مستقبل العراق (الدوري 8 الأخير)   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

مستقبل العراق

استقراء الواقع العراقي بثوابته ومتغيراته بشقيه الداخلي والخارجي لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً، فالطائفية السياسية التي بدأت تطل برأسها على عراق مدمر أصلاً، لا تعطي أي أمل قريب في وحدة وطنية يهددها الاحتلال الأجنبي. هذه الوحدة التي تعتبر أمل الشعب العراقي الوحيد لطرد الاحتلال الأميركي واستعادة كرامته وسيادته ووحدته. الوحدة الوطنية باتت اليوم مهددة بموجة الاغتيالات للقيادات الدينية والشخصيات العلمية والوطنية في ظل غياب تام للأمن.

الفتنة الطائفية -وهي إحدى الأدوات التي استخدمها الاحتلال الإنجليزي في العراق- يمكن بسهولة أن تعود، فبداياتها ورائحتها باتت تشم من بعيد، ولكنها تقترب ويجب التحذير منها لأسباب وطنية قومية أو أخلاقية. فبذورها قد وضعت منذ دخول القوات الأميركية وتشكيل "المجلس الانتقالي" وتعيين الوزراء. هذه الفتنة إن وقعت فستقضي على العراق ككيان موحد وكشعب ينتمي في معظمه إلى أمة.

تجربة مجلس الحكم الانتقالي سواء في شكله أو تعيين أعضائه تركت آثاراً كثيرة على مستقبل العراق السياسي، وستكون كارثة إذا ما تركت بصماتها على الدستور العراقي المزمع إعداده، كما أن الفدرالية التي يطالب بها بعض الفئات السياسية الطائفية تعني تهديداً مباشراً لوحدة العراق الإقليمية وبداية لتجزئته على أساسين عرقي وطائفي.

إن احتلال العراق لن ينتهي بسرعة وفق القراءة السياسية للتوجهات الأميركية وخاصة منها تلك التي أشارت إلى استمرار الاحتلال في الوقت الراهن وفي عدم تحديد موعد زمني للانسحاب أو في لجوء المسؤولين الأميركيين إلى إطلاق مقاربات ومقارنات سيئة النية بين احتلال العراق واحتلال كل من ألمانيا واليابان التي لم تنسحب منهما عسكرياً حتى يومنا هذا.

إن بقاء القوات الأميركية-البريطانية فترة طويلة تمتد عقوداً من الزمن بات أمرا أكيدا وكما كان متوقعا له، ولكن هذا الواقع والاحتمالات لا يمكن إلا أن يأخذ بالاعتبار المقاومة العراقية التي بدأت تفرض نفسها بقوة على الواقع العراقي والعربي والدولي وبصورة أخص على الاحتلال. وإلى أن تتمكن المقاومة الوطنية من تأكيد ذاتها على كامل التراب الوطني أو معظمه بمعنى تكبيد القوات العسكرية المحتلة خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات وكما حصل في فيتنام وهو ما بدأت ملامحه تتبلور أكثر فأكثر، فإن احتمال ظهور عوامل دولية جديدة هو الآخر أمر متوقع، منها عدم استتباب الوضع الدولي خلافا للرؤية الأميركية الكونية، وظهور أزمات جديدة هنا أو هناك، أو فشل الرئيس بوش في الانتخابات الأميركية في نهاية العام.

وعلى أي حال فإن واقعاً جديداً في طور الصيرورة لابد أن يجبر قوات الاحتلال على إعادة النظر في موقفها من العراق، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في الأفق بسبب المقاومة العراقية التي فرضت نفسها، وكذلك بسبب الوعي النسبي العربي والدولي المتزايد لأبعاد اللعبة الأميركية في العراق والمنطقة.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى الأمم المتحدة التي باتت تبحث لها عن دور مفقود في الأزمة العراقية، وإن كنا نعتقد أن الوقت لم يحن بعد لأن تستعيد هذه المنظمة الدولية بعضاً من دورها في العراق أو في فلسطين، خاصة بعد الخلل الكبير في التوازن الدولي الذي حدث بعد غياب روسيا منذ عام 1990.

إن تصاعد الرفض الشعبي العراقي المتجسد سواء في المقاومة المسلحة أو المقاومة السلمية بحاجة إلى أن يبلور أهدافاً ومبادئ محددة تؤمن لعراق الحاضر وعراق المستقبل الحرية والاستقلال والأمن والديمقراطية، كما أن تضامناً عربياً رسمياً وشعبياً فعلياً وبعد نظر من دول الجوار في تجاوز المصالح الآنية الضيقة وفي إطار تصور سليم لبناء علاقات مستقبلية سياسية واقتصادية تقوم على الانتماء الجغرافي والثقافي والديني، كفيل بتجنيب المنطقة الوقوع في الشرك المنصوب لها من قبل قوى الاستعمار الجديد التي تريد ليس فقط السيطرة والهيمنة على ثرواتها وقدراتها بل وتغيير ملامح المنطقة وثقافتها وخصوصياتها بأكملها.

وبناء على ذلك وفي ضوء المعطيات السياسية الدولية الراهنة والواقع العربي الراهن، فإن العامل الفاعل المعول عليه حقا لمواجهة الاحتلال الأجنبي للعراق يرتبط بمدى نجاح المقاومة الوطنية العراقية في إثبات نفسها على الساحة وقدرتها على هزيمة قوات الاحتلال وإجبارها على الرحيل، وقيام عراق مستقل موحد وسيد نفسه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة