أبرز محطات توتر العلاقات بين مصر والسودان   
الأربعاء 1438/8/28 هـ - الموافق 24/5/2017 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)
تتفق الأنظمة المتعاقبة على الحكم بمصر والسودان على مصيرية إنجاز مشروع "دولة وادي النيل الكبرى" التي تضم البلدين، لكن هذا المشروع ظل مجمّدا منذ استقلال السودان 1956 أيام حكم جمال عبد الناصر، ومرورا بعهد السادات الذي عمل مع الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري على توقيع "ميثاق التكامل" بين الطرفين، وانتهاء "بميثاق الإخاء" الذي وقعه البلدان عام 1987.

ومنذ 1956 تشهد العلاقات بين السودان ومصر مدا وجزرا تبعا لطبيعة النظام الحاكم في كل منهما وسياسته الداخلية والخارجية، وكيفية صياغة مواقفه ورؤاه وتحالفاته الإقليمية والدولية، لكن هذه العلاقة كانت في أغلب فتراتها تفتقر إلى الحميمية بسبب مجموعة من الخلافات والتوترات التي نرصد في ما يلي أبرزها:

1- قضية مثلث حلايب:
تعد قضية تنازع السيادة على منطقة مثلث حلايب الغني بالمعادن أحد التحديات المزمنة التي تواجه علاقات البلدين منذ عام 1958؛ ففي 1902 جعلت سلطة الاحتلال البريطاني -التي كانت تحكم البلدين آنذاك- حلايب تابعة للإدارة السودانية لأنها أقرب جغرافياً للخرطوم من القاهرة.

وظلت المنطقة تابعة للسودان حتى 18 فبراير/شباط 1958 حين قام الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر بإرسال قوات إلى المنطقة، وكاد الخلاف الناشب حينها أن يتحول إلى نزاع حدودي مسلح بين البلدين الجارين، لكنهما تمكنا من تغليب منطق التعايش وحسن الجوار على الاشتباك.

ورغم أن منطقة حلايب خضعت منذ ذلك التاريخ للسيادة المزدوجة من الدولتين، فإن أزمتها ظلت تطل برأسها على الدوام حسب حركة العلاقات بينهما شدا وجذبا، خاصة أن القاهرة لم تقبل يوما إحالة القضية إلى التحكيم الدولي الذي يُرضي الخرطوم ولا يمكن تحقيقه قانونيا إلا برغبة الطرفين.

وأعلن السودان تقديمه شكوى ضد مصر لدى مجلس الأمن الدولي بسبب إجراء حكومتها اقتراعا في الانتخابات البرلمانية عام 2015 داخل منطقة حلايب.

2- محاولة اغتيال مبارك:
وفي يونيو/حزيران 1995، تعرض الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك لأخطر محاولة اغتيال استهدفته شخصيا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حينما كان يحضر قمة أفريقية، فقد أغلق مسلحون الطريق أمام موكبه وأطلقوا النار على سيارته، لكنه لم يصب بأذى بعد أن تمكن حراسه من التصدي لمنفذي الاعتداء، في حين قتل عدد من منفذي العملية.

وحمّلت القاهرة الجماعة الإسلامية المسؤولية عن الهجوم، خاصة القيادي في الجماعة مصطفى حمزة أحد أبرز الشخصيات في الأفغان العرب المصريين، الذي تقول القاهرة إنه العقل المدبر لمحاولة الاغتيال، وحكمت عليه غيابيا بالإعدام، ثم برأه القضاء المصري بعد إعادة محاكمته حضوريا عام 2013.

واتهمت الحكومة المصرية النظام السوداني بقيادة عمر البشير بالتخطيط لعملية محاولة اغتيال مبارك، أو على الأقل تسهيل تنفيذها، وذلك باستضافة الجماعة المتهمة -من قبل مصر- بتنفيذها وتمكينها من إنشاء معسكرات تدريب خاصة على أراضيه، وكانت مركزا لتخطيط وتنفيذ هذه المحاولة، وهو الأمر الذي نفته الخرطوم على الدوام.

video

3- توزيع مياه نهر النيل:
يصف المراقبون مواقف البلدين من ملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي -الذي يعد أضخم سد لتوليد الكهرباء على مجرى النيل الأزرق وترى فيه القاهرة تهديدا وجوديا لها وتخشى أن يقلل حصتها من مياه النيل- "بالمتباعدة".

وظل البلدان ملتزمين باتفاقية 1959 -التي تعد دستورا لأعمال الهيئة الفنية الدائمة المشتركة بين دول النهر- منذ إقرارها، وأظهرا تعاونا مثاليا بشأنها مكنهما من إنشاء كثير من المشاريع على النهر خلال هذه الفترة.

وتعدّ هذه الاتفاقية نقطة خلاف بين مصر ودول حوض النيل التي لا تعترف بها، وتطالب بتقسيم حصص المياه وفق رؤى جديدة، مع أن مصر تعتمد على النيل في أكثر من 95% من احتياجاتها المائية، بينما تحتاج إثيوبيا مثلا 1% فقط من مياهه.

لكن القاهرة والخرطوم اتخذتا مواقف غير موحدة من سد النهضة منذ إعلان أديس أبابا بدء إنشائه أوائل أبريل/نيسان 2011، ففي حين تتهم القاهرة الخرطوم بدعم أديس أبابا وتطالبها بالوقوف معها في مقاومة السد، تميل الخرطوم إلى إحداث توازن في الموقف عبر الالتزام بالاتفاقيات السابقة مع مصر ومساندة إثيوبيا في قضية السد.

4- مقتل سودانيين بمصر:
في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 أُعلن في مصر مقتل ستة مهاجرين سودانيين برصاص مجهولين في شبه جزيرة سيناء على الحدود مع إسرائيل، وذلك بعد قتل قوات مصرية 15 مهاجراً أفريقياً يعتقد بأنهم سودانيون في 15 من الشهر نفسه جنوب مدينة رفح بسيناء.

وأفادت مصادر أمنية وطبية مصرية بأن 11 مهاجرا سودانيا أصيبوا أيضا في الحادث، دون أن تحدد ملابسات الواقعة أو الجهة المسؤولة عن ذلك، ولكنها رجحت أن المهاجرين كانوا يحاولون التسلل إلى إسرائيل عبر الحدود المصرية.

وعلى الفور، أعلنت السفارة السودانية في القاهرة إرسال "بعثة قنصلية" إلى مدينة العريش المصرية لتقصي الحقائق حول مقتل السودانيين في الحادثة، مؤكدة احتجاجها على "إساءة معاملة السودانيين في مصر"، كما طالب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون القاهرة بضرورة "فتح تحقيق كامل في هذه الأحداث المأساوية، وضمان المساءلة عنها ومنع تكرارها".

ويرى مراقبون في هذه الحوادث تجليا لما سموه "غضب" النظام المصري من التقارب السعودي السوداني، والدور الذي تلعبه القوات السودانية في عمليتي "عاصفة الحزم" و"إعادة الأمل" اللتين تقودهما الرياض ضد الحوثيين وحلفائهم في اليمن.

5- إقليم دارفور
تشكل قضية دارفور أحد الملفات الخلافية بين الخرطوم والقاهرة؛ ففي 23 مايو/أيار 2017 قال البشير إن مصر تدعم مسلحي دارفور بالسلاح، وإن القوات السودانية ضبطت مدرعات مصرية بحوزة متمردي دارفور الذين هاجموا شرق وشمال الإقليم في وقت سابق من الشهر نفسه.

وعبر البشير -في كلمة له أمام حفل لقدامى المحاربين في وزارة الدفاع السودانية بالخرطوم- عن أسفه لذلك، ووصف الهجوم الذي شنه المتمردون على دارفور عبر محورين من ليبيا وجنوب السودان بأنه مؤامرة كبيرة ضد بلاده.

وكان كبير مفاوضي الحكومة السودانية في مفاوضات سلام دارفور أمين حسن عمر اتهم الحكومة المصرية بدعم مسلحي دارفور بالسلاح بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق حكومة جنوب السودان واللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، وقال في مؤتمر صحفي "نعرف أن مصر تدعم حليفها في ليبيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، كما تدعم دولة جنوب السودان أيضا بالسلاح".

وكان الجيش السوداني أعلن قبل ذلك أنه يخوض معارك مسلحة مع "قوات مرتزقة" دخلت إقليم دارفور من حدود ليبيا وجنوب السودان في وقت متزامن.

وفي فبراير/شباط 2017، صرّح البشير بأن مصر تدعم حكومة جنوب السودان بالأسلحة والذخائر، كما تتهم الخرطوم جارتها الجنوبية بدعم حركات سودانية متمردة، وهو ما تنفيه جوبا.

في الجهة المقابلة، نفت وزارة الخارجية المصرية اتهامات سودانية لها بدعم متمردي دارفور، مؤكدة احترام مصر سيادة السودان على أراضيه، وأنها لم ولن تتدخل يوما في زعزعته.

وشدد المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد أبو زيد على أن سياسة مصر الخارجية قائمة على احترام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وعدم الاعتداء على الغير.

وتقول القاهرة إن الخرطوم تؤوي مجموعات المعارضة المصرية الرافضة للانقلاب العسكري في مصر والمؤيدة لشرعية الرئيس المعتقل محمد مرسي، ولا تتخذ أي إجراءات ضدهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة