو عدم تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم بعد أن يسهل شركاؤهم أو منافسوهم في مواقع القرار تهريبهم لدول احترامها لأبسط قواعد القضاء يلزمها بعدم تسليم المطلوبين لمحاكم "أمن الدولة" المدانة دوليا.

وقلت لكم إنه لا مجالس النواب ولا الأعيان مؤهلون لمهنة القضاء, فكيف بمجلس الـ(111) وأعيان العديد منهم أعضاء سابقون في حكومات متهمة شعبيا بالفساد. وتسييس محاكمة الوزراء، هذا هو أحد أهم مبررات المطالبة الشعبية بالعودة لدستور 52, ثم تعديله.

ونصحت -للبدء بالإصلاح- بحل مجلس النواب نزولا عند رغبة الشعب الذي طالب برحيله مع الحكومة التي أتت به زورا. ولم أخدع أو أجامل دولتكم رغم غلبة ظني بأنكم مكلفون بتشكيل الحكومة إن نجح الشعب في إسقاط حكومة الرفاعي (وقد نجح), فأوضحت لكم أن الشعب لن يرضى بأقل من حكومة إنقاذ وطني تتشكل من شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة, وأن لا أحد من رجال حكومات العهد الجديد يمكن قبوله.

والأشخاص مهمّون على غير ما يحاول المتنفذون ترويجه, فكل إصلاح حقيقي في تاريخ العالم كله بدأ بقدوم شخوص يتسمون بالنزاهة والقدرة, وهنالك مقولة لفقهاء القانون بأن أفضل الدساتير والقوانين سيئ إن قام على تطبيقه سيئون, وأسوا الدساتير والقوانين جيد إن قام على تطبيقه صالحون.

ولأن دولتكم خضتم في الخطوات المطلوبة للإصلاح "عمليا", أكدت لدولتكم أن الإصرار على حكومة بتلك المواصفات تتأتى من أنه لا مفر من وضع آخر مجموعة من القوانين المؤقتة, كون هذا المجلس غير ممثل للشعب وغير مؤتمن, ومطلوب كف يده فورا.. والقوانين المؤقتة علاج مرّ يستفز الناس مجرد ذكر اسمه, وحكومات العهد الجديد جعلته رديفا للسم, فلا يقبل إلا من حكومة لا خلاف على نزاهتها وكفاءتها في آن.

واستجابة لطلبكم, حددت لكم تلك القوانين المؤقتة وموجباتها التي تلزم بفحواها:
1- قانون مؤقت يلغي قانون محكمة أمن الدولة الحالي ويعيد صلاحياتها للمحاكم النظامية الأصل.
2- قانون مؤقت يلغي "قانون الجرائم الاقتصادية", كون قانون العقوبات هو الأصل, بينما هذا القانون "الخاص" وضع ليبيح "ألا يلاحق" أي مختلس لمال عام أو خاص في حال أجرى تسوية تعيد بعضا مما اختلس, أي بما يمهد لتسويات أخرى من تحت الطاولة..

وباعترافهم, يمكنهم أن يتبوؤوا مناصب تؤتمن على مصالح ومال عام وخاص, كونهم لن توجه لهم التهم أساسا, بل ويحق لهم أن يترشحوا للنيابة فينتخبهم الشعب الغافل عن حقيقتهم, ويمكن أن يوظفوا المال المختلس للوصول للمنصب.


3- قانون مؤقت يلغي "قانون إشهار الذمة المالية".


4- قانون معدل لقانون العقوبات يفرض على قائمة المشمولين بقانون إشهار الذمة الملغي, ولكن ليس فقط من هم في مناصبهم تلك بل أيضا من سبق أن شغلوا تلك المناصب، إشهار ذممهم وذمم زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم وأحفادهم القصّر والبالغين, وذمم أصهارهم وزوجات أبنائهم .. إشهارا "فعليا" بما يحقق معنى الإشهار لغة وقانونا وشرعا, مع عقوبة على التأخير قصير الأمد بغرامة بنسبة مئوية موجعة تقتطع من كل ما لم يتم إشهاره, تليها عقوبة سجن لمدد غير قابلة للاستبدال بغرامة.

والعقوبة الثانية هي ما يحكم به قانون الإشهار الحالي, ليس على المتخلف عن الإشهار، فلا نص يعالج التخلف, بل يحكم به على "المبلغ", وهي مجرد عينة من أحكام ذلك القانون توضح أنه وضع للتستر على الذمم مهما وسعت.

5- قانون انتخاب يكون آخر قانون انتخاب مؤقت, يخصص ما لا يقل عن نصف مقاعد مجلس النواب "لقوائم نسبية" على مستوى الوطن, وأن تنص تعديلات الدستور على تكليف من يرأس قائمة الأغلبية (تفاصيل هذا ليست هذه الرسالة مكانها). والبقية نواب مستقلون عن دوائر فردية يراعي في تقسيمها البعدان الجغرافي والديموغرافي لطمأنة كل المهمشين إلى أنه ستجري إعادة التوازن الخدمي والتنموي لمختلف مناطق المملكة.

بينما القائمة على مستوى الوطن وحدها تؤسس لتولي شخوص أكفاء يتمتعون بمصداقية واحترام على مستوى الوطن كله, مهمة الإصلاح السلمي الشاقة والطويلة, كما تؤسس لبرامج سياسية ممتحنة على مستوى الوطن تمكن من قيام أحزاب كبرى حولها.

وسؤالكم, المُقاطع والمتعجّل, عن قوائم على مستوى المحافظات بدل مستوى الوطن, أشّر لي على أن ذلك مطلب "حد أدنى" أو أمنية "حد أقصى" لآخرين غيركم لا يسودون إلا بأن يفرقوا, ولا تملكون أنتم قرارا فيه.. وهو ما تؤشر عليه أيضا تشكيلة اللجنة العجيبة التي أسميتموها لجنة "حوار" والتي لا تمثل الشعب, بل تمثل كل من فرض أيا من هؤلاء عليكم.. ونتائج حوارات تلك اللجنة المرفوضة شعبيا، أكدت هذا.

كل بني آدم خطّاؤون, وأنا منهم. وخطئي في الشأن الذي أتناوله اليوم أنني سمحت لابنتي الصغرى, والتي تولت بحماس نسخ مقالاتي الأربع التي تناولت قانون "إشهار الذمة المالية" حين طلبتموها, أن تشل يدي أكثر من مرة عن كتابة رسالتي هذه عند كل منزلق انساقت إليه حكومتكم, لكونها رأت فيكم "عمو" صالح, كنت ساهمت في تصويره لها بأنه لم يسع لصفقة فساد ولا قام بتزوير الانتخابات بنفسه, ولكن التزوير جرى "دون معرفته", وأنه أخضع لترتيب مستلزمات صفقة فساد أمليت عليه فقبل بالإملاء.

ومع أنني أوضحت لها أن الضعف في مواقع المسؤولية مثلبة تلي في تسلسل خطورتها الخيانة والفساد وتسبق الجهل, إلا أن نقاء الشباب الواثق بالمستقبل وتفاؤله بالخير (لهذا سيجدونه وحيث لا يجدونه سيُنشئونه) جعلتها تصر أنكم لم تستكملوا فرصتكم, خاصة أنكم هذه المرة "تعلمون".. وليس فقط لبراءة الصبا, أو مجيئكم لأمها وهي تعرف ما يطلب وما لا يطلب لدى أمها.

 بل أيضا استنكار دولتكم عقاب "المبلغين" عن الفساد في قانون الإشهار الذي يزعم أنه لعقاب "الفاسدين", هو ما أنتج انحياز ابنتي لدولتكم وأملها بكم, كما أمِلَ آخرون أكثر خبرة وحصافة، (فالشعب الأردني تغلب طيبته حتى على حصافته ويقدم حسن النية دوما) بكم وبغيركم ممن يجري الزعم طويلا أنهم هم أيضا "لا يعلمون", وأنه لحظة يعلمون سيتوقف حتما مد الجحيم هذا وتفتح أبواب الجنة!!

وانتفاضة شعب كهذا للمرة الثانية بشبابه وبمن هرم ممن كان شابا في انتفاضة عام 89, هي غضبة الحليم التي يفترض أن تنبئكم بما اكتنزه هذا الشعب من آمال, وبخاصة شبابه الأنقياء, وما احتمله من جور وما كظمه من غيظ, لتعرفوا الحجم الحقيقي لغضبه الذي لم تروا بعد سوى بواكيره.. وأعجب لمن يستمرئ دفعه للمزيد, ودولتكم دفعتم لهذا بأكثر مما يجب, ولدرجة دفعت بالشعب لأن يرمي المجلس الذي أعطاك براءة على الحافة في قضية الكازينو, بالبيض الفاسد.

ما جرى وضعكم في صف واحد مع هذا المجلس وأصبح المطلب الشعبي برحيل كليكما بذات القوة. ولم يعد الشعب يهتم بمن خضع لمن في علاقتكم بالمجلس, هل ملكتموه بإبقائه رغم جهر الشعب برفض زعم تمثيل هذا المجلس "الافتراضي" أو "الوهمي" له.. أم ملككم هو بإعطائكم صك براءة في واحدة من أخطر قضيتين تلاحقانكم منذ حكومتكم السابقة:

تزوير الانتخابات وصفقة الكازينو.. أم يملككما معا من أنتجوا ذلك المجلس وما زالوا يديرون المشهد ويرى الشعب بصماتهم واضحة عليه، ففي كل الأحوال لا تبقى أية مصداقية لزعم شرعية قرارات تتخذها الحكومة ويوافق عليها هذا المجلس.. بدءا بالثقة التي أعطيت لكم والثانية التي ضمنتموها للتعديل الترقيعي للحكومة (إعطاء ثقة غير مسبوقة لحكومة أسقطها الشعب بعد أربعين يوما فقط هو ما جلب على المجلس لقب مجلس الـ"111...").

مرورا بالقوانين المفصلية (كالأحزاب والانتخابات) التي لن يقبل الشعب تسليمها لا لمجلس كهذا ولا لحكومة تزعم شرعية ثقة نيابية باتت بقيمة العملة الملغاة, وتزعم أيضا براءتها من الفساد بالاستناد لها. والنتيجة يا دولة الرئيس أن كلاكما, دولتكم والمجلس, خرج من جلسة التصويت على قضية الكازينو بأضعف مما ابتدأ.. والمصيبة أعظم حين يقال إن هذا هو المجلس الذي سيقر "التعديلات الدستورية", التي تطبخ سرا في لجنة "رجال حكم" من العهد العرفي لا علاقة لها بتاتا بالشعب ومطالبه.

وبعيدا عن التغطي بمجلس نواب مرفوض, فإن الحكومة اقترفت كما كبيرا من الخطايا يفوق ما استخلصته من تبرئة من خطيئة أو خطأ صفقة الكازينو, بدءا بقيامها بدور مماثل لما أدته في قضية الكازينو من "الترتيب والتنظيف" وراء قضايا فساد, أخطرها تهريب خالد شاهين الذي يشكل رأس أخطبوط لو أمسك الشعب به لوصل لكل ما شاركت به أذرعه من قضايا فساد أكبر بكثير من الكازينو.

وسؤالي يا دولة الرئيس, ما تعريف قبول هدايا نقدية أو عينية من فلل وسيارات فارهة مقابل خدمات كهذه, تطالبون الشعب, تحت طائلة العقوبة بالسجن, أن يثبت أنها لم تنزل على أصحابها في سلة من السماء؟ وحتى "الراتب" الذي دخل جيب المسؤول مقابل مهام كهذه, ماذا يصبح تعريفه؟؟ وماذا عن علاجكم لاستقالات وإقالات جرت نتيجة قبول الحكومة بأداء تلك الخدمات, برواتب وامتيازات سبعة وزراء جدد, حملتهم لموازنة الدولة المتأتية من جيوب الغالبية المفقرة من الشعب, ولعقود طويلة آتية كون جل وزرائك شبابا ودونما خدمات يقدمونها للشعب.

فأولا: الحكومة راحلة قريبا كما تعرفون, وما جئتم بهم إلا في محاولة لإطالة عمر حكومتكم قليلا عند مجلس نواب ولد ميتا, ولكن تأخر دفنه أطلق رائحته أكثر.

وثانيا: أغلب وزراء التعديل الجديد غير مؤهلين بتاتا، فهل يمكنك أن تعلمنا ما مؤهلات وخبرة مدير معهد تدريب ليصبح "وزير دولة"؟؟ على ما ذا سيدرب طاقم وزارتكم وهم الذين ولدتهم أمهاتهم وزراء ومستشارين ينطقون الحكمة في المهد؟؟

بل وما مبرر استعادة وزراء فاشلين (على أقل تقدير) من حكومات سابقة كانت كلها فاسدة بامتياز؟؟ فهل من سكت عن "التنمية السياسية" بل وشارك في نحر كل مقومات حدوثها لأجل امتيازاته هو كوزير, يمكن تسويقه على شعب شاب مثقف مطلع أغلبه مؤهل بما يفوق كثيرا وزيركم هذا؟؟

أليس تردي حال "الشؤون البرلمانية" على امتداد السنين الفائتة هو ما أدى بالشعب لتسجيل سابقة رشق النواب بالبيض الفاسد؟؟ فهل استعادة وزير "شؤون برلمانية" تتركز كفاءته في معرفة كولسات "تزبيط" النواب الذين يأتون بالتزوير وشراء الأصوات تحديدا, يخدم صورة حكومة إصلاح؟؟ أم هو استمرار لإدارة الظهر للشارع باختزال كامل محافظة مهمشة عمدا لعقود, برجل واحد هو رجل كل العصور وكل المواقع حتى المنتخبة منها, في فرض للإقطاع وليس حتى العشائرية؟؟

ألا يثبت هذا كله أن حكومتكم (ومثلها لجان حواركم) هي مجرد موزاييك لكل الحكومات السابقة الفاسدة ومن بات ينافسها من مستجدين كثر على "مراكز القوى"؟؟

ولا يتسع حيز رسالة للحديث عن "منجزات" و"كفاءات" بعض وزرائكم الجدد أو السابقين, مع أن الموضوع مغر, بخاصة حين تقودنا سير هؤلاء الذاتية لمواقع لا تنسى كبنك البتراء ذاته الذي أنتج أحمد الجلبي توأم خالد شاهين.

 إلا أنني لا أملك سوى التوقف حيرى عند توزير اثنين من أعضاء "هيئة مكافحة الفساد", أحدهما كان عيّن أيضا عضوا في "الوحدة الاستثمارية للضمان الاجتماعي", وهو مستشار قانوني للعديد من شركات "الاستثمار" المحلية والأجنبية والمؤسسات العامة أيضا, وعضو مجلس إدارة للعديد من الشركات المساهمة العامة.

ويكمل الصورة أن معاليه كان وزيرا لشؤون رئاسة الوزراء والشؤون القانونية في حكومة سمير الرفاعي المخلوعة!! والثاني هو نائب رئيس هيئة مكافحة الفساد, وكان عيّن رئيسا "لهيئة صندوق استثمار الضمان الاجتماعي".. وهو عضو في مجالس إدارة العديد من الشركات أيضا!!

وزيران، كنا نتمنى أن نرى أثر كفاءاتهما وخبراتهما في تحقيقات هيئة مكافحة الفساد، ولو بشأن ما جرى في "استثمارات الضمان" وهي متشعبة وبخاصة في ملف "موارد".. بدل تلهيهتما بوزارة زائلة جل جهدها سيكون استرضاء مجلس نواب غير مؤهل يخلط الجهل بقدر كبير من أسئلة وتهويشات تستهدف شعبية آخر لحظة, كون المجلس يعرف أنه زائل هو أيضا فور أخذ بصمته على نصوص قانونية ودستورية جاهزة.

وهو ما يقودنا لنصوص القوانين التي ثبت أن الحكومة مجرد ناقل, وليست منتجا لها, كما ثبت بوضوح في حالة القوانين التي تهدف للحد من الحريات وتغليظ وتعدد عقوبات "المبلّغين" عن الفساد.. بما يؤشر على مآل بقية القوانين التي قدمنا كل جهدنا في نصح دولتكم بشأنها, متفائلين بأنكم من بادر ومعتبرين تلك بادرة حسن نية, فإذا الفعل الظاهر يأتي بعكس النيات, وإذا عينكم بصيرة ويدكم قصيرة.

وإذا النفخ ليس في قربة "مقطوعة" حتما, ولكنه في قربة ليست مدرجة على أوركسترا الفعل السياسي الذي تقوده "مراكز القوى" بحرية أكبر كونها كلها انسحبت من مواقع المساءلة.. وصاحب القربة مكلف فقط بترويج تذاكر الحفل وتنظيف المكان, ثانية, بديلا عمن عاثوا به فسادا وتلويثا.

دولة الرئيس, لا زلت لا أشكك بنزاهتكم الأصلية التي تربى عليها جيلك وجيلي رغم الفساد الذي كان قائما في مراحل شبابنا, ولكن ربما ليس بالصورة الحالية لتعاظم وتزاوج وتماهي الآثام. وهو ما يستدعي إصرارا أكبر منا على تمرير قيم النزاهة تلك, العزيزة بحيث بتنا نصرّ على وجودها حتى حيث قد تكون فقدت, لأبنائنا من الجيل الجديد.

 وشخصيا, وأنا في صراع مع مرض لا أدري إن أبقى لي من العمر -فلم يقدر أطبائي على إعطائي شهادة نجاة منه أو حتى سقفا زمنيا تقريبيا- ما يكفي لتسليم الأمانة التي كلفتني وكلفت أسرتي الكثير, لجيل أبنائي.. وما أتوجه به لدولتكم هو نصيحة يسبقها عتب لا أملك القفز عنه في لحظة الحقيقة هذه.

توريطكم في قضية الكازينو يجري باستضعافكم, فلماذا لا تقف مع الشعب المستضعف بدل أن تحاول استضعافه بحمل سياط لست أنت من أعملها في ظهر الشعب حقيقة. وحتى تزوير الانتخابات نصدّق أنه جرى باستقواء آخر عليكم أخرج من حيز صلاحياتكم كل اختصاصات وزارة الداخلية. وهو ما ظل قائما في حكومتكم الثانية, فأعرف وتعرف ويعرف كثر أن "الداخلية" كانت تعمل منفردة دون علمكم ودون الرجوع إليكم.

وحين ظهرتم على فضائية محلية في لقاء مطول بسيناريو معد مسبقا, تكشّف لي ككف يدي (لخبرتي في العمل التلفزيوني وبخاصة إدارة الحوارات)، ساء الناس أنكم تتحدثون براحة لا يغيب عنها الابتسام والطرفة في "جزئيات", بينما ما يقوم به في ذات الليلة وذات الساعة, وزير داخليتكم ومدير أمنكم صعد المواجهة مع الشعب على دوار جمال عبد الناصر بما قفز عن "كليّات" عدة.. فعداء أولئك للشعب ختم بالدم ليلتها وسقط أول شهيد في الربيع الأردني.

كان واضحا لي حينها كمشاهدة ولكن بخبرة أستوديو, وتأكد لي بعدها بأكثر من دليل, أنكم لم تكونوا في صورة ما يحدث. ولكن توجهكم في نهاية البرنامج بخطاب تأنيب ووعيد مباشر للجمهور, وكان من ضمن "السيناريو" أن تلتفت فيه للكاميرا, أي للشعب المشاهد, وليس للمذيعة التي كانت أنهت ترديد نصوص دورها, كان توريطا آخر لدولتكم، فحملتم وزر ما جرى على "الدوّار" بمثل ما حمله مقترفوه على الأقل.

ولكن سعيكم وراء سراب "الفرصة الثانية" التي اختُزلتْ لكم "بالكازينو" -وليس بالخطر المتمثل في تزوير كاسح لانتخابات مجلس شعب لا أقل- أعماكم عن رؤية المنزلقات التي تساقون لها.. فمع أنكم لم تشاركوا في تزوير تلك الانتخابات بأكثر من جزء بسيط (كون الحكم اليقين ليس بيدنا) مما شاركتم به في مجريات صفقة الكازينو, فقد جرى توريطكم في كامل ذلك التزوير حين جرت إقالة (وليس استقالة) حكومتكم.

ولا أدري إن كنتم تعلمون حينها أن وزير الداخلية الذي انفرد بكل مجريات الانتخابات باق, وكوزير داخلية تحديدا, في الحكومة التي تلت. ولكنكم حينها أيضا, تطوعتم بحمل وزر غيركم, وبلسانكم فيما أسمي بكتاب الاستقالة (أم هل كتب لكم فقبلتم به أو فاتكم تبين حقيقة فحواه ؟؟), إذ قلتم مخاطبين جلالة الملك: "تحققت رؤيتكم السامية وجرت الانتخابات النيابية على الوجه الذي أردتموه، نموذجا في النزاهة والدقة والمشاركة الوطنية الفعالة".

"لقد كان قراركم السامي بإجراء الانتخابات في موعد استحقاقها الدستوري تعبيرا ماثلا عن ثقة القائد بنفسه وبشعبه الوفي المخلص وبكفاءة المؤسسات الوطنية الراسخة والمتجذرة, وهذه الثقة التي لم يطاولها شك هي اليوم مسؤولية وطنية كبرى يتحمل الجميع صونها"... مع أن ما يزيد كثيرا عن "الشك" في أكثر من جهة رسمية كان قد بدأ يوم الاقتراع, وحُسم الشك باليقين المحرج لدرجة ألزمت بحل المجلس وهو لم يكمل سوى نصف مدته.

واحتفل الشعب بحله، فكثر من زعم نسب الحل ولم يبق من نسب التزوير إلا ما ارتضيتموه أنتم لنفسكم في نص كتاب استقالتكم هذا, "تعبيرا ماثلا" عن سهولة توريطكم.. وحين يسهل إيجاد من يقول دوما "أنا فعلتها", يسهل اقتراف الفعلة.

والأدهى من هذا, والذي سيلاحقكم بأبعد من قضة الكازينو والتزوير وقضية شاهين ذاتها, نص رسالتكم لجلالة الملك قبل بضعة أسابيع, ردا على خطاب له في احتفال الجلوس على العرش طالب فيه بإيجاد آلية قانونية للتعامل مع من يطلقون الإشاعات "لاغتيال الشخصية", بتهم الفساد.

وكانت سبقته مقابلة أجرتها محطة الـ"سي إن إن", رد فيها جلالته على ما يثار حول جلالة الملكة بأنه استهداف له عبرها باعتبارها "الحلقة الأضعف.. بظن هؤلاء أنهم لن يحاسبوا". في ردكم ذاك أعلنتم أن هنالك من الأردنيين من لا يحق لهم أن تبقى ألسنتهم في مكانها!! صيغة تهديد لم يسمع بمثلها منذ عصر الحجّاج, بينما يرجح المؤرخون أن ما نقل عن الحجّاج عن قطع الرؤوس التي أينعت إنما وضع على لسانه لاحقا لإدانة عصره ولم يقله هو.

أما كانت تكفينا تهم "إطالة اللسان" التي جلبت على الأردن ما يتجاوز الاستنكار والإدانة عالميا, إلى نوادر تدل على هشاشة وتكرار تلفيق تلك التهم الفضفاضة للمعارضين عفيفي القلب واليد واللسان, كما لتصفية حسابات صغيرة لمخبرين صغار. ومما يرويه وزير أردني مكرر, من بين ما تولاه "وزارة الداخلية", أن عامل مقصف أخرس جرى اعتقاله في الكرك في انتفاضة نيسان. وعندما سُئل عن التهمة التي وجهت له شرح للسائلين بالإشارة أنها "إطالة لسان".

ولكن "الجد" الذي تفرضه المسؤولية في هذه المرحلة تحديدا, يلزمنا أن نقول لدولتكم إن من يريد، أو يملك القدرة على قطع الألسنة بزعم أنها طالت, عليه أن يبدأ بلسان علي أبو الراغب الذي مدّه من على فضاية أردنية (لضمان أكبر مشاهدة من الأردنيين), بما يتجاوز جرأة السفير البريطاني في "ليلة قصر عابدين" (أي جرأة قوة استعمار وفي ظروف حرب عالمية تهدد بلدهم بريطانيا لا أقل), واتهم الملك بأنه هو من طلب شخصيا تسجيل أراض للخزينة باسمه, مبرزا ما قال إنه كتاب طلب الملك والذي حمله له سمير الرفاعي.

بينما كتاب تسجيل الأراضي مرفق بجدول مناطقها ومساحاتها, بما لا يبقي أي شك في قيمتها وحقيقة تسجيلها معا, سبق أن سربت حكومة أبو الراغب نسخا عديدة منه, وتأكدت من وصوله لأقطاب المعارضة تحديدا (وصلني باليد لمكتبي في جامعة فيلادلفيا حينها). وهو -حقيقة- ما اعتقلت لتساؤلي عن صحته وتنبيهي "للمعني به" بخطورته التي ستفجر الأوضاع إن صح, دون أن أذكر اسم الملك أو أية إشارة تدل عليه..

وهو أيضا ما جرى حينها تكسير سيارات ومطاردة وتهديد السيدين ليث شبيلات وجميل هلسة بالاعتقال إن جاءا على ذكره ثانية. ولكن أبو الراغب, لتأكيد غايته وإفهام الأردنيين "من هو" في الأردن, استرسل في انتقاد كافة الحكومات أيضا, وبخاصة حكومتكم, وإعطائها دروسا في الإصلاح ومكافحة الفساد والدستور والقوانين!! ولم تحاسبوه بما يمليه الدستور والقوانين الشرعية (وليس حتى قوانينه وقوانين غيره المؤقتة غير الدستورية), وهو ما يجعلنا نتساءل عن جدية تطبيق الدستور والقوانين قبل تعديلها.

 ولم ترسلوا له من جانبكم لا بلطجيا ولا دركيا، والسبب أن غيركم, وبعضهم ليسوا لا في الحكومة ولا في الحكم هم من يحرك البلطجية والدرك، ومن الفاسدين من يعلن أنه لا هيئة مكافحة فساد ولا قضاء يستطيع توقيفه, لأنه محمي بآلاف من مليشياته المسلحة بواجهة شركات أمن وحماية!!

دولة الرئيس, لقد استأمنكم جلالة الملك على اسمه واسم عائلته، ولم تقدروا على صون هذه الأمانة بالتصدي لمن هم بلا اسم أصلا, ويدينون بالألقاب التي باتت تسبق أسماءهم للملك ذاته, ويدين سقوط ألقاب الدولة كلها لهم.

ولكن أن تحمّلوا الشعب وزر هؤلاء فتشنقوا الضحية (أو تقطعوا لسانه أو تملؤوا به سجونا على نقيض سجن سلحوب) لأنها رفعت صوتها تطالب بحق لها أو تطلب رفع ظلم لحق بها فهو ما يقلب كل الموازين. الشعب ليس هو "العدو" الذي أصوات معركة محاربته تطغى على أولويات الإصلاح.

فأقصى ما حمله الشعب المفقر المهمش, هو صوت صالح وبيض فاسد.. ولكنه سلاح فاعل في تأشيره على سقوط هيبة مؤسسات الدولة, وضياع دمها بين "مراكز القوى" التي تتوارث الحكومات, وبوجودكم اقتسمت "ولايتها العامة " في محاصصة هي الأخطر على الوطن.. فلا تكن واجهة لهؤلاء.

من أبلغ المدح لدى العرب قولهم "أبيت اللعن".. وأنت يا دولة الأخ أبا سليمان رجل نزيه ولكن تخونك كل مستلزمات التصدي لمافيا الفساد هذه.. وقد تلقيت عنهم لعنا كثيرا. ونصيحتي أن تستقيل لتتيح المجال لنقلة نوعية تمكن الربيع العربي أن يزهر في الأردن بأقل الأثمان.

 فإما أن يظهر اللاعبون (أو بالأحرى العابثون) الحقيقيون أمام الشعب الموحّد في مواجهة ستكون حاسمة, وإما أن تُشكّل حكومة الإنقاذ الوطني المطلوبة للشروع في الإصلاح الحقيقي..

ولكن قبل أن تستقيل، واجبك الوطني وشرفك العسكري يحتمان أن تنسّب علانية وأمام الشعب, بحل مجلس الـ(111) الذي أساء أيما إساءة لصورة وسمعة هذا الشعب وهذا الوطن.. وتنسيبك ملزم دستوريا, ولرفضه ثمن سياسي باهظ كون المجلس فاقدا للشرعية ابتداء, وفاقد لما تبقى من شكليتها بمجرد تنسيبك بالحل.

الحل والاستقالة هما صكا براءتك ووطنيتك التي تضعك في مصاف قادة البلد الكبار.. الأكبر من المنصب الحكومي الذي فقد هيبته.

ودمتم نزيها في زمن عزّت فيه النزاهة.
عمان، 7-7-2011
توجان فيصل

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة