مستقبل النزاع في أفق الخيارات المطروحة   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:51 (مكة المكرمة)، 16:51 (غرينتش)

مستقبل النزاع في الصحراء مسألة أصبحت تتعقد شيئا فشيئا بعدما أعلنت الأمم المتحدة عن الحلول المقترحة أو الخيارات التي لا تلقي إجماعا من لدن أطراف النزاع. ويطرح هذا التحليل الصورة القاتمة لمستقبل هذا النزاع المستمر وسط ظروف جيو إستراتيجية معقدة.

* بقلم/ محمد جميل بن منصور

الصحراء العربية من الاستعمار إلى التقسيم
الخيارات المطروحة.. المطلوب والممكن

الاستفتاء
عن القوى الدولية المهتمة


الصحراء العربية من الاستعمار إلى التقسيم

من المظاهر التي تشابهت فيها مناطق عديدة خصوصا في العالم العربي والإسلامي بعد ذهاب المستعمر الأجنبي وطرده وجود بؤر توتر ومجالات نزاع، وكان مثال ذلك في منطقة الغرب الإسلامي أو المغرب العربي نزاع الصحراء الغربية الذي لا يزال يستعصي على أي حلول عسكرية حاسمة أو سياسية تفاوضية.
وقد ساهم في تعقيد الملف الصحراوي هذا تعدد المستعمرين أصلا وتشابك المصالح إضافة إلى التصادم بين الدول الفاعلة في المنطقة من بعد مرحلة الاستقلال. فالصحراء نفسها مستعمرة إسبانية بينما المغرب الساعي لضمها والجزائر الداعمة لجبهتها وموريتانيا العاجزة عن دورها فيها مستعمرات فرنسية، وتعدد المستعمر يقتضي تعدد خيارات الاستقلال وأنماط سياقاته.
ورغم أن المستعمر الإسباني خرج من منطقة الصحراء بفعل كفاح أهلها من جهة والتطور الحاصل في العالم المقتضي تجاوز المرحلة الاستعمارية، فإنه عموما أراد لهذا الخروج شكلا وصورة يتضح فيهما الميل في نزاع القوى الإقليمية المهمة والاختيار ضمن التحالفات الجديدة في المنطقة. وكانت اتفاقية مدريد مناسبة ذلك وإعلانه والتي بموجبها قسمت الصحراء بين المغرب الساعي لكل الصحراء، وموريتانيا التي تريد حماية نفسها بأخذ نصيب في الصحراء ودور في التوازنات لا تسعفه القوة العسكرية ولا يبرره الطموح السياسي للدولة الناشئة في مجتمع "البيظان".
ورغم دخول موريتانيا طرفا بارزا في تقسيم الكعكة الصحراوية ورغم بقاء إسبانيا طرفا مهما ولو بحكم الماضي والاهتمام فإن النزاع أخذ طابعا ثنائيا، يسيطر عليه إلى الآن المغرب الطرف الأقوى في المستفيدين من التركة الإسبانية والجزائر التي وجدت في اتفاقية مدريد استهدافا لها وأختها المقاومة الصحراوية الرافضة لذات الاتفاقية.
ومنذ اتفاقية مدريد والوضع في الصحراء في تجاذب وتبادل للمواقع، ففي مرحلة انتشار قوات التحرير الثورية وجدت جبهة البوليساريو دعما قويا سياسيا وعسكريا وماديا أدى لعدة انتصارات أهمها على حساب الدولة الأضعف في المنطقة موريتانيا، وهي المرحلة التي شهدت إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي اعترف بها العديدون وكادت تحقق انتصارات دبلوماسية قوية على المغرب العتيد في المنطقة والعالم. وفي مرحلة أفول الخطاب الثوري وتراجع الأنظمة اليسارية ثم انشغال الجزائر بنفسها تراجعت البوليساريو وكادت المغرب تحسم النزاع عمليا بالسيطرة على المنطقة موضع النزاع. ومع أن الجزائر بدأت أخيرا الاهتمام بالملف الصحراوي من جديد، ومع ازدياد الخلاف الإسباني المغربي الذي ستستفيد منه البوليساريو بلا شك، فإن الوضع على أرض الواقع ما يزال لصالح المغرب. وما زالت أطراف النزاع كلها تعرقل الحلول المقترحة بشروط وتحفظات تتأسس كلها على خلفية الاستفادة الذاتية من هذا الحل أو ذاك.

الخيارات المطروحة.. المطلوب والممكن

مثل أي قضية ساخنة في منطقة إستراتيجية وعرة تشد انتباه القوى العظمى وجهات الصراع على المصالح، استطاعت مشكلة الصحراء أن تستقطب العديد وتشهد عددا كبيرا من محاولات الوساطة والتسوية السياسية. ورغم أن معظم هذه المحاولات اصطدم مع صعوبة أو استحالة الجمع بين مختلف الأطراف وما يريدون فإنها هيأت لخيارات رئيسية استقر عليها الحال، وأصبح الحوار دائرا حولها استقلالا أو جمعا لبعضها مع بعض كليا أو جزئيا. وقبل التطرق لهذه الخيارات وحظوظها من النجاح على ضوء فلسفة الممكن ومنطق الأمر الواقع يحسن التوقف عند الأطراف الأساسية في النزاع على المستويين الإقليمي والدولي.

المغرب
قوة هامة في المنطقة تملك مع نوع من الشرعية التاريخية وتجربة المخزن نفوذا هاما في المحيط الإقليمي، تستند لعلاقات قوية مع فرنسا والولايات المتحدة، سعت لحسم النزاع عمليا بضم معظم الأراضي الصحراوية، ولا تخفي قلقها من استفتاء لا يخضع لشروطها وتخشى من تفاهم عدة أطراف ضدها.

جبهة البوليساريو
رغم أن هذه الجبهة فقدت الأجواء المساندة للحركات التحررية الثورية فإنها لا تزال الطرف الأهم المنازع للمغرب، وفقدت كثيرا من أوراقها بعد تراجع الأنظمة اليسارية عن دعمها وانشغال الجزائر بنفسها عنها، وتحاول الاستفادة من النزاع الإسباني المغربي ومن الحذر الموريتاني التقليدي من المغرب، ولا تخفي ارتياحها لعودة الاهتمام الجزائري بالملف بعد وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للسلطة، وتظن أن الاستفتاء سيكون لصالحها معولة في هذا الصدد على التشبث العاطفي للشعوب بالاستقلال وخياره.

موريتانيا
لم تعد طرفا أساسيا في النزاع وإن فرض عليها قربها منه واشتراك سكانها مع سكان الصحراء في القبيلة والعادات الاجتماعية متابعته والاهتمام بتطوراته. كان هجوم ثلاث سيارات للبوليساريو سنة 1976 على العاصمة نواكشوط حين ضربوا القصر الرئاسي ومباني دبلوماسية بصواريخ "سام 6" و"سام 7" بداية الخروج من الملف الصحراوي. ومع أن النظام الموريتاني بدعم فرنسي ومغربي استعاد بعض معنوياته وحقق بعض الانتصارات، إلا أن المتطلبات العسكرية للحرب والتكلفة الاقتصادية الباهظة خذلتا ولد داداه في طموحه، مما هيأ لاستلام عناصر الجيش للسلطة وانسحابهم من الحرب مكتفين لموريتانيا بدور الحليف لأحد القطبين المغاربيين حسب الظروف ومستويات التقارب مع أي منهما.

الجزائر
هي الداعم التقليدي لجبهة البوليساريو والمستقبل له بعد اتفاقية مدريد، ويتحدث النظام الجزائري عن خيانة موريتانية لصالح المغرب رغم "الأيادي الجزائرية البيضاء على دولة المختار ولد داداه الناشئة". واستطاعت أن تعبئ عددا كبيرا من الدول اليسارية لصالح البوليساريو وضمنت لهذه الجبهة غطاء سياسيا وعسكريا مكنها من الصمود أمام الهجمات المغربية المتكررة. انشغلت بنفسها في العشرية الأخيرة بعد أن دخلت دوامة عنف وصراع داخلي على خلفية الانقلاب العسكري على التعددية الديمقراطية مما أثر على اهتماماتها الخارجية وطموحاتها الإقليمية، وكانت جبهة البوليساريو من أولى الضحايا. ما زالت تملك دورا في النزاع حاول بوتفليقة أخيرا أن يعززه ويعيده إلى شيء من سابق عهده، إلا أن الظروف الدولية والإقليمية التي تغيرت واستمرار الأزمة الداخلية لا يساعدان وزير الخارجية الأشهر للجزائر في مسعاه.

فرنسا
دورها تأخذه من علاقتها التقليدية بالمنطقة حيث كانت تستعمر الدول الثلاث ذات الصلة بالملف، كما أنها ظلت تحتفظ بعلاقات جيدة -ترتبك أحيانا- مع أنظمتها المتعاقبة. لا تخفي ميلها الظاهر للمغرب بحكم استقرار العلاقة معه واستقرار الهوية السياسية لسلطاته وإن لم يصل بها الحد للتفريط بالجزائر ورضاها، يدعم ذلك رغبة فرنسية استعمارية في استمرار النزاع حتى لا يقوى طرف في حجم المغرب وأهمية الجزائر وعناده. تساهم التغييرات السياسية في الحكم الفرنسي من اليمين إلى اليسار في التردد الحاصل في الموقف من نزاع الصحراء.

إسبانيا
وضعها كمستعمر سابق لإقليم الصحراء والتوتر الحاصل في علاقاتها مع المغرب سببان كافيان للاهتمام بملف الصحراء. وهي ليست طرفا مباشرا في المفاوضات حول النزاع وإن راقبته بروح لا تريد للمغرب التخلص منه ضما أو انسحابا، فملف سبته ومليله يحتاج انشغالا مستمرا للرباط.

الولايات المتحدة الأميركية
دورها في النزاع يعود بالدرجة الأولى لمكانتها الدولية والوصاية التي أصبحت تفرضها في مختلف أنحاء العالم هذا فضلا عن علاقاتها التاريخية المتميزة مع المغرب وملكه. لا يبتعد موقفها عموما عن الموقف الفرنسي وإن مالت للمغرب أكثر، وقد تحررت من بعض الاعتبارات التاريخية التي ما زالت تحكم السياسة الفرنسية في المنطقة.

الاستفتاء


خيار تقسيم إقليم الصحراء قد يكون في صالح البوليساريو وبالتالي الجزائر، ويرفضه المغرب الذي يقبل خيار الاستقلال الداخلي، وهو أمر لا تريده البوليساريو ولا الجزائر
ليس الاستفتاء بخيار وإنما هو آلية تقود لأحد الخيارات المطروحة. ويتفق الجميع على مبدئه لأنه يقوم على استفتاء سكان الصحراء في خيارهم المفضل، أهو الانضمام للمغرب أم الاستقلال عنه أم شيء آخر في دائرة الأول أو أقرب للثاني.
لكن جميع الأطراف وخصوصا المغرب وجبهة البوليساريو يختلفون حين يتجاوز المبدأ إلى التطبيق أو يتحول الخيار إلى سياسة وإجراءات.
من المستفتَى؟: هل هو السكان حسب السجلات الإسبانية أم هم السكان الحاليون للأقاليم الصحراوية؟ وكيف نميزهم في المدن التي يسيطر عليها المغرب أو المخيمات التي يتجمع فيها أنصار جبهة البوليساريو؟ وما حدود الاعتبارات والضوابط القبلية في تحديد المستفتيْن؟
من المستفتِي؟: هل هو الأمم المتحدة وحدها؟ أم سيكون للمغرب ورجاله والجبهة وأشخاصها حضور مشارك أو مراقب؟ وهل سيكون ذلك بالتساوي أم لا؟ وهل سيثق الطرفان في نزاهة مسؤولي الأمم المتحدة بمن فيهم موفد الأمين العام؟
ما هي فترة الاستفتاء وآلياته؟ وما دور الجميع وخصوصا طرفي النزاع في تحديدها والتعديل فيها بعد وضع المنظمة الأممية لها؟
وهكذا يتحول الاتفاق على مبدأ الاستفتاء إلى خلاف بلا حدود ... في حدوده وآلياته ومجالاته والمستهدفين به والقائمين عليه، وعليه يرجح المراقبون والمهتمون بالشأن الصحراوي أن خيار الاستفتاء وإن كان أكثر الخيارات منطقية وشفافية مستبعد في الأمدين القريب والمتوسط.

خيار التقسيم
ويعني أن تقسيم منطقة الصحراء يكون بين طرفي النزاع المغرب وجبهة البوليساريو، فيضم الأول جزأه إلي المملكة المغربية ويقيم الثاني على جزئه جمهورية صحراوية. ولا أحد في الظاهر يتبنى هذا الخيار لأن المغرب لم يدخل حربه ويرفع شعاره "استعادة الأراضي المغربية في الصحراء" ليقبل جزءا دون جزء أو منطقة دون منطقة، ولأن جبهة البوليساريو قدمت نفسها لسكان الصحراء وللعالم باعتبارها حركة تحرر ومقاومة، فلا معنى لتنازلها عما تعتبره جزءا من الوطن.
والظاهر أن خيارا كهذا يستلزم امتناعا مغربيا لاستحالة كسب النزاع لأسباب دولية وإقليمية بالأساس وتسليما من طرف البوليساريو بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا أمر ليس بالمستغرب نسبة للتطورات والظروف، ويبقى إصرار بعض القوى الدولية على إطالة أمد النزاع حاجزا قويا أمام خيار التقسيم إن رضيه المعنيون.

خيار الاستقلال الداخلي
الحل الوحيد المقبول من جانب الشعب الصحراوي هو قيام جمهورية الصحراء العربية والديمقراطية والاعتراف بسيادتها على جميع الأراضي التي كانت تمثل الصحراء الإسبانية، هذا ما صرح به محمد عبد العزيز السكرتير العام لجبهة البوليساريو لمجلة ميدل إيست البريطانية في يناير 1979. وكان هذا هو الشعار والفكرة التي عبأ عليها أتباع الولي مصطفى السيد ومن بعده محمد عبد العزيز، لكن التطورات اللاحقة التي انتهت بأفول حركات التحرر وتغول الأنظمة القريبة من الحلف الغربي عموما والأميركي خصوصا فرضت أجواء وأملت خيارات تحالف الأصل المطلوب وتقترب من المناخ الممكن. وهنا طرحت فكرة الاستقلال الداخلي بحيث يعترف لمنطقة الصحراء بنوع من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهذا الخيار وإن بدا جامعا بين رغبة المغرب في السيادة ونزعة البوليساريو في نوع من الاستقلال يواجه صعوبات كبيرة لعل أهمها:

  • غياب الثقة بين الطرفين وضعف احتمالات نسجها من جديد.
  • وجود صحراويين تابعين للمغرب وحكمه سيسعون بدعم من المغرب طبعا للتمركز في الكيان الصحراوي المفترض، وهو أمر يزعج بلا شك صحراويي جبهة البوليساريو ويخيفهم من مستقبل قد يسعى فيه أنصار المغرب إلى تحويل الحكم الذاتي إلى اندماج كلي في كيان المملكة.
  • عدم وضوح الجوانب الدستورية والسياسية في الحكم الذاتي المقترح، واحتمال سعي الطرفين في حالة هذا الخيار إلى التأثير على هذه الجوانب لخدمة مزيد من الاستقلال بالنسبة للبوليساريو وللتخفيف منه بالنسبة للمملكة المغربية.

وهكذا طرح بالتداول في السنوات الأخيرة خيار الاستقلال الموسع، وهي فكرة كما هو واضح تخدم الاستقلال مما جعل المغرب يرفضها.

حول الحل الأممي
لقد أعد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الذي يملك مصدر قوة إضافيا -لأنه أميركي- أكثر من تقرير حول الوضع في الصحراء تناول فيه أبعاد المشكلة وأهم المعوقات أمام الاستفتاء. ولأن الحل الأممي يرتكز على فكرة الاستفتاء باعتبارها مقبولة من الطرفين وباعتبارها الصيغة الأكثر ديمقراطية لتحديد اختيار سكان الإقليم، فإنه ظل يراوح مكانه وظلت جولات بيكر المكوكية بين عواصم المنطقة ولقاء مختلف الزعماء والشخصيات تصطدم بعقبة من المستفتيْنَ، وكيف تستفتى ولا يبدو في الأفق القريب إمكانية جدية لتجاوز الحل الأممي المقترح المربع الذي دفعته له شروط المغرب وتخوفات البوليساريو.

عن القوى الدولية المهتمة


اللافت للنظر والمثير للاستغراب غياب أي موقف عربي موحد أو مؤثر في نزاع الصحراء، فالأنظمة العربية فيما يبدو ترى أن حساسية الملف لدى دولتين عربيتين مهمتين "المغرب والجزائر" يحول دون تقديم اقتراح للحل حتى لا تتهم بالانحياز لطرف على حساب الآخر
وكما أشرنا تهتم إسبانيا بملف النزاع في الصحراء وهي المستعمر السابق والجار المزعج للطرف الأبرز في الأزمة "المغرب". ومع أن مدريد بتسليمها الإقليم الصحراوي تقاسما بين المغرب الساعي له وموريتانيا الخائفة على نفسها خرجت عمليا من النزاع، إلا أن طموحاتها الإقليمية وحرصها المستمر على انشغال المغرب عن ملفات التوتر الثنائية دفعها للمتابعة والرصد والتدخل عند الحاجة بصيغة مباشرة أحيانا وغير مباشرة أحيانا أخرى.
ثم فرنسا ذات الإرث الاستعماري في المنطقة وذات العلاقة المميزة مع أنظمتها رغم تقاربها التقليدي مع النظام الملكي في الرباط فإنها لا تتجاهل أهمية ومكانة الجزائر خصوصا في فترة تخوض هذه الأخيرة صراعا مع من تعتبرهم فرنسا خطرا على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة وهم الإسلاميون.
ثم هناك الولايات المتحدة الأميركية المترددة منذ السبعينيات في حسم خيارها حين عارض وزير خارجيتها المشهور سايروس فانس إمداد المغرب بالأسلحة خوفا على المصالح الإستراتيجية لواشنطن في المنطقة، وقابله معارضا مستشار الرئيس للأمن القومي بريجنسكي ومعه خبراء من البنتاغون حين ضغط لإتمام صفقة أسلحة مع الرباط حتى يسقط نظام صديق آخر، في إشارة واضحة لشاه إيران.
ورغم أن العلاقات الأميركية المغربية انتقلت من مقبولة إلى حسنة إلى جيدة وأن واشنطن قررت ألا تفرط في النظام المغربي، فإن موقف واشنطن لم يصل لدرجة استفزاز الجزائر التي تستورد الولايات المتحدة منها 19.5 % من الغاز الطبيعي و7.8 % من وارداتها البترولية.

الغياب العربي
رغم طول هذا النزاع وأنه يحدث في منطقة هامة من الوطن العربي تضم دولا ذات أهمية ومكانة في بيت العرب فإن اللافت للنظر والمثير للاستغراب غياب أي موقف عربي موحد أو مؤثر في هذه القضية .. الأنظمة العربية والوسطاء العرب قد يقدمون حجة تقليدية وهي حساسية الملف لدى دولتين عربيتين مهمتين "المغرب والجزائر" وبالتالي الخوف من الانحياز لطرف على حساب الآخر. إلا أن طول أمد النزاع والأثر الذي تركه على انسجام شعوب وأنظمة المنطقة كانا يفرضان منطقا آخر في التعامل مع القضية التي أصبحت حلولها تنتظر من واشنطن أو مدريد أو باريس أو نيويورك.

إذن
الظاهر أن المغرب رغم سيطرته على معظم الأراضي الصحراوية لم يحسم المعركة نهائيا كما كان ينتظر أنصاره، والظاهر أن البوليساريو رغم فقدانها لمواقع عديدة ولبعض ألقها الثوري والدبلوماسي لم تختف ولم تنسحب كليا من ساحة المعركة. والظاهر أن الطرفين يخافان من الاستفتاء لأسباب فيها الموضوعي وفيها المتكلف. والظاهر أن الجزائر وإن عادت لبعض الاهتمام بالقضية مازالت مشغولة بنفسها وأزمتها الداخلية .
والظاهر أن موريتانيا يتنازعها خوف من استعداء الجزائر والبوليساريو، ورغبة في ترتيب العلاقات مع الرباط. أما القوى الدولية المهمة كالولايات المتحدة وفرنسا فلا تبدي رغبة كلية في الحسم لصالح أحد الأطراف، فحبها للمغرب لا يصل إلى درجة الاستعداد لإغضاب الأطراف الأخرى وخصوصا الجزائر، كما أن المغرب موسعا بالصحراء وما يعنيه ذلك من قوة إستراتيجية لبلد عربي مسلم هام لا يمثل هدفا مريحا لمستعمر الأمس وطاغية اليوم.
_______________
* باحث وكاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة