عام ونصف على انتفاضة الأقصى   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:33 (مكة المكرمة)، 16:33 (غرينتش)

أحد أقارب الطفلة فلسطينية الشهيدة ريهام أبو طه (أربع سنوات) يقبل جثمانها أثناء تشييعها في رفح بقطاع غزة

أنهت انتفاضة الأقصى 18 شهرا من المقاومة والعناء كان أبطالها ولا يزال شعب أعزل حاصره الزمان والمكان، واندفعت آلة الحرب الإسرائيلية بكل ما أوتيت من قوة تجتاح أراضيه التي ضاقت بأهلها، تحمي المستوطن وتقتل كل فلسطيني يقابلها صغيرا في مهد الأمومة كان أم شيخا طعنته سنون الاحتلال وقتلته رصاصات الغدر.

لقد كانت حصيلة عام من الانتقاضة كبيرة من الشهداء الذين تجاوز عددهم 1286 شهيدا من بينهم أكثر من 234 طفلا بكى العالم منهم محمد الدرة، وسارة وإيمان حجو التي لم تتجاوز أربعة أشهر من عمرها وريهام أبو طه، ولم يدر عن كثيرين.

برغم أن آثار الاعتداءات الإسرائيلية على المجتمع الفلسطيني كانت كبيرة فمع الشهداء سقط أكثر من 20 ألف جريح، وخسارة الاقتصاد الفلسطيني قرابة 6 مليارات دولار، إلا أن الخسائر الإسرائيلية لم تكن قليلة، إذ بلغت الخسائر الاقتصادية أكثر من ملياري ونصف دولار. ويمكن أن نضع مقارنة سريعة بين خسائر الجانبين في الجدول التالي:

مقارنة بين الخسائر الفلسطينية والإسرائيلية حتى 28/3/2002

م

نوع المقارنة

فلسطين

إسرائيل

1

القتلى

1286

350

2

الجرحى

20 ألف

3000

3

المنازل المهدمة

580 بشكل كامل
6535 بشكل جزئي

لم يهدم أي منزل

4

الأراضي الزراعية المدمرة

25 ألف دونم

لم تمس أي أرض

5

إجمالي الخسائر الاقتصادية

6 مليار دولار

2.5 مليار دولار

فرضت الانتفاضة نفسها في فلسطين وإسرائيل والمنطقة العربية فظهرت مواقف الأطراف متباينة إذ اعتبرت إسرائيل أن استمرار الانتفاضة عناد فلسطيني لابد من القضاء عليه فلجأت إلى استخدام آلات الحرب مثل طائرات F16 والطائرة العمودية أباتشي والمدافع الثقيلة والدبابات، ولم تقف عند رد أحجار الأطفال الفلسطينيين بل تجاوزتها إلى هدم البيوت وجرف الأراضي الزراعية وإغلاق المعابر، ومنع أكثر من 120 ألف عامل فلسطيني يعملون داخل الخط الأخضر من الوصول إلى أماكن عملهم.

واعتبر الفلسطينيون سلطة وشعبا أن انتفاضتهم إنما قامت ردا للعدوان، وبرغم محاولات السلطة الفلسطينية والدول العربية مد يدها باستمرار للإسرائيليين بقصد استئناف مفاوضات عملية السلام إلا أن الإسرائيليين لم يكترثوا بتلك الأيادي الممتدة وكان آخرها في 28 مارس/ آذار 2001 عندما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون المبادرة العربية التي تبنتها جامعة الدول العربية في بيان قمتها الختامي في بيروت.

اتسعت المشاركة الفلسطينية في يوميات الانتفاضة لتشمل فلسطينيي 48 الذين قدموا عدد من الشهداء وبرز دورهم في رفضهم الفعاليات السياسية الإسرائيلية برغم وجود بعضهم في الكنيست الإسرائيلي وقادوا مظاهرات كبيرة ضد الإجراءات الإسرائيلية المتعسفة نحو فلسطينيي الضفة والقطاع.

شرطة مكافحة الشغب المصرية يشكلون حاجزاً أمام المتظاهرين لتأييد انتفاضة الأقصى
أما الشارع العربي فقد تفاعل مع الانتفاضة لدرجة أن دولا لم تعرف المظاهرات مثل دول الخليج خرجت فيها مظاهرات تأييدية لانتفاضة الأقصى، وهو ما أحرج الأنظمة العربية التي عقدت بعد ما يقرب من شهر على اندلاع الانتفاضة القمة العربية الطارئة في القاهرة وخرجت ببيان لم تصل فيه إلى مستوى آمال الشارع العربي، وإن كان فيه دعم وإعطاء صبغة شرعية أعمق لانتفاضة الأقصى.

وبالمثل تحرك الشارع الإسلامي في مظاهرات حاشدة ودفع نحو تسمية مؤتمر الدوحة الإسلامي المنعقد في نوفمبر/ تشرين الثاني بقمة الأقصى وخرج بيان القمة ناقما على إسرائيل وناقدا لأول مرة الموقف الأميركي المتسامح مع القمع الإسرائيلي.

أحيت الانتفاضة جوانب منسية في المجتمع العربي فعادت من جديد الدعوة إلى مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية ونشط مكتب المقاطعة العربية وعقد غدة اجتماعات وإن لم تسفر عن كثير يذكر، ودعا البيان الختامي لقمة بيروت إلى تفعيل المقاطعة العربية لإسرائيل وعدم إقامة علاقات مع إسرائيل. كما شهدت الحركة الفنية عودة الأغنية الوطنية وشعر المقاومة وامتلأت الفضائيات العربية بمواد غزيرة عن انتفاضة الأقصى واحتلت الانتفاضة المساحة الأكبر في أغلب الفضائيات العربية.

حتى المجتمع الدولي خرج عن صمته وأدان الاعتداءات الإسرائيلية والاستخدام غير المتوازن للقوة العسكرية وصدر العديد من القرارات والمقترحات الدولية التي تعتبر وثائق إدانة للجانب الإسرائيلي. وبالرغم من الفتور الإعلامي بالنسبة لتغطية أحداث الانتفاضة بعد انفجارات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 إلا أن ارتفاع وتيرة المقاومة عبر العديد من العمليات الفدائية النوعية وشدة العنف والإسرائيلي أرجع التركيز الإعلامي على أحداث الانتفاضة من جديد.

من المفارقات أن الانتفاضة الأولى التي انطلقت في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول من عام 1987 في غزة قادت إلى سلسلة اتفاقات السلام التي بدأت في أوسلو وانتهت عام 1993 بتوقيع اتفاق المبادئ. أما انتفاضة الأقصى فقادت إلى ما يقرب من دفن لعملية السلام وإظهار الرفض الشعبي الفلسطيني لها.

لم يعد الفلسطينيون يتحدثون عن عملية السلام واقتصر الحديث عن قرار 242 الذي يطالب بانسحاب إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967. ولوحظ لأول مرة ارتفاع حدة الخطاب الرسمي الفلسطيني والذي برز في تصريحات الرئيس الفلسطيني عرفات خصوصا في لحظات تأبين الشهداء فكان يدعو إلى مواصلة الكفاح وتحمل التضحيات لنيل الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني. وأخير دعائه إلى الله بنيل الشهادة. فهل نشهد في مستقبل الانتفاضة تحققا للمطالب الفلسطينية؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة