كشمير في السياسة الباكستانية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:28 (مكة المكرمة)، 16:28 (غرينتش)

منظر من كشمير

* شفيق شقير

تسببت قضية كشمير بحربين طاحنتين اختلط فيهما دم ولادة باكستان بدم الجرح الكشميري النازف، واستقر الأمر على هذا في عاطفة الشعب الباكستاني منذ آخر حرب تورطت بها باكستان والهند (عام 1973)، وبقيت حروب صغيرة تقودها مجموعات كشميرية على غفلة -أو بالأحرى على تغافل- من العالم.

غير أن آثار حرب الخليج الثانية وما تبعها من ضرب لأهداف أميركية اتهم بها أسامة بن لادن والأفغان العرب رتبت ضغوطا على باكستان، وتجلت بموقف رئيس الوزراء نواز شريف من المجموعات المقاتلة التي كانت قد اتخذت مواقع متقدمة في مرتفعات كارغيل في كشمير الهندية، حيث مارس عليها الضغوط فانسحبت بطريقة مذلة تحت نيران القصف الهندي، مما أثار امتعاض المؤسسة العسكرية التي كان يأمل البعض فيها من عملية كارغيل مأسسة عمل المقاومة الكشميرية، وترسيخ شرعية وحق المقاومة في تحرير أرضها. وأسفر المشهد عن الإطاحة بنواز شربف ومجيء الجنرال برويز مشرف بوصفه مهندس عملية كارغيل على رأي البعض، وجاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لتقلب الطاولة المزدانة بنياشين العسكر الباكستاني وهنا مكمن الخطر.

كشمير وهوية باكستان

لا شك أن الأهمية الجغرافية لموقع كشمير يعطيها موقعا سياسيا مميزا، فهي تحاذي طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرحد وشمال شرق البنجاب، وينبع منها ثلاثة أنهار رئيسية للزراعة تدخل في قاموس الأمن المائي لباكستان.
ولكن الحقيقة أن القواعد التي أرساها اتفاق شملا بين الهند وباكستان قد يصلح أساسا لاستئناف البلدين لمفاوضات تبدد المخاوف الأمنية والمائية للطرفين، ولكن أخطر ما في القضية الكشميرية أنها تدخل في حيز المفردات الوطنية للطرفين.


الهند تريد لكشمير المسلمة أن تؤكد أسسها العلمانية وأنها تتسع لجميع العقائد، وباكستان تريدها شاهداً على استقلالها

كشمير ووجود باكستان
إن مبرر وجود أزمة كشمير هو نفسه مبرر وجود باكستان، فقد انفصلت الأخيرة عن الهند على أساس عقائدي، إذ نصت قواعد التقسيم البريطانية على أن تلحق بباكستان الولايات ذات الأغلبية المسلمة، وأن تلحق الولايات ذات الأغلبية الهندوسية بالهند، إلا أن ما حصل مع كشمير ذات الأغلبية المسلمة كان استثناء أدى إلى انقسامها إلى منطقتي نفوذ هندية وباكستانية، والتفريط بهذه القضية كان سيخضع أسس الدولتين لاختبار صعب، لذلك فضل البلدان عدم حسمها حتى لا يهتز المعنى العقائدي والأيديولوجي الذي على أساسه قام التقسيم، فالهند تريد لكشمير المسلمة أن تؤكد أسسها العلمانية وأنها تتسع لجميع العقائد، وباكستان تريدها شاهدا على استقلالها على أساس العقيدة، وهكذا أخذ النزاع منحى قوميا للطرفين وخاصة في ما خص باكستان حيث أسهمت السياسات الوطنية المرتجلة في تحويل كشمير إلى شوكة حادة لمنع الهند من ابتلاعها.

فباكستان فيها قوميات متعددة اجتمعت على فكرة القومية الإسلامية، فاستفادت من العنوان الديني بالمعنى القومي لصياغة هوية سياسية تبرر انفصالها عن الهند مع أن هذا العنوان يفتقر إلى المضمون، إذ نلاحظ أن أجهزة الدولة وسياساتها غير قائمة على أسس إسلامية وعقائدية واضحة. فالدين مجرد مكون لا يسمح له أن يتعدى دور المسوغ لتمايز باكستان عن الهند، وإلى جانبه مكونات أخرى أكثر فاعلية رغم أنها تاريخية بحتة لتسد فراغ الهوية ولترمم عدم جدية المضمون الديني في تقرير هوية باكستان النهائية. وتركز هذه المكونات على إعلاء شأن مؤسس باكستان محمد علي جناح المشهور بـ"قائد أعظم" بوصفه المكتشف لحقيقة مسلمي باكستان والموجد لكيانهم، وتولي هذه المكونات الشاعر محمد إقبال أهمية فائقة في ثقافتها الوطنية إلى حد التصنع، فإقبال عند نخبة باكستان أكثر من شاعر أو حتى فيلسوف، فهو يمثل روح الأمة الباكستانية لأنه أول من تصور دولة مستقلة لمسلمي الهند.

في السياق نفسه تسير قضية كشمير في سياسة باكستان وفي ضمير شعوبها، فهي جزء من الحق والمنطق الذي اعتمدته باكستان لتقوم على الخريطة، لهذا دأب حكامها على إيرادها ضمن الثوابت الوطنية التي لا يمكن التنازل عنها، وهذا ما فعله برويز مشرف عندما برر انضمامه للتحالف الدولي ضد أفغانستان، إذ اعتبر نفسه مسؤولا عن أمن باكستان وكشمير والسلاح النووي.


كشمير الحاجز النفسي الذي يمنع أي تقارب ثقافي أو نفسي بين الهند وباكستان

السور النفسي
تشكل كشمير خط الدفاع الأول والجاهز دائما من دون أي تأثيرات أيديولوجية على الداخل الباكستاني كما تعتقد باكستان، وبإمكانها أن تستعمله لتدافع عن وحدتها واستقلالها عن الهند، فهي الحاجز النفسي الذي يمنع أي تقارب ثقافي أو نفسي بين البلدين في ظل الغياب الفعلي للحاجز الديني كما أسلفناه، والتي تحرص باكستان أيديولوجياً على استعماله وإهماله -أي للحاجز الديني- بحسب الظروف ووسط إجراءات تستهدف فقط الحد من تطور العلاقات الثنائية مع الهند كي لا تصل إلى المستوى الذي يؤدي إلى إزالة الفوارق التي قامت عليها باكستان.

وهذا يؤدي بنا للقول بأن أي محاولة لحل المشكلة الكشميرية تتطلب عملا جراحيا بالغ الخطورة خاصة في ظل الحملة الدولية على ما يسمى الإسلام السياسي، وتراجع الدور الديني وتصاعد دور العلمانيين في صياغة الحياة السياسية في باكستان كما هو واقع ومتوقع، مع أخذنا بعين الاعتبار التفوق الإعلامي الهندي وهيمنة هوليودها وطريقة عيشها على حياة الباكستانيين العامة. والحال هذه يفترض ازدياد اعتماد باكستان على السد الكشميري كمفردة وطنية وقومية أساسية لحفظ هوية باكستان وكيانها، وهو ما يفسر استماتة الهند لاستثمار أجواء الحرب على الإرهاب لتصنع حربها الخاصة الباردة أو الساخنة لتصفية القضية الكشميرية، وليس بالضرورة عسكريا وإن استخدمت الضغط العسكري، إنما لنسف الأسس والمميزات الوطنية لهذه القضية في الجسم الباكستاني ولو بإضفاء الشرعية على الوضع القائم مثلا، مما سيهدم السد الكشميري الذي سيضع مصير باكستان على المحك في الظرف الراهن.

تداعيات 11 سبتمبر/ أيلول على كشمير

أخرجت تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول كل المخاوف والطموحات الأميركية إلى العلن، وأسفرت عن وضعية جديدة للمنطقة وبعضها في الحقيقة استكمال لإرهاصات بدأت منذ حرب الخليج الثانية، منها:

- أولاً:

تستهدف السياسة الأميركية عزل الهند عن محيطها الآسيوي على طريقة عزل تركيا لنفسها عن محيطها الأسيوي والإسلامي
ازدياد اعتماد الولايات المتحدة على الدور الهندي في مواجهة العملاق الصيني، واستهداف عزلها -أي الهند- عن محيطها الآسيوي وعن جيرانها أشبه إلى حد ما بطريقة تركيا في عزل نفسها عن محيطها الآسيوي والإسلامي، وما زيارة كلينتون للهند إبان رئاسته الأخيرة وإعلان استعداد بلاده لإقامة علاقة شراكة مع الهند في جميع المجالات -والعسكرية منها- إلا التباشير الأولى لتلك السياسة، وما زيارة بيريز وزير خارجية إسرائيل التي جاءت بعد تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول إلا لتأكيد هذا التوجه خاصة إذا علمنا أن الزيارة كانت قد رتبت قبل حصول التفجيرات الآنفة الذكر، وجاءت بعد تدخل الولايات المتحدة ومنعها لإسرائيل من بيع رادار فالكون للصين، أي تعويضا عن اتجاه السياسات الإسرائيلية العسكرية وتصويبا لها.

- ثانيا:
أرست السياسة الأميركية بعد التفجيرات عددا من الأسس للتعامل مع المسلمين وقضاياهم كما هو ظاهر حتى الآن:

  • أحد هذه الأسس يتعلق بالرئيس الأميركي نفسه الذي يتعامل مع العالم منذ أن جاء باستعلاء ملحوظ حتى مع حلفائه الأوروبيين، واستغل أحداث سبتمبر/ أيلول ليؤجج الغرب المسيحي ضد الإسلام بعسكرة السياسة الأميركية في محاولة مكشوفة للتغطية على مشروع الهيمنة العالمي الذي تمارسه أميركا والذي سيبقي أوروبا تابعة لأميركا، وهذا يتطلب شدة في التعامل مع المسلمين، وكل ما قام به من وقوفه مع مسلمي أميركا يندرج وفق هذه القراءة تحت ضرورات حفظ أمن المجتمع الأميركي.
  • ومنها اعتبار أميركا للمسلمين أهدافا على الدوام لحربها على الإرهاب، ومعاقبتهم شعوبا وحكومات بتفاوت حتى تلك التي كانت صديقة لها، بحيث يدرك المسلمون أنه لا يمكن أن يمر أي هجوم مماثل لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول من دون عقاب.

وهذا يفسر الخسائر الفادحة التي أخذت تلحق بكافة قضايا المسلمين في العالم (فلسطين، الشيشان، الفلبين..)، سواء أكانت تحظى بتعاطف الغرب سابقا أم لا.

وكشمير ليست استثناء من هذه المعادلة، وتحاول الهند استثمار الحدث بهذا الاتجاه بأقصى ما يمكن مستفيدة من وضعها الدولي الجديد -القوي دوليا وداخليا- في الوقت الذي تحرص فيه باكستان المنهكة على سحب الذرائع وتقديم كل ما تطلبه أميركا ما أمكن لتتجاوز هذا الظرف بأقل الخسائر، خاصة فيما يتعلق بالمسألة الكشميرية التي لها موقع خاص في أمن باكستان القومي.

مستقبل القضية الكشميرية

إن مستقبل كشمير مرتبط بمستقبل باكستان السياسي ومرهون بعقيدة باكستان الجديدة التي حتما ستتغير (خاصة في ما خص كشمير) لتتفادى ربط مصيرها بقضايا قد تخسرها وتعود على تماسكها الداخلي بالوبال.


وجود أحد أبناء المؤسسة العسكرية على رأس الدولة جعل الجيش عرضة للضغوط الدولية بشكل مباشر

كشمير في الدائرة الدولية
خسرت باكستان حاليا العمق الأفغاني الذي أهدرت سنوات في بناء سياستها الخارجية عليه، وأغضبت من أجله روسيا، وخسرت بسببه إيران لعقود، وأقلقت حليفها التقليدي الصين بسبب تزايد نشاط الحركة الإسلامية الإيغورية المدعومة من طالبان في إقليم شينغيانغ المعروفة تاريخيا بتركستان الشرقية، وانقلب الدور الأميركي إلى طور جديد بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، بكلمة أخرى باكستان أصبحت مكشوفة دوليا وضعيفة إقليميا، ولعل الكارثة ستتم بوجود أحد أبناء المؤسسة العسكرية على رأس الدولة، المؤسسة الوحيدة التي كانت بمنأى عن الضغوط الخارجية المباشرة وهي درع باكستان وحامي مفاهيمها الوطنية، فبهذا أصبح الجيش عرضة للضغوط الخارجية المباشرة، ومسؤولا مباشرا أمام المتطلبات الدولية ولا سيما الأميركية منها، فسيدفع ثمن أي تقصير حال عدم الاستجابة، وسيعرض باكستان لتغييرات عميقة لا تخلو من خطورة في حالة الاستجابة.

فكشمير عرضة للمخاطر ولن يجد الجانب الباكستاني ما يشفع له أمام أميركا تحديدا، إلا طرح التخوف من أن أي تغيير في الواقع الكشميري سيعزز من احتمالات إعادة رسم المنطقة برمتها، وهو ما تحرص الولايات المتحدة على الحفاظ عليه في الوقت الراهن.

ورغم الحرص الدولي على تهدئة الأوضاع بين الهند وباكستان تجنبا لأي مجازفة بحدوث حرب بين بلدين نوويين وهو ما لم يحصل في التاريخ، فإننا نشتم من حرص الهند على إبقاء الوضع متوترا رائحة إيحاء أميركي يستبطن تشجيعا حذرا للهند كي تقوم بحرب محدودة بين بلدين نوويين مما سيؤدي إلى نزع القوة الردعية للسلاح النووي الباكستاني بالتحديد لأنها الأضعف تقليديا فيفقد جدواه وقيمته تمهيدا لتصفيته.

ومن المؤكد أن الهند تدرك أن تصفية السلاح النووي الباكستاني يقع في دائرة الأهداف الأميركية في المنطقة، وأن التفرد النووي الهندي بهذه الميزة في القاموس الأميركي والأوروبي في مواجهة الصين من ألف باء علم إدارة السياسة الآسيوية، وتستغل الهند هذا الظرف وتواصل الضرب على الخاصرة الكشميرية الرخوة في تناسق تام مع التحركات الدولية التي قد تسقط الخيار النووي الباكستاني على أمل أن تتبعهم، ولعلها تسبقهم هي بإسقاط كشمير من حيز القضايا المتنازع عليها.

خاتمة
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقول إن باكستان تدفع ثمن عدم تعاطي حكامها بجدية مع القضية الكشميرية ولم تعمل على تأسيس مقاومة حقيقية تعمل على تحرير الأرض والإنسان الكشميري، إنما اكتفت بترسيخ مفهوم الأزمة التي تحفر خندقا بينها وبين الهند، اللهم إلا ما حصل في كارغيل على علاته وسوء خاتمته والذي تبين في نهاية المطاف أنه اجتهاد منقطع عن سياسة الحكم فلم يدم، ولن نعجب إذا قرر الكشميريون الاستقلال عن الهند وباكستان على السواء.
_______________
* كاتب لبناني ومحلل سياسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة