المقاومة العراقية.. الانطلاقة والهوية والتحديات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)


ياسر الزعاترة

حتى أكثر الناس تفاؤلاً لم يكن يتوقع أن تندلع المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال بتلك السرعة التي أذهلت العالم أجمع، فالعراقيون لم يكتفوا بعدم استقبال الغزاة بالورود كما بشّر قادة معارضة الخارج، وإنما أضافوا إلى ذلك سخطاً ومظاهرات ورفضاً ما لبث أن تحول إلى رصاص وقنابل وصواريخ وضعت مخططات الاحتلال أمام مأزق حقيقي دفعها إلى التراجع مرة إثر أخرى، سواء أكان فيما يتصل بترتيب أوراق الداخل العراقي، أم ما يتصل بالبرنامج التالي ممثلاً فيما عرف بإعادة تشكيل المنطقة.

المقاومة العراقية.. الانطلاقة
المقاومة.. كمواجهة حقيقية
المقاومة.. تبلور الفعل والقوى
مشاكل تواجه المقاومة
المعضلة السياسية والإعلامية
أسئلة برسم المستقبل

المقاومة العراقية.. الانطلاقة


لم تتوقف المقاومة العراقية ضد الغزاة أبداً، فمنذ التاسع من أبريل/ نيسان وأصوات الرصاص والمتفجرات مستمرة بما تولّده مشاعر حب الجهاد ومعها حب الانتقام من المحتلين

ليس من الصعب القول إن المقاومة العراقية ضد الغزاة لم تتوقف أبداً، فمنذ التاسع من أبريل/ نيسان 2003 تاريخ سقوط بغداد بيد الاحتلال، وأصوات الرصاص والمتفجرات لم تتوقف.

في تفسير هذه الواقعة الفريدة في تاريخ الحالات المشابهة، يمكن القول إن ثمة أسبابا متعددة وقفت خلف تواصل المقاومة دون توقف وليس اندلاعها بعد الاحتلال.

تبدو قصة المتطوعين الذين جاؤوا من الدول العربية والإسلامية ذات صلة مهمة بما جرى، فقد جاء أكثر هؤلاء وقد عزموا النية على القتال حتى الشهادة، لكن واقع الحال لم يكن يريد قتالاً ولا من يقاتلون.

فالجزء الأكبر من العراقيين لم يكونوا يريدون القتال، ومن أراد منهم ذلك لم تسعفه الظروف الموضوعية المحيطة، سواء أكان بهشاشة خطة المواجهة أم برفض الآخرين الاستمرار في القتال.

وهنا يمكن القول إن جزءًا من المتطوعين العرب واصل القتال حتى بعد التاسع من أبريل/ نيسان، وخاض عدد منهم معارك متفرقة في أماكن متعددة، في وقت كان الجميع فيه يراقبون المشهد بالكثير من الدهشة، والسبب هو ما أظهره أولئك الشبان من بطولة فريدة في المواجهة، وقد كانت معركة نفق الشرطة حكاية يتداولها أهل بغداد بالكثير من الإعجاب، وأحياناً بالكثير من الدموع.

كان هناك سبب آخر يتصل بكثافة النيران الأميركية خلال الغزو، وما أوقعته من خسائر كبيرة في صفوف العراقيين -مدنيين وعسكريين- ما خلف أعداداً كبيرة من الراغبين في الانتقام، إما من أجل أقاربهم أو تبعاً لمشاعر الهزيمة أمام الغزاة، حتى لو كانت هزيمة من نوع خاص بسبب طبيعة العلاقة مع النظام.

من جانب آخر يمكن القول إن الشارع العراقي كان يعيش ذات الأجواء النفسية التي يعيشها الشارع العربي والإسلامي من حيث شيوع ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد التي رسختها انتفاضة الأقصى في فلسطين، وإلى جانب ذلك ثقافة الكراهية للولايات المتحدة بسبب ذات الانتفاضة واستهداف الإسلام والمسلمين بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة.

في هذه الأجواء يمكن القول إن عمليات متفرقة ضد قوات الاحتلال بدأت تنفذ من قبل شبان ورجال هنا وهناك دونما تنسيق ولا قرار ميداني من أي أحد، بل بما تولده مشاعر حب الجهاد ومعها حب الانتقام من المحتلين.

المقاومة.. كمواجهة حقيقية

بقيت المقاومة تتراوح بين مواجهات متفرقة هنا وهناك لبضعة أسابيع تخللتها ردود فعل عنيفة من قبل قوات الاحتلال كانت تزيد النار اضطراماً، إلى أن جاءت قصة مدينة الفلوجة مطلع مايو/ أيار حين حاول سكان المدينة إقناع المحتلين بالخروج بسبب ممارساتهم المتناقضة مع أخلاقيات المدينة المحافظة. وكانت المسيرة التي واجهها المحتلون بالرصاص فسقط من المتظاهرين 13 شهيداً وبضع عشرات من الجرحى.

في اليوم التالي صحا سكان الفلوجة على مشهد عملية وتدمير قافلة للجند شاهدها الناس محترقة، الأمر الذي بدأ يشجع الشبان ويزيل هيبة المحتلين من نفوسهم، فبدؤوا ينخرطون واحداً إثر آخر في المواجهات الليلية مع القوات الأميركية، وهو ما دفعها إلى الخروج من المدينة والتمركز خارجها في منطقة تدعى صدامية الفلوجة.

لكن الشبان الذين استهوتهم الفكرة ورأوا الإنجاز على الأرض كانوا قد قرروا الاستمرار في المواجهة، سيما بعد أن خرج مصطلح المقاومة إلى العلن وباتت مدينة الفلوجة عنواناً لتحدي الاحتلال، ثم ما لبثت أن لحقت بها مدينة الرمادي، ومن ثم بغداد وصولاً إلى تبلور مصطلح آخر إلى جانب المقاومة اسمه "المثلث السني".

مع تواصل المقاومة كان الغزاة يزدادون ارتباكاً وتكثر أخطاؤهم على نحو فريد من قتل عشوائي إلى تدمير للبيوت ومداهمات وسرقة واعتقالات بأعداد هائلة، الأمر الذي كان يدفع باتجاه المزيد من المقاومة.

المقاومة.. تبلور الفعل والقوى


من الصعب وضع نسب مئوية حول حجم مساهمة مجموعات المقاومة الإسلامية، لكن حركة المقاومة الإسلامية الوطنية تبقى الأكثر تميزاً حتى الآن، سواء من زاوية الفعل الإعلامي والسياسي أو من زاوية الفعل العسكري

مع شيوع مصطلح المقاومة والمثلث السني كانت القوى الفاعلة على الأرض تحدد مساراتها، فيما كان أناس عاديون ينضمون إلى صفوفها من دون أن يحددوا هويتها، فكل مجموعة كانت تشكل فصيلاً أو تجمعاً وتبدأ بالفعل، في وقت لم يكن ثمة إشكالية في توفير السلاح ولا في توفير المأوى، فالشبان يتجمعون ويخرجون لتنفيذ عملية أو كمين ثم يعودون إلى بيوتهم وكأن شيئاً لم يكن.

مع توالي الأيام كانت المجموعات تزداد اتساعاً وتجد لها أسماء متفرقة، فيما كانت في معظمها تشير إلى أن الروح الإسلامية هي التي تحكم الفعل المقاوم، وقد جاءت الصحوة الإسلامية وقيادة العلماء للحالة لتزيد هذا المسار تجذراً، حتى أن المصطلح السائد في العراق هو "المجاهدون".

خلال شهور ظهرت أسماء كثيرة يرى الناطق باسم هيئة العلماء المسلمين الدكتور مثنى حارث الضاري أنها وصلت 29 اسماً، لكن الأسماء كانت تظهر ثم تختفي مع بقاء الملاحظة المشار إليها حول البعد الإسلامي فيها.

الآن يمكن القول إن ما ثبت في الساحة من تلك الأسماء لا يتعدى بضعة أسماء أهمها: حركة المقاومة الإسلامية الوطنية، جيش أنصار السنة، أنصار الإسلام، جيش محمد، وقيادة المقاومة والتحرير.

من الصعب وضع نسب مئوية حول حجم مساهمة هذه المجموعات، لكن حركة المقاومة الإسلامية الوطنية تبقى الأكثر تميزاً حتى الآن، سواء من زاوية الفعل الإعلامي والسياسي، أم من زاوية الفعل العسكري واتساع نطاقه ليشمل كافة مناطق العرب السنة.

وتتشكل الحركة من قوى إسلامية عمادها "الإخوان المسلمون" وإن تم ذلك بمبادرات خاصة من عدد من الرموز، وكذلك من مجموعات سلفية فضلاً عن بعض الصوفية. لكن خطاب الحركة وأساليب فعلها مازالت تستلهم -كما يقول- أدبياتها من نموذج حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين.

بالنسبة لجيش أنصار السنة يمكن القول إنه النموذج العربي من حركة أنصار الإسلام الكردية، ولعله النموذج الأقرب إلى روحية تنظيم القاعدة في سلوكه العسكري والفكري والسياسي، حيث يسجل على الجيش إضافة إلى فعله الجيد في مجال مقاومة الاحتلال استهدافه للشرطة العراقية ومراكزها.

جيش محمد مازال غامضاً إلى الآن، ويمكن القول إنه يتشكل من أعداد من المتدينين من صفوف الجيش وبعض الأجهزة العراقية، فيما تتراوح بياناته بين حين وآخر ويصعب قياس دوره في المقاومة بشكل دقيق.

أنصار الإسلام هم الجماعة الكردية المعروفة، وهؤلاء فعلهم قليل، ومن تحرك منهم يفعل ذلك على نطاق فردي أو مجموعات صغيرة بسبب تشرذم الحركة بعد ضربها في مناطق الأكراد.

قيادة المقاومة والتحرير لها خطاب بعثي أحيانا لكنها تتعامل مع الخطاب الإسلامي وتظهر بمسميات مختلفة، منها كتائب الفاروق والحرس الجمهوري وجيش القدس. وفيما كان لها حضورها قبل اعتقال الرئيس العراقي، يمكن القول إن وضعها قد تراجع بعده، باستثناء مواصلة إصدار البيانات التي تظهر في بعض الصحف الخارجية القريبة من الخط البعثي.

إلى جانب ذلك كله هناك قدر لا بأس به من المقاومة التي تتحرك بمبادرات عشائرية، أي من خلال مجاميع من العشائر تمارس المقاومة بدوافع إسلامية ووطنية، إضافة إلى مبادرات فردية من قبل أناس تحركهم الدوافع الإسلامية والوطنية أيضاً، ولكل ذلك حضوره في ميدان المقاومة.

مشاكل تواجه المقاومة

لعل أبرز مشكلة تواجهها المقاومة العراقية هي غياب الإجماع الوطني على مسارها في مواجهة الاحتلال، لكن ذلك يبدو أقل أهمية منه في حالات المقاومة ضد الاحتلال في التجارب المشابهة لأكثر من سبب، أولها أن التجربة لاتزال في بدايتها، وأن الآخرين أو معظمهم لا يرون أن المقاومة خيار مرفوض من الأصل وإنما مرفوض أو متحفظ عليه في هذا التوقيت الذي لايزال بالإمكان -حسب رأيهم- المضي خلاله في المسار السياسي.

أما السبب الآخر فهو وجود مناطق تتمتع فيها المقاومة بتأييد كبير وحصانة واسعة، وهي المناطق التي اصطلح على تسميتها بالمثلث السني. لكن ذلك لا يعني أن غياب الإجماع الوطني ليس مشكلة، بل هو كذلك من زاوية أنه يعطي الشرعية لعدد من المتعاونين مع الاحتلال ضد المقاومين.

ولا شك أن اتساع دائرة التعاون مع ازدياد أعداد الجيش والشرطة يشكل مأزقاً كبيراً لابد أن تتطور المقاومة بشكل كبير حتى تتجاوزه.

تتمثل المشكلة الثانية في شراسة الهجمة الأميركية العسكرية على المقاومة وقواها، وهي الشراسة التي تتجلى في الحجم الهائل للمعتقلين الذين يصلون إلى عشرة آلاف حسب المصادر الأميركية، فيما هم أضعاف ذلك الرقم حسب المصادر العراقية.

تبدو مشكلة التمويل أساسية، فهي وإن بدت عادية في المدى القريب لن تكون كذلك مع اتساع دائرة المستهدفين من قبل قوات الاحتلال. وهنا يمكن القول إن الدعم الذي تتلقاه المقاومة لايزال محدوداً، سيما من الخارج الذي يتقاعس خوفاً من الأميركان أحياناً، فيما يتحجج بعدم وجود عناوين واضحة لتلك المقاومة في أحيان أخرى.

هناك مشكلة الفوضى التي تتسم بها بعض فعاليات المقاومة، عبر إصرار البعض على عمليات ضد الشرطة وبعض المؤسسات المدنية تسيء إلى مسار المقاومة. لكن ذلك يبدو عادياً في هذه المرحلة التي لاتزال فيها القوى تتبلور وصولاً إلى تحديدها في عدد محدود يسهل التعامل معه وتحديد بوصلته السياسية.

المعضلة السياسية والإعلامية

تنهض المعضلة السياسية والأخرى الإعلامية كمعضلتين أساسيتين تواجههما المقاومة. فعلى الصعيد السياسي يمكن القول إن عدم وجود رموز يتحدثون مباشرة باسمها يشكل عائقاً أساسياً أمام تقدم مسارها، لكن ذلك يبدو منطقياً بوجود المتعاونين مع الاحتلال وهيمنته على كل المدن، وعدم وجود دول خارجية تحتمل وجود ناطقين باسم المقاومة على أرضها. لكن ما يخفف من هذا العبء وجود عدد من الرموز الذين لا يتبنون المقاومة وإن دافعوا عن حقها في الوجود والفعل.

المشكلة الإعلامية تبدو أكثر أهمية، فالسيطرة الأميركية على الساحة والرعب التي تبثه في أوساط الإعلاميين العرب والأجانب جعلها سيدة الساحة بلا منازع، والمصدر الوحيد للمعلومات عن المقاومة، فلا أحد يمكنه بث أنباء من دون إذنها.

والحال أن مسألة التعتيم على فعاليات المقاومة قد غدت معروفة وثمة إجماع على أن الاحتلال يخفي خسائره، لكن ذلك ليس كل شيء، فالأزمة تتجلى في أمرين آخرين: يتمثل الأول في التركيز على العمليات المرفوضة ضد المدنيين بقصد التشويه، إضافة إلى توجيه الاتهام دائماً ضد عناصر خارجية بعد فقدان موضوع صدام والبعث أهميته.

أما الأمر الآخر فيتمثل في تعتيم وسائل الإعلام على بشاعة ممارسات الاحتلال بحق العراقيين المقاومين ومن يشتبه بتعاونهم مع المقاومة.

على هذا الصعيد لابد من منافذ تجترحها القوى المساندة للمقاومة في الخارج لإيصال صوتها وفعالياتها وفضح ممارسات الاحتلال ومن يتعاونون معه في الساحة العراقية.

أسئلة برسم المستقبل


سيشتد عود المقاومة وستتمكن من مواصلة الضغط على أعصاب المحتلين وأذنابهم في الداخل العراقي وصولاً إلى دفعهم إلى الرحيل، حتى لو تم ذلك بعد سنوات تطول أو تقصر

يعتمد حديث المستقبل بالنسبة للمقاومة العراقية على جملة من الأسئلة الأخرى، سواء ما يتصل منها بتطور مسيرة الاحتلال أم ما يتصل بمواقف الفئات الأخرى في المجتمع العراقي.

هنا يمكن القول إن التطور المقبل المتوقع على صعيد الاحتلال هو خروجه الجزئي أو الكلي من مواقع المدن والتموضع في قواعد عسكرية تقول المؤشرات إنها ستكون خمس قواعد موزعة على المناطق المختلفة.

والحال أن الوصول إلى تلك القواعد لن يكون أمراً صعباً بتوفر الصواريخ الأرضية والجوية، إضافة إلى استمرار وجود الأميركان المدنيين في المواقع المدنية تبعاً لشركاتهم التي تستولي على عقود إعادة الإعمار.

من زاوية أخرى يمكن القول إن قوى المقاومة ستبلور أدواتها العسكرية والسياسية والتنظيمية على نحو أفضل بمرور الوقت، مع أن ذلك سيتزامن بالتأكيد مع قدرة الاحتلال على مطاردتها واختراقها وبث العيون خلف رموزها وفعاليتها. لكن التجربة الواقعية تقول إن مسار المقاومة غالباً ما يشتد عوده مع استمرار التضحيات واتساع التجارب.

هناك فرصة لتجاوز المأزق الأمني وكذلك السياسي والإعلامي، لكن الجانب الأهم يتمثل في توفر فرصة لانضمام قوى شيعية إلى مسار المقاومة إذا تبدّى أن الاحتلال ليس في وارد الرحيل أو منح العراقيين السيادة الكاملة، أو إذا تغير نمط التعامل الإيراني الأميركي الذي مازال يحكم مسيرة الحالة الشيعية سياسياً.

في ضوء ذلك كله يمكن القول إن المقاومة سيشتد عودها، وستتمكن من مواصلة الضغط على أعصاب المحتلين وأذنابهم في الداخل العراقي وصولاً إلى دفعهم إلى الرحيل، حتى لو تم ذلك بعد سنوات تطول أو تقصر. لكن المسيرة التي تسبق ذلك لن تعني إلا مزيداً من الاستنزاف المالي والبشري، وليس عكس ذلك كما كانت مخططات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.
_______________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة