العلاقات السعودية الأميركية تمر بأصعب أوقاتها.   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:51 (مكة المكرمة)، 16:51 (غرينتش)

العلاقات السعودية الأميركية تشهد أوقاتا عصيبة في أعقاب هجمات سبتمبر وتصاعد احتمالات الحرب على العراق


* إعداد/ سعيد حميدي

تمر العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية -التي تعد واحدا من أهم شركائها في العالم وربما الأهم على الإطلاق- بأزمة في الوقت الراهن.

وقد تضررت علاقات البلدين بشكل كبير بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، خاصة وأن 15 شخصا من المتهمين بتنفيذ الهجمات هم مواطنون سعوديون، فضلا عن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والذي تتهمه السلطات الأميركية بالمسؤولية عن تخطيط وتنظيم تلك الهجمات. ولم يشفع للسعودية قرار سابق لها بالتبرؤ من بن لادن وسحب الجنسية عنه عام 1994.

معظم المتهمين بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر مواطنون سعوديون
وأصل العلاقة بين البلدين راسخة على أساس احتياج الولايات المتحدة للنفط وحاجة السعودية للأمن، فكل واحد يملك شيئا يحتاجه الآخر بشدة.

ومع ظهور بوادر حرب محتملة على العراق تقودها الولايات المتحدة في الأفق، فإن أهمية الرياض بالنسبة لواشنطن لم تكن أكثر مما هي عليه الآن. وجاءت لتزيد الضرر في علاقة البلدين بشكل كبير، مع إعلان السعودية رفضها تقديم التسهيلات العسكرية للقوات الأميركية.

فالسعودية ليست مجرد أكبر مصدر للنفط في العالم، وإنما تنبع الحاجة الأميركية إليها في المساعدة في عدم رفع أسعار النفط بشكل حاد إذا اندلعت الحرب على العراق، إضافة إلى استخدام القواعد العسكرية فيها.

تقرير راند.. العدو الأول
اعتبر تقرير مؤسسة راند للدراسات الإستراتيجية -وهي الجهة التي تمثل كثيرا من فكر وأسلوب عمل الصقور في الإدارة الأميركية- تصعيدا يمثل أكثر التحولات الملموسة في رسم صورة الشقاق التي بدأت في الظهور على حائط العلاقات الأميركية السعودية المتين، والمبني على مصالح ومنافع مشتركة تعود إلى النصف الأول من القرن الماضي.

ويدعو تقرير مؤسسة راند كوربوريشن الاستشارية المقربة من الحكومة الأميركية إلى اعتبار السعودية العدو الأول للأميركيين في المنطقة، بعد أن كانت من الحلفاء الأقرب ولعقود مضت. ويرى الأميركيون أن من واجب السعوديين أن يشعروا بالامتنان نحو أميركا لحربها ضد العراق عام 1991.

وناقش مجلس السياسات الدفاعية في البنتاغون في العاشر من يوليو/ تموز الماضي التقرير المقدم من أحد محللي مؤسسة راند. ومفادها أن السعودية متورطة في الإرهاب، وينبغي اعتبارها عدوا للولايات المتحدة لا حليفا لها. وهي نصيحة تعكس وجهة نظر آخذة بالتوسع داخل إدارة الرئيس جورج بوش.

وسارع المسؤولون الأميركيون على لسان وزير الخارجية كولن باول والدفاع دونالد رمسفيلد إلى التأكيد على متانة العلاقات بين البلدين، وأن التقرير لا يعبر عن وجهة نظر الحكومة الأميركية أو مجلس السياسات الدفاعية الاستشاري المكون من كبار المسؤولين الحكوميين السابقين وضباط عسكريين.

كما حاول المسؤولون السعوديون التقليل من شأن التقرير. ووصف عادل الجبير مستشار السياسة الخارجية لولي العهد السعودي الأمير عبد الله ما أورده التقرير بأنه "محض خيال"، وأن محاولات النيل من هذه العلاقة عقيمة وستبوء بالفشل. وقال سفير السعودية لدى الولايات المتحدة الأمير بندر بن سلطان إنه لا يأخذ تقرير مجلس السياسات الدفاعية على محمل الجد، وأعرب عن اعتقاده بأنه جهد مضلل "يتسم بالضحالة ويفتقر إلى النزاهة" فيما يتعلق بالحقائق.

جهود مكافحة الإرهاب غير كافية
علت أصوات داخل الإدارة الأميركية والكونغرس تتهم السعودية بأنها لا تبذل جهودا كافية في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد ما يسمى الإرهاب، وأن الرياض لا تتعاون بشكل كامل مع المحققين الأميركيين.

ويرى الأميركيون أن من واجب السعوديين أن يشعروا بالامتنان نحو الولايات المتحدة لحربها ضد العراق عام 1991، والتي شنت في جزء كبير منها لحماية المملكة من صدام حسين على حد قولهم.

وخلصت مسودة تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز -تقول إن لجنة برلمانية تابعة للكونغرس الأميركي قد أعدته- إلى أن الرياض لم تتعاون بشكل كامل مع المحققين الأميركيين.

وفي تحول في سياسة بوش، أعرب المتحدث باسم البيت الأبيض آري فلايشر علانية عن خيبة أمل الإدارة الأميركية، لفشل المملكة في التصدي للمؤسسات الخيرية التي تجمع تبرعات لمن سماهم الإرهابيين.

وجاء هذا التحذير في أعقاب تقرير نشر في صحيفة واشنطن بوست، أفاد بأن الولايات المتحدة تدرس خططا لإرغام السعودية على التحرك ضد الإرهاب، وأن مجلس الأمن القومي الأميركي نصح بوش بإصدار إنذار للسعودية بقطع جميع أشكال التمويل لعدد من الجماعات مثل تنظيم القاعدة في موعد أقصاه تسعين يوما.

وأوردت تقارير في وسائل الإعلام الأميركية أن تبرعات مالية قدمتها زوجة السفير السعودي بالولايات المتحدة، الأميرة هيفاء الفيصل ربما وصلت لاثنين من منفذي هجمات سبتمبر/ أيلول. وهي اتهامات نفت الرياض صحتها، وأعلنت رفضها التحقيق في علاقة مزعومة بين أثرياء سعوديين ومنفذي الهجمات كما تطالب واشنطن.

وفي مواجهة تزايد حدة الاتهامات الموجهة للسلطات السعودية بأنها لم تتخذ الإجراءات الكافية للتصدي للإرهاب، اعترف مسؤولون سعوديون باعتقال أجهزة الأمن أفراد ثلاث خلايا تابعة لتنظيم القاعدة، وتجميد 33 حسابا مصرفيا تزيد قيمة إيداعاتها على 5.5 ملايين دولار، واستجواب نحو ثلاثة آلاف شخص واعتقال أكثر من مائة آخرين، فضلا عن تشكيل لجنة منتظمة لمكافحة ما يسمى الإرهاب مشكلة من عناصر استخباراتية ومن عناصر تنفيذ القانون لتشاطر المعلومات والمصادر.

عملية السلام
الأمير عبد الله بن عبد العزيز بين عدد من الصحفيين بعد مغادرته تكساس
تسبب الانحياز الأميركي الواضح لإسرائيل في وضع ضغوط شديدة على حلفائها العرب وتحديدا السعودية.

وسلم ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز الرئيس الأميركي جورج بوش خلال محادثاتهما في ولاية تكساس في أبريل/نيسان الماضي، مبادرة سلام من ثماني نقاط تهدف إلى إحياء مساعي السلام في الشرق الأوسط، وتقوم على انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

ونصت الوثيقة السعودية على انسحاب إسرائيلي من مناطق الحكم الذاتي التي احتلت في الحملة العسكرية الأخيرة، ورفع الحصار الإسرائيلي المفروض على رام الله، ونشر قوات دولية لحفظ السلام، وإعادة بناء البنى التحتية الفلسطينية التي دمرتها القوات الإسرائيلية.

ودعت إلى إجراء مفاوضات فورية بين الفلسطينيين والإسرائيليين طبقا لخطتي تينيت وميتشل، ووقف بناء المستوطنات الإسرائيلية، ونبذ الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للعنف. كما طالبت الوثيقة الإدارة الأميركية ببذل جهود مكثفة، لتنفيذ القرار الدولي رقم 242 الذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

بيد أن بوش وفي أعقاب اللقاء اكتفى بالقول إنه أبلغ الأمير عبد الله بالعلاقات الفريدة والمتينة التي تربط بلاده بإسرائيل، وإن على العالم أن يدرك أن الولايات المتحدة لن تسمح بسحق إسرائيل.

وعبرت الرياض أكثر من مرة في أعقاب اللقاء عن ضيقها من السياسة الأميركية في فلسطين وانحيازها لجانب إسرائيل، وافتقارها للتوازن في معالجة الانتفاضة وعدم تعاملها بشكل جدي مع المبادرة السعودية للسلام.

الحرب على العراق
مارينز أميركيون في مطار قاعدة الظهران الجوية
ولعل في رفض الرياض استخدام الولايات المتحدة للأراضي السعودية لمهاجمة العراق وانتقادها للانحياز الأميركي لإسرائيل، قد وتر العلاقات بين هذه القوة النفطية العظمى والولايات المتحدة.

وقد وصلت إلى الحد الذي تريد السعودية من الولايات المتحدة سحب قواتها العسكرية الموجودة في المملكة، وهو ما يعتبر تطورا دراماتيكيا.

وقد وجه السيناتور الديمقراطي الأميركي جوزف ليبرمان ومرشح حزبه لانتخابات الرئاسة المقبلة رسالة تحذير للمسؤولين السعوديين، مفادها بأنهم لو قرروا دعم الجهود الأميركية ضد العراق وتقديم التسهيلات العسكرية للقوات الأميركية، فإن من شأن تلك المساعدة أن تصلح ما تسببت فيه هجمات سبتمبر من أضرار بالعلاقات بين البلدين.

وتمثل التسهيلات العسكرية السعودية -ولا تزال- أقوى مواقع وجود للقوات الأميركية في الخليج منذ العام 1990. فهناك تسهيلات عسكرية مختلفة للقوات الأميركية في الدمام والهفوف والخبر وتبوك وينبع، وقاعدة الملك عبد العزيز بالظهران وقاعدة الملك فهد البحرية بجدة وقاعدة الملك خالد الجوية بأبها، وقاعدة الرياض العسكرية، وقاعدة الطائف العسكرية. لكن قاعدة الأمير سلطان الجوية جنوبي الرياض هي أقوى مواقع الوجود العسكري الأميركي في السعودية، حيث يوجد بها حوالي 5100 جندي أميركي وتضم قيادة القوات الجوية الأميركية في الخليج.

حملة علاقات عامة
شكا المسؤولون السعوديون من وجود موجة عداء للمملكة في الولايات المتحدة بصورة تقترب من حد الكراهية، عقب وقوع هجمات سبتمبر. ويبدو أن الإدارة الأميركية لم تعد راغبة في استخدام نفوذها على وسائل الإعلام والكونغرس لوقف مثل هذه الانتقادات، هذا إن لم يشجعها بعض المسؤولين.

وقد أصيبت الرياض بالدهشة من جراء حملة الانتقادات التي تعرضت لها في وسائل الإعلام الأميركية، وشنت حملة إعلامية وعلاقات عامة مضادة في مسعى لترميم العلاقة.

وقد تعاقدت الحكومة السعودية مع شركة أميركية متخصصة في العلاقات العامة لتحسين صورة السعودية، ولإعطاء المزيد من المعلومات لوسائل الإعلام الأميركية عن المبادرة السعودية لإحلال السلام بالشرق الأوسط، والتي تبنتها القمة العربية ببيروت في مارس/آذار عام 2002.

كما نقلت صحيفة عرب نيوز الصادرة في جدة عن ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز أنه أبلغ علماء في المملكة دعاهم إلى قصره بأن البلاد تمر بأوقات عصيبة، وعليهم إبداء الحذر والمسؤولية في تصريحاتهم العلنية.

وفي حملة مضادة شنت الصحف السعودية هجوما على ما وصفته بالتطرف المسيحي في الولايات المتحدة، باعتبار أنه ليس أقل خطرا على السلام والأمن الدوليين من أشكال التطرف الديني الأخرى، ولتأثيره في السياسية الخارجية الأميركية بإثارة الكراهية ضد السعودية وتطابق مصالحه مع المصالح الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

وأصدرت مجموعة من المثقفين السعوديين عدة بيانات وزعت للرأي العام ونشرت في وسائل الإعلام السعودية، تطالب الدول العربية بالتنديد بالدعم الأميركي لإسرائيل، معتبرة أن الولايات المتحدة وإسرائيل "يمثلان محور الشر في العالم". وأشار المثقفون السعوديون أيضا إلى ضرورة ممارسة مختلف وسائل الضغط على الولايات المتحدة، لإشعارها بأن مصالحها مهددة في المنطقة العربية. ودعا الموقعون على البيان إلى تطبيق إجراءات المقاطعة العربية ضدها ومقاطعة السلع والمنتجات الأميركية أيضا.

هروب المال السعودي
وفي حلقة جديدة من حلقات الشد والجذب في هذه العلاقة، جاءت الأنباء ببدء رجال الأعمال السعوديين في سحب استثماراتهم الضخمة من أسواق المال الأميركية. إذ هدد المستثمرون السعوديون بسحب ما يزيد على 750 مليار دولار من استثماراتهم، في أعقاب شكوى رفعها أقارب ضحايا هجمات سبتمبر ضد البنوك والجمعيات الخيرية السعودية بهدف الحصول على تعويضات تقدر بأكثر من ترليون (ألف مليار) دولار.

وتتهم الدعوى ثلاثة أمراء سعوديين -بينهم وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبد العزيز الشخصية الثالثة في الحكومة السعودية بعد الملك وولي العهد- وبنوكا أجنبية، بتمويل أسامة بن لادن.

وأثارت هذه الدعوى القلق لدى المستثمرين السعوديين الذين ينظرون إلى الموضوع بتخوف وخشية أكبر بكثير من السابق. وترددت أصوات تدعو السعوديين إلى إعادة أموالهم إلى المملكة.

ورأى مراقبون في الخطوة السعودية بسحب جزء من استثماراتهم، رسالة موجهة للإدارة الأميركية تدعوها للتأني والسيطرة على موجة الكراهية للسعودية التي تجتاح الولايات المتحدة، والتي تجد لها أصداء واسعة وشبه يومية في وسائل الإعلام الأميركية جنبا إلى جنب مع الحملة على العراق.

النفط ليس سلاحا
واشنطن تحصل على 10% من احتياجاتها النفطية من السعودية
لم تتجاوب السعودية مع الدعوة العراقية باستخدام النفط سلاحا ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وأعلنت أنها لن تشارك في أي إجراء من شأنه عرقلة وصول النفط إلى الدول المستهلكة، بعد أن قررت بغداد في أبريل/نيسان الماضي وقف تصدير النفط بصورة كاملة لمدة شهر واحد احتجاجا على ما يجري في الأراضي الفلسطينية.

وأكدت السعودية -المنتج الأول للنفط في العالم- معارضتها لفكرة فرض حظر لتصدير النفط كوسيلة للإعراب عن تأييدها للفلسطينيين. وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إن النفط يجب ألا يستخدم كسلاح.

ولعل التهديد بسلاح النفط قد يكون مجرد تهديد غير واقعي، إذ أن نجاح المقاطعة النفطية يعتمد بالدرجة الأولى على تعاون الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط. لكنه في نفس الوقت يعكس التوتر في العلاقات الأميركية السعودية، والتي بدأت كزواج مصلحة بين الحكومة السعودية التي تحتاج إلى حماية أميركية والولايات المتحدة التي تحتاج إلى النفط. يذكر أن حظرا نفطيا فرض عام 1973 وقد سبب فوضى اقتصادية في جميع أرجاء العالم.
ـــــــــــــــــ
* الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة