أجنحة "فتح" السياسية والعسكرية   
الجمعة 1427/6/11 هـ - الموافق 7/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 18:45 (مكة المكرمة)، 15:45 (غرينتش)
 
 
قد تكون ملامسة الواقع التنظيمي لحركة "فتح"، سياسيا وعسكريا، الملف الأكثر تداخلا ووعورة وتعقيدا على الساحة الفلسطينية الفصائلية، فلا ريب أن تشظّي "فتح" وانشطارها إلى أجنحة وتيارات سياسية وعسكرية مختلفة ذات مرجعيات متعددة ومتباينة، يجعل من الغوص في أعماق الحركة وقنواتها ومساراتها التنظيمية، وإشباعها بحثا واستنتاجا، أمرا شائكا بكل المقاييس، دونه كثير من الجهد والعمل والصعوبات.
 

إشكاليات وصعوبات

لا يحتاج المتأمل لواقع حركة "فتح" وأوضاعها الداخلية، إلى كثير نظر وخبرة وتجربة كي يدرك طبيعة الفوضى الداخلية، وانعدام البوصلة التنظيمية، التي آلت إليها الحركة، وأودت بالكثير من مقومات انضباطها وتماسكها الداخلي.

ولعل الإشكالية الأكثر بروزا وتصعيدا والتي تنتصب في وجه أي محاولة تقييمية لحركة "فتح"، تكمن في صعوبة تلمّس موقف موحد لدى الحركة إزاء الكثير من القضايا المهمة والمصيرية على الساحة الفلسطينية، وصدور مواقف متباينة وسياسات متناقضة عن محافلها التنظيمية، السياسية والعسكرية، إزاء قضايا محددة في كثير من الأحيان.
 
فالموقف السياسي العام، والرؤية إزاء الاتفاقات الموقعة مع "إسرائيل"، والموقف من موضوع المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي وتفصيلاتها المعقدة، ومسار التعامل مع الحكومة الجديدة التي شكلتها حركة "حماس"، وغيرها من القضايا، تشكل حالة تجاذب واختلاف بين أجنحة "فتح" المختلفة التي تتماهى –أحيانا- أبعادها السياسية والعسكرية، انطلاقا من التداخل الكبير الذي يبيح لأجهزتها العسكرية التوغل في الشؤون السياسية دون حدود أو فواصل تنظيمية واضحة.
 
من هنا فإن الخلوص إلى موقف فتحاوي موحد تلتزم به كافة أطر الحركة وأجهزتها العاملة قد يكون أمرا متعذرا، مما يعني أن مقاربتنا التقييمية تتناول حركات متعددة ضمن إطار حركة واحدة، وأن العديد من هذه الحركات أو الأجنحة يشدّها التنافس والشقاق، ويحكمها التنافر والخصام، أكثر مما يجمعها التوافق والتنسيق والانسجام.
 
 
لم تعرف "فتح" طوال تاريخها استقرارا تنظيميا أو لُحمة تنظيمية جامعة، فقد كانت الانشقاقات والتصدعات، متعددة الأسباب والمبررات، تتوالى لتعصف بالوضع الداخلي للحركة بين فترة زمنية وأخرى، وتتمخض عن خروج رموز وشخصيات فتحاوية إلى إطارات بديلة، وانتهاجها مبدأ المناكفة والصراع عنوانا لعلاقتها مع الحركة الأم التي عانت كثيرا جراء هذه الانشقاقات والتشرذمات الداخلية.
 
"
لم تعرف "فتح" طوال تاريخها استقرارا تنظيميا أو لُحمة تنظيمية جامعة، فقد كانت الانشقاقات والتصدعات، متعددة الأسباب والمبررات
"
ومع ذلك فإن "فتح" تمكنت –بصعوبة- من اجتياز هذه المخاضات التنظيمية المؤلمة، والإبقاء على كيانها الداخلي دون انفراط، رغم التباينات الواضحة والتجاذبات الكبيرة التي تحكم أفكار وتوجهات ومسارات العديد من قادتها المركزيين ورموزها الأساسيين.
 
وترجع بواعث التصدع الداخلي لـ"فتح"، وقابليتها لتفريخ الخلافات والتضاربات، وشمولها كثيرا من الأجنحة والتيارات ذات الأجندة الفكرية والسياسية والتنظيمية المتناقضة في كثير من الأحيان، إلى الثوب الأيديولوجي الفضفاض الذي تتسربل به الحركة، ويتيح لها احتواء أصحاب الأطياف والمشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية كافة في صفوفها، دون أي اشتراطات فكرية أو سياسية أو مبدأ أيديولوجي جامع، مما أحال الحركة إلى مستودع كبير حافل بمختلف الأطياف والتوجهات المتناقضة.
 
وكان للرمزية التي يحظى بها الرئيس الراحل ياسر عرفات دور محوري في تقليل حدة التجاذبات والاستقطابات، وحشر الخلافات والتباينات في حدها الأدنى، وعدم السماح لها بتغيير وجهة "فتح" وإرباك وضعها الداخلي، والحرص على احتواء مطامح القيادات المختلفة بوسائل الترغيب والترهيب التي برع عرفات في استخدامها والتلويح بها في وجه المخالفين.
 
إلا أن ضعف سيطرة وهيمنة عرفات على "فتح"، التي تجلت من خلال ضعف سيطرته على مؤسسات السلطة الفلسطينية، إثر الضربات الإسرائيلية المتعاقبة التي كيلت للسلطة إبان انتفاضة الأقصى، وخاصة في ظل الحصار الشهير لمبنى المقاطعة عام 2002، أفسح المجال أمام تصاعد التناقض الفتحاوي الداخلي، وخروجه إلى العلن بشكل غير مسبوق، وانتقاله إلى حالة من الاستقطاب الخطير، ليتمخض المشهد الفتحاوي -في مجمله- عن استقطابين رئيسيين، وتظهر إلى واجهة الأحداث دعوات فتحاوية تناوئ قيادة عرفات، وتدعو إلى قيادة بديلة تتساوق مع الاشتراطات والمطالب الدولية.
 
تنويها، فإن الاستقطابين الأساسيين اللذين أصبحا محور التنافس الفتحاوي الداخلي لم يلغيا بعضا من التجاذبات والمجموعات الأخرى التي بقيت حاضرة في صلب المشهد الفتحاوي، إلا أن قوة هذين الاستقطابين كانت حافزا مهما أمام هذه التجاذبات، مع مرور الوقت، لمغادرة حالة الهامشية التي ولدها انقسام الوضع الفتحاوي، والذوبان في إحدى هذين التكتلين الكبيرين اللذين يهيمنان حتى اليوم على الواقع الفتحاوي.
 
بين يدي سبر غور هذين الاستقطابين، يجدر التأكيد على أن مبعث الخلاف بين الطرفين لا يعدو كونه خلافا على السلطة والنفوذ وحجم المصالح الفردية والمكاسب الشخصية، وأن الحديث عن خلافات برامجية أو فروقات سياسية جوهرية بينهما، هو محض وهم وتجنّ على الواقع، دون أن يمنع ذلك نوعا من اختلاف التعاطي السياسي بينهما إزاء العديد من القضايا الفلسطينية المهمة. 
 
في البدايات الأولى لظهور الفرز الفتحاوي الداخلي تشكّل الاستقطاب الأول من الرئيس عرفات، وحلفائه من أعضاء اللجنة المركزية لـ"فتح"، وقسم كبير من الوزراء والمسؤولين السياسيين والأمنيين، والعديد من أعضاء المجلس الثوري وقادة الحركة الميدانيين، فيما يعرف بالحرس القديم، وتميز بامتلاكه زمام الأمور وناصية المال والقرار وغالب أدوات الفعل والتأثير، وإمساكه بمعظم خيوط اللعبة الداخلية.
 
أما الاستقطاب الثاني فقد تألف من مدير جهاز الأمن الوقائي والوزير السابق محمد دحلان بإسناد روحي وسياسي من محمود عباس "أبو مازن" عضو اللجنة المركزية لـ"فتح" آنذاك، وحلفائه من قادة وعناصر جهاز الأمن الوقائي، وبعض الوزراء الشبان، والكثير من أعضاء المجلس الثوري للحركة، ونسبة معتبرة من القيادات الحركية الميدانية وخاصة في قطاع غزة، فيما يعرف بالجيل الجديد، وتميز بسيطرته الواسعة على المجريات الميدانية، وقدرته على إرباك التيار الأول -الذي يمثل القيادة الرسمية للحركة- وإزعاجه والتشويش عليه في كثير من الأحيان.
 
 
بدا واضحا أن الجيل الجديد قد تعاطى في صراعه مع الحرس القديم بشكل ذكي ومدروس، فقد ألبس نفسه لبوس "الإصلاح"، وجعل من هذا المصطلح شعارا له، وأعلن في كل المحافل والميادين والمناسبات أن إصلاح وضع "فتح" الداخلي، وانتشالها من أزماتها التنظيمية المتفاقمة، بات هدفا مشروعا يجاهد لتحقيقه، مما أعطى تحركاته وفعالياته المناوئة للحرس القديم غطاء "شرعيا"، وإن كان زائفا في نظر الكثيرين.
 

"
تعاطى الجيل الجديد داخل فتح في صراعه مع الحرس القديم بشكل ذكي ومدروس، فقد ألبس نفسه لبوس "الإصلاح"، وجعل من هذا المصطلح شعارا له
"

في ثنايا شعارات "الإصلاح" المرفوعة برزت الدعوة إلى محاربة الفساد الذي يتسبب فيه الحرس القديم، وترتيب الوضع الداخلي للحركة، وإعادة صياغة مؤسساتها عبر عقد المؤتمر الحركي العام، وفرز قيادة جديدة للحركة تواكب المرحلة وتستجيب لتحدياتها.
 
ولم يقتصر صراع هذين التيارين على الهجوم الخطابي أو البعد الكلامي فحسب، بل تعداه إلى صراعات ميدانية جسدتها صدامات الشوارع التي بلغت ذروتها بالهجمة التي مارسها الجيل الجديد ضد الحرس القديم متمثلا في عرفات شهر يوليو/تموز عام 2004، احتجاجا على إجراء عرفات تعديلات أمنية جوهرية في بنية ومسؤولية الأجهزة الأمنية، تُرجّح كفة ميزانه وحلفائه في مواجهة الخصوم الصاعدين.
 
ومع وفاة عرفات شهر نوفمبر/تشرين ثاني عام 2004، واختيار "أبو مازن" خلفا له، واجه الحرس القديم انتكاسة بالغة أضعفت قوته وزادت من حظوظ خصمه المتربص، وخاصة بعد انضمام بعض الشخصيات والرموز الموالية للحرس القديم إلى الضفة الأخرى، وباتت موازين القوى تميل شيئا فشيئا لصالح الجيل الجديد بقيادة "أبو مازن"، إلا أن هيمنة الحرس القديم على اللجنة المركزية –أعلى هيئة قيادية في الحركة- أطال من عمر الحرس القديم، وأبقاه في موقع التأثير والسيطرة واتخاذ القرار إلى حين.
 
وقبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة شهدت الأروقة الفتحاوية تحركات واحتجاجات ومطالبات مكثفة لرموز وكوادر الجيل الجديد، تختص بالوضع التنظيمي للحركة، ومدى الجاهزية لمواجهة الاستحقاق الانتخابي الذي تشارك فيه "حماس" المنافس العنيد لـ"فتح"، إلا أن الحرس القديم تمكن من احتوائها عبر استجابة جزئية لبعض المطالب المرفوعة، بين يدي وعود أخرى على طريق الإصلاح.
 
لكن نتائج الانتخابات التشريعية شكلت صدمة قاسية وفاجعة كبرى لـ"فتح" بكل المقاييس، وأشعلت بشكل مباشر فتيل الصراع بين التيارين، وسط دعوات صريحة بإسقاط اللجنة المركزية للحركة والتمرد عليها، وتحميلها مسؤولية الفشل الانتخابي الكبير.
 
المثير أن مظاهر الصراع والمواجهة بين التيارين قد اختفت فجأة، وانقشعت بشكل لافت للأنظار بعد أيام معدودات على ظهور نتائج الانتخابات، لتكشف الأنباء قبل أيام عن برامج محددة يمارسها الرئيس "أبو مازن" بشكل هادئ ودون ضجيج، لإعادة ترتيب وضع الحركة، وتهميش اللجنة المركزية، وعزلها عن مكامن الفعل والتأثير، وهو ما تؤشر إليه تطورات الأحداث التي يُتوقع أن تشهد –أيضا- أفول دور معظم رموز الحرس القديم، أو إعادة بناء اصطفافهم إلى جوار التيار الآخر كثمن للاستمرار والبقاء.
 
 
ترجع مسيرة العمل العسكري لـ"فتح" إلى جذورها الأولى إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، التي شهدت تأسيس النواة الأولى للمجموعات الخاصة بالحركة التي تولت العمل المقاوم ضد الاحتلال بأشكال مختلفة.
 
فما أن اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987 واشتد أوراها في أشهرها الأولى، حتى واكبت "فتح" تطوراتها ومستجداتها من خلال تشكيل مجموعات عسكرية ذات أسماء وعناوين مختلفة، نشطت أساسا في ملاحقة العملاء، ثم في تنفيذ العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال، وصولا إلى اتفاقات أوسلو التي مهدت لتأسيس السلطة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية عام 1994، وما تلاها من انخراط معظم أفراد المجموعات العسكرية للحركة في صفوف أجهزة السلطة، مما ألغى الدور العسكري لـ"فتح" تحت طائلة المرحلة المشبعة بالالتزامات والاستحقاقات الأمنية الواردة في الاتفاقات المعقودة مع الإسرائيليين.
 
ومع بدء انتفاضة الأقصى، وتصاعد العدوان الإسرائيلي، وانخراط بعض فصائل المقاومة في العمل العسكري ضد الاحتلال، بدأت بعض شخصيات ودوائر "فتح" الميدانية في مراجعة خياراتها، وإعادة تقييم المواقف السابقة التي اتخذت عقب توقيع اتفاقات أوسلو ونشوء السلطة، للحيلولة دون انعزالها عن مسار الأحداث وهموم الجماهير، التي باتت تتطلع إلى ردود مؤثرة على العنف الإسرائيلي المتصاعد.
 
شيئا فشيئا بدأت تساور "فتح" هواجس الخسارة الشعبية وانخفاض أسهمها الجماهيرية في مواجهة القوى الإسلامية التي تزايد مستوى تأييد الجماهير لها بشكل ملحوظ نتاجاً لفعالياتها الواضحة في مقاومة الاحتلال، مما اضطرها إلى تشكيل كتائب شهداء الأقصى كذراع عسكري وقوة ضاربة لحركة فتح في مواكبة التطورات المتسارعة على الصعيد الميداني.
 
ورغم تشكّل مجموعات عسكرية متعددة تنتسب لـ"فتح"، إلا أن هذه المجموعات لم تبلغ حجم ومستوى كتائب شهداء الأقصى التي بقيت الاسم الأكثر بروزاً وتعبيراً عن الحركة على الساحة الفلسطينية الكفاحية. دون غطاء أو مرجعية سياسية!
 
وقد تركز فعل الكتائب على استهداف المستوطنين الإسرائيليين في الطرق الرئيسية والمحاور الالتفافية في الضفة الغربية، قبل أن توسع دائرة عملها المقاوم ليشمل فلسطين المحتلة عام 1948، في قفزة نوعية شكلت تجاوزاً للسياسات التقليدية التي تتبناها "فتح"، مما خلق بدوره الكثير من التناقضات الداخلية بين الحرس القديم والجيل الجديد فيها.
 
ففي الوقت الذي رأى فيه الحرس القديم ممثلا في اللجنة المركزية هذا التطور خروجاً على السياسة العامة للحركة التي تغاضت عن تأسيس الكتائب، واضطرت مكرهة لقبول دورها داخل فلسطين المحتلة عام 1967 لأجل غير بعيد، ولأهداف الاستثمار التفاوضي فحسب، فإن الجيل الجديد رأى أن رحيل الاحتلال لن يتحقق إلا بممارسة المقاومة بعيداً عن دبلوماسية التنازلات، أو تلك الممزوجة بين الأسلوبين معاً على أقل تقدير.

ونتيجة لسيطرة الجيل الجديد على دفة العمل الميداني، فقد ملك حظوة التأثير على كتائب شهداء الأقصى، فيما انعدمت سيطرة اللجنة المركزية تقريباً على مجريات صناعة القرار العسكري للكتائب، باستثناء دور عرفات الذي اتهم إسرائيليا بتمويل عملياتها، وإعطاء تلميحات وإرشادات غير مباشرة لتنفيذ بعضها.
 
لذا لم يكن غريبا أن تعلن اللجنة المركزية للحركة غير مرة إدانتها للعمليات العسكرية التي تنفذها الكتائب داخل فلسطين المحتلة عام 1948، قبل أن يبلغ الأمر حد التنصّل الكلّي من الكتائب، فضلا عن مواقف شبيهة للمجلس الثوري، إلا أن ذلك لم يؤثر كثيرا على عمل الكتائب الذي استمر داخل العمق الإسرائيلي، بوتائر مختلفة، وعلى فترات زمنية معينة، مما شكل انقساماً حقيقياً في موقف حركة "فتح"، وأدخلها في حالة من الضبابية والتيه السياسي.
 
وما ساعد كتائب الأقصى على الديمومة والاستمرار، أن مجموعاتها وهياكلها التنظيمية لا تخضع لمرجعية أو قيادة تنظيمية واحدة، أو تحتكم إلى موقف واحد، بل تتألف من مجموعات ينشط كل منها في نطاقه الجغرافي، ويحتكم إلى توجيه جغرافي محلي، دون أي انصياع للمناطق الأخرى، مما حرم القيادة العليا لـ"فتح" من إمكانية معالجة ملف الكتائب بشكل شمولي، فما تنجزه القيادة من تفاهمات أو اتفاقات مع منطقة جغرافية بعينها لا يلزم المناطق الأخرى، ناهيك عن أن غياب المرجعية التنظيمية الموحدة أفسح المجال أمام تعدد الآراء والأفكار والمواقف، بل وتعدّد جهات النفوذ والمرجعية في المنطقة الجغرافية الواحدة في بعض الأحيان، وما شكله ذلك من بعثرة وتشتت تنظيمي، أرّق قادة الحركة وجعلهم في معزل عن إقرار الفعل العسكري للحركة أو التأثير فيه.
 
 
ولم يعكر صفو ظاهرة الكتائب إلا إشكالية خطيرة أساءت إلى دورها الناصع الذي اكتسبته من خلال مواجهة الاحتلال، عبر دخولها على خط الصراع والتنافس الداخلي بين أجنحة "فتح" المختلفة، وإقدام بعض أجنحة ومحاور "فتح" على تشكيل مجموعات خاصة بها تحت غطاء الكتائب لتوظيفها في قضايا الخلاف الداخلي مع الفصائل الأخرى، مما تجسد عمليا في الصراعات الفصائلية الميدانية، والقيام بالتدخل المباشر في تفصيلات حياتية للفلسطينيين، كاحتلال واقتحام المباني الرسمية، وغيرها من تدخلات شوهت صورة الكتائب، وحولتها في نظر الكثيرين من إطار لمقاومة الاحتلال إلى أداة لتصفية الحسابات بين الفرقاء المتخاصمين.
 
"
برزت إشكالية خطيرة أساءت إلى دور كتائب الأقصى الناصع الذي اكتسبته من خلال مواجهة الاحتلال، عبر دخولها على خط الصراع والتنافس الداخلي بين أجنحة "فتح" المختلفة
"
إن المشهد الفتحاوي عسكريا يحمل –اليوم- قدرا بالغا من التشوش والخلط والاضطراب، فلا أحد يملك الجزم بصدقية انتماء أو تمثيل هذا أو ذاك، أو تلك المجموعة أوغيرها، إلى كتائب "فتح" العسكرية، في ظل تعدد الولاءات الشخصية والمرجعيات التنظيمية والجغرافية، ولا أحد يملك استقراء مستقبل الكتائب إثر انحراف الكثير منها عن مجال المقاومة إلى مجالات داخلية شائكة كثيرة التعقيد.
 
خلاصة القول، إن حركة "فتح"، بشقيها: السياسي والعسكري، تخضع لقوة استقطاب نافذة، وتحتكم إلى مرجعيات متعددة، تجعل منها حركة مبعثرة التوجهات، مشتتة الولاءات، مما يعني أن انتشالها من وهدتها الراهنة في إطار عملية إصلاح حقيقية، قد يكون حلما بعيداً، أو رهانا خاسرا على أقل تقدير.
_______________
مختص في شؤون الفصائل الفلسطينية
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة