الانتخابات التشريعية بين الحدث واللاحدث   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:23 (مكة المكرمة)، 16:23 (غرينتش)

* عبد النور بن عنتر

ما أهمية انتخابات المجلس الشعبي الوطني في الجزائر بالنسبة للمؤسسة الرئاسية والعسكرية؟ وما مغزاها السياسي؟ وكيف ستؤثر على الحالة الأمنية التي تعيشها البلاد؟ وهل حقا ستكون بمثابة العصا السحرية التي ستنهي بين عشية وضحاها آلام الشعب الجزائري؟ هذه الأسئلة وغيرها يحاول هذا المقال الإجابة عليها.

لا أهمية لهذه الانتخابات برلمانيا
انتخابات 30 مايو.. تكريس لشرعية بوتفليقة
الانتخابات والخريطة السياسية
الانتخابات وتطورات الوضع الأمني
بين التوافق الإستراتيجي والتنافس التكتيكي
قناعة سياسية بالتعددية أم تكتيك آني؟
عودة قوية للتيار الإسلامي أم استخدام سياسي له؟
منطقة القبائل والمقاطعة

لا أهمية لهذه الانتخابات برلمانياً

من الأهمية بمكان أن نلاحظ أن الانتخابات التشريعية في الجزائر منذ التعديل الدستوري لعام 1996 لا تمثل أهمية كبيرة برلمانياً نظراً لمحدودية السلطة التشريعية مقارنة مع السلطة التنفيذية، إذ إن الدستور الجزائري المعدَّل يخول رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة على حساب البرلمان. ويبدو واضحاً أن صدمة عام 1991 كانت وراء تركيز المشرِّع الجزائري معظم الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية بطريقة تمنع أي أغلبية سياسية غير مرغوب فيها تصل إلى البرلمان من تغيير النظام والطبيعة الجمهورية لمؤسسات الدولة.

كما أن الدستور المعدَّل يسمح للرئيس بالتحكم في البرلمان من خلال مجلس الأمة (الغرفة الأخرى)، وعليه فالرئيس يسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية معاً.

وبالرغم من أن الدستور الجزائري يقر بالتعددية السياسية البرلمانية وبالتناوب على السلطة، إلا أنه وُضع بطريقة تجعل من الصعب جداً وصول رئيس إلى الحكم يأتي من خارج النظام القائم (الحالي أو القادم). وهكذا بسبب تجربة 1991 كان تركيز معظم الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية كضمان ضد أي أغلبية برلمانية غير مرغوب فيها. لكن مثل هذا التخويل للسلطات دون ضابط يعتبر إجراء غير ديمقراطي.


والوضع الجزائري بدستوره الحالي تنطبق عليه مقولة المستشار طارق البشري واصفاً الوضع المصري حين قال إن "سلطات رئيس الدولة في مصر تتجاوز السلطات المخولة للإمام في فقه الشيعة". وعليه فبرلمانياً لا تشكل انتخابات 30 مايو/أيار الجزائرية أهمية كبيرة بل هي امتداد للشرعية الرئاسية لعبد العزيز بوتفليقة.

انتخابات 30 مايو.. تكريس لشرعية بوتفليقة


انتخابات المجلس الشعبي الوطني تزكية لشعبية بوتفليقة وستكون نتائجها بطريقة أو بأخرى المحدد الرئيسي لمصير عهدته الرئاسية الثانية في رئاسيات 2004

تمثل انتخابات 30 مايو/أيار بالنسبة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة تزكية له وتكريسا لشرعيته خاصة أن هذه الشرعية مطعون فيها من قبل أحزاب المعارضة بعد انسحاب بقية المرشحين للانتخابات الرئاسية عام 1999. وعليه فإن التصويت لصالح الحليفين في السلطة (حزب التجمع الوطني الديمقراطي وحزب جبهة التحرير الوطني) وكذا نسبة المشاركة في الانتخابات (على الأقل في بقية مناطق الوطن في حال مقاطعتها تماماً في منطقة القبائل) سيشكلان مقياساً أساسياً لمدى شرعية بوتفليقة السياسية، وبالتالي فإن أهمية هذه الانتخابات ومغزاها السياسي يكمنان أساساً في درجة تزكية الشعب لبوتفليقة، لأن نتائجها ستكون بطريقة أو بأخرى المحدد الرئيسي لمصير عهدة بوتفليقة الثانية. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار هذه الانتخابات التشريعية جولة أولى لرئاسيات 2004.

رهان بوتفليقة على نتائج الانتخابات يكتسي أهمية بالغة، كون الرئيس الجزائري عبر ويعبر عن طموحات لتغيير الأمور وترك بصماته في تاريخ الجزائر. فكونه من جيل بومدين فهو ممن يؤمنون بالزعامة ودورها في صقل تاريخ الأمم، وبالتالي فهو لا يريد أن يبقى مجرد رئيس أو رئيس المراحل الانتقالية، بل الرئيس الذي أخرج الجزائر من دوامة العنف ووضعها في مسارها الصحيح. وبما أنه لم يبق له إلا أقل من سنتين من الحكم (لإنهاء عهدته الحالية) فهو بحاجة إلى ولاية ثانية ليحقق فيها ما يريد. وبما أن البرلمان الحالي انتخب قبل وصوله إلى الحكم، فإن بوتفليقة بحاجة إلى برلمان جديد منتخب ديمقراطياً يمكنه من تمرير مشاريعه ويضمن له ولاية رئاسية ثانية. من هذا المنطلق تشكل نتائج الانتخابات البرلمانية ليوم 30 مايو/أيار جسراً نحو رئاسيات 2004.

وهكذا فإن إنجاح الانتخابات البرلمانية وحصول أنصار بوتفليقة على الأغلبية في البرلمان سيضمنان له قيادة البلاد في هدوء وبمنأى عن الضغوط المختلفة وهشاشة الشرعية، مما سيصعب فيما بعد التشكيك في شرعيته إن فاز أنصاره بالأغلبية. فأغلبية برلمانية موالية له يكون هو صنيعها -وليس وارثها عن سلفه- ستسمح له بالخوض في الملفات العالقة مثل العلاقة مع "التائبين"، إصلاح المنظومة التربوية والمسألة الأمازيغية، وإصلاح العالة، وتعديل قانون الأسرة…إلخ.

أما إذا كانت نتائج الانتخابات سلبية ونسبة الامتناع عن التصويت مرتفعة فإنه من الصعب تصور الخوض في ولاية ثانية لبوتفليقة. فرئيس طُعن في شرعيته الرئاسية ويطعن في شرعيته من جديد عبر الانتخابات البرلمانية، يفقد كل مصداقية ولا يحتمل في هذه الحالة أن يكون مرشح النظام من جديد في رئاسيات 2004.

بوتفليقة يعي أنه مبتور الشرعية،بطريقة أو بأخرى، بسبب ظروف إجراء رئاسيات عام 1999، وعليه يمكن القول إنه يلعب بمستقبله السياسي في برلمانيات 30 مايو/أيار. فإذا مني بفشل ذريع فيها فإن الانعكاسات السياسية ستكون كبيرة على البلاد برمتها، إذ قد تدخل الجزائر في أزمة سياسية مفتوحة تفرض فيها مرحلة انتقالية جديدة نفسها وتشل فيها مؤسسات الدولة مرة أخرى. وقد يأتي بعده برئيس يتخلى عن سياسة الوئام المدني ويتبنى أسلوباً أمنياً محضاً في التعاطي مع ظاهرة العنف.

وبصفة عامة يمكن طرح فرضية مؤداها أنه إذا كان نجاح الانتخابات لا يؤدي حتماً إلى تحسين الأوضاع بسرعة، فإن فشلها سيقود إلى أزمة سياسية البلاد في غنى عنها في هذا الظرف العسير من تاريخها.

أما خارجياً فإن هذه الانتخابات تندرج بالنسبة للسلطة عموماً وبوتفليقة خصوصاً في إطار رد الاعتبار للجزائر خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الماضي التي أعطت مصداقية للرواية الرسمية فيما يخص الإرهاب الدولي. وبالتالي فهذا الاقتراع تكملة لمسار رد الاعتبار الرسمي للجزائر دولياً بمواصلة وتدعيم التحول الديمقراطي والخروج من مرحلة شلل المؤسسات المنتَخبة بعدما اعترفت الدول الغربية بصواب سياستها في التعاطي مع العنف الذي شهدته خلال عشرية من الزمن.


الانتخابات الحالية كسابقتها تندرج ضمن سياسة تطوير النظام بإدخال تقاليد وممارسة سياسية جديدة والانفتاح على المجتمع بطريقة تسمح للنظام بأن يعيد إنتاج نفسه وللسلطة بأن تخلف نفسها بشكل يحافظ على التوازنات بين مختلف أجنحة النظام.

النظام يريد الاستمرار والبقاء وهو ما يفسر لجوءه إلى إدخال ممارسات سياسية انفتاحية والعمل على إنجاح هذه الانتخابات بإبعاد شبح التزوير بعد التجارب التعيسة للانتخابات السابقة. هكذا بعد أن خلفت السلطة نفسها في رئاسيات 1999 ها هي على موعد لخلافة نفسها في تشريعيات 2002. غير أن هذه الإستراتيجية تعارضها التيارات المنخرطة في العملية الانتخابية الحالية والمناوئة لها والتي ترى أن الرهان السياسي في البلاد ليس تغيير الأغلبية الانتخابية وإنما تغيير النظام القائم في البلاد.

لكن في المشهد السياسي المتأزم تبدو السلطة وكأنها أكثر ديمقراطية من المعارضة بمختلف اتجاهاتها، إذ تبدو كأنها الوحيدة القابلة للتعددية، فهي تقبل بالإسلاميين والديمقراطيين في حين يريد الديمقراطيون جزائر بدون الإسلاميين ويريد الإسلاميون جزائر بدون الديمقراطيين، وعليه فإن لكلٍ مشهده السياسي المفضل. هذا الإقصاء المتبادل داخل صفوف المعارضة جعل السلطة تلعب دور الحكم بين مختلف التيارات السياسية وتتلاعب في بعض الأحيان بها، بل وتنجح في تشكيل ائتلاف حكومي يجمع أحزابا إسلامية وديمقراطية كما كان الشأن مع الائتلاف الحاكم حالياً قبل أن ينسحب منه في العام الماضي حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (القبائلي المنشأ والنفوذ) احتجاجاً على أزمة القبائل.


قد تساهم هذه الانتخابات في إنهاء العنف وطي صفحة الإرهاب نهائياً إذا تمكنت من إدماج العناصر الإسلامية الباقية على الهامش في العملية السياسية ”
الوضع الأمني في الجزائر تحسن بدرجة كبيرة مقارنة مع منتصف التسعينيات، والمتجول ليلاً في العاصمة وضواحيها يلاحظ أن حركة سير المواطنين بالسيارات تكاد تستمر حتى ساعة متأخرة من الليل. وفي القرى النائية حركة السير ليلاً أقل من المدن الكبرى لكن المواطنين يدخلون بيوتهم متأخرين في بعض الأحيان. أما المصلون في القرى والمناطق النائية فقد عادوا إلى ممارسة عبادتهم في المساجد وحضور صلاتي الصبح والعشاء، وهي الأوقات التي لم يكن جو الإرهاب يسمح فيها بالخروج من المنازل. هذا مقياس من بين المقاييس على عودة الأمن في الجزائر.

طبعاً البلاد لا تنعم بالأمان الكامل بعد، فجيوب الإرهاب مازالت موجودة وتنشط في بعض المناطق المحدودة جغرافياً. كما أن منطقة القبائل تشهد هذه الأيام نشاطاً ملحوظا حيث تسعى الجماعات المسلحة لاستغلال الاضطرابات في هذه المنطقة والحملة الانتخابية للتصعيد من عملياتها. فقد سمح غياب الدولة في بعض مناطق القبائل بسبب الاضطرابات لهذه الجماعات بالنشاط والتصعيد الأمني في ظل غليان سياسي واجتماعي، مستفيدة من التعفن السياسي ومحاولة إدخال هذا الجزء من البلاد في حالة تعفن أمني.

هل ستؤدي انتخابات 30 مايو إلى وقف العنف نهائياً في الجزائر؟ الحقيقة أن العنف لن يقضى عليه بمجرد الاقتراع الشعبي الحر، لأن العنف لا يفسر بالضرورة بغياب الديمقراطية، فوجود هذه الأخيرة لم يمنع وجود هذه الظاهرة في العديد من الدول. وعليه يجب التحلي بالقدر الأدنى من الموضوعية وعدم الخلط في الأمور وتبسيطها إلى حد غير معقول تلبية لأهواء أيدولوجية.

نعم.. قد تساهم هذه الانتخابات في إنهاء العنف وطي صفحة الإرهاب نهائياً من حيث إمكانية إدماج العناصر الإسلامية الباقية على الهامش في العملية السياسية عبر الأحزاب الإسلامية الشرعية لا سيما البرلمانية (التي لها مقاعد في البرلمان).
وهذا من شأنه أن يسحب نهائياً الغطاء عن الجماعات الإسلامية المسلحة خاصة أن السلطة تبنت خيار الوئام الوطني والعفو عن التائبين، وهذا يدخل في نفس اتجاه المصالحة الوطنية الذي تنادي به أحزاب إسلامية في إشارة منها إلى أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة ومحاولة لاستمالتهم إلى صالحها.

قد يقول البعض إن الانتخابات لم ولن تبت في سبب الأزمة الحقيقية (إلغاء المسار الانتخابي عام 1992) وبالتالي في سبب الإرهاب.. هذا كلام صحيح لكن تنطبق عليه مقولة الإمام علي كرم الله وجهه الشهيرة "كلمة حق أريد بها باطل". إذا كانت السلطة قد أخطأت عام 1992 في تعاطيها مع الملف الإسلامي، فإن بعض الإسلاميين قد أخطؤوا بدورهم في الرد على جور السلطة وتبنوا العنف الواسع النطاق الذي لم يوجه أساساً ضد هذه الأخيرة بل استهدف أساساً المواطنين العزل.

يصعب على أي مؤمن بالمبادئ الديمقراطية الدفاع دون تحفظ عن قرار إلغاء الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 1992، لكن يصعب عليه أيضاً الدفاع عن السلوك الإرهابي للإسلاميين المتشددين طوال العشرية المنصرمة.

نستخلص من هذا أن الرأي القائل إن الانتخابات لا تجدي نفعاً لأنها لا تعالج مصادر الأزمة، رأي فيه مبالغة بل ومغالطة كبيرة. طبعاً ليست هذه الانتخابات عصا سحرية ستنهي بين عشية وضحاها آلام الشعب الجزائري، لكن إجراءها في ظروف معقولة -بغض النظر عن نتائجها- هو بحد ذاته تحدٍّ كبير وتقدم نحو تسوية للأزمة الجزائرية.

بالأمس القريب فقط كانت الجماعات الإسلامية المسلحة تهدد بالقتل -وتقدم على ما تقول- كل جزائري خولت له نفسه الذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بصوته في الانتخابات. أما اليوم فمثل هذه التهديدات غير موجودة ولا أحد يتحدث عنها. بل إن همّ المصوت الجزائري هو ماذا سيجني من هذه الانتخابات.. هذا تطور كبير يسير نحو الانفراج، لكن يبدو أن المراقبين للوضع الجزائري يتغاضون عنه لسبب أو لآخر.

المشكلة في القضايا السياسية والاجتماعية هي أن المجتمع يتحرك لكن المراقب الخارجي لا يفهم دائماً سيرورة حركته الداخلية التي لا أثر لها في وسائل الإعلام أو في تصريحات المسؤولين في السلطة والمعارضة على حد السواء.

ومن هنا فإنه رغم كل ما يقال عن هذه الانتخابات لا سيما من قبل معارضيها، فإن مجرد تنظيمها يشكل نجاحاً للسلطة التي تثبت بذلك تحكمها -ولو نسبيا- في الوضع الأمني وقدرتها على تنظيم مثل هذه المواعيد الانتخابية ونيتها احترام السير الحسن للمؤسسات السياسية للدولة.

صحيح أن هذه الانتخابات لا ترقى إلى مقام الممارسات الديمقراطية لدى الأمم المتقدمة ولن تقود خلال فترة برلمانية إلى تغيير النظام القائم، لكنها تبقى رغم كل النقائص مبادرة في الطريق الصحيح نحو التلقين الديمقراطي للسلطة والمعارضة على حد السواء. ولا ننسى أن دولا عربية عديدة لا تعيش أزمات كالجزائر لكنها عاجزة تماماً عن إجراء انتخابات تعددية مثل تلك التي تُنظم في الجزائر.

وعليه وفيما يخص التوجهات السياسية في مجال الأمن، يمكن القول إن نتائج الانتخابات إن كانت في صالح أنصار بوتفليقة ستكرس سياسة الوئام الوطني التي تبناها هذا الأخير على حساب المعالجة الأمنية البحتة، وبالتالي تعطيه شرعية جديدة في مواصلة المعالجة السياسية للعنف -دون التخلي طبعاً عن المعالجة الأمنية- بعيداً عن طروحات وممارسات المعالجة الأمنية البحتة.

بين التوافق الإستراتيجي والتنافس التكتيكي

تتميز الحملة الانتخابية الحالية بالعودة القوية للحزب العتيد حزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الواحد سابقاً) على حساب حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي أنشئ في فبراير/شباط 1997 وأصبح القوة السياسية الأولى في البلاد بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة (يونيو/حزيران 1997) والذي سمي آنذاك بـ "حزب الرئيس اليامين زروال.

التجمع الوطني الديمقراطي خرج من رحم جبهة التحرير الوطني وكل مناضليه هم من الحزب العتيد. وما تعيشه جبهة التحرير الوطني الآن هو ببساطة عودة الابن الضال إن صح التعبير حيث نشهد حركة واسعة النطاق لعودة مناضليها الذين انضموا إلى التجمع الوطني إلى حزبهم الأصلي لدرجة أن التجمع الذي يتزعمه أحمد أويحيى (وزير العدل الحالي) يشتكي من انحياز رؤساء البلديات لجبهة التحرير التي يتزعمها علي بن فليس (رئيس الحكومة الحالي) رغم أن التجمع هو صاحب الأغلبية في هذه البلديات.

التراجع الكبير للتجمع الوطني لصالح جبهة التحرير أو احتواء هذه الأخيرة للمنشقين عنه سابقاً بطريقة ذكية، يبدو وكأنه يعكس إرادة بوتفليقة التخلص من وصاية التجمع بالاعتماد على الجبهة. هذه الأخيرة تبدو أنها أحوج إلى بوتفليقة من حاجته إليها، خاصة أن هذا الحزب همّش بوتفليقة في السابق وكان وراء إقصائه من السلطة عقب وفاة بومدين. لكن بوتفليقة يريد حزباً لم يكن المسؤول الأول في الحكومة خلال الولاية البرلمانية المنصرمة كما يريد تحسين صورته وتقوية مصداقيته بالابتعاد عن حزب التجمع الوطني الذي يقترن اسمه في ذهن بعض الجزائريين بالوصولية.

قناعة سياسية بالتعددية أم تكتيك آني؟


تتميز الحملة الانتخابية الحالية بنوع من الانفتاح السياسي في التلفزيون الرسمي الجزائري على أحزاب المعارضة التي تخوض هذه الحملة، بصورة لم يعتد المشاهد الجزائري للقناة الرسمية سماعها من قبل
تتميز الحملة الانتخابية الحالية بنوع من الانفتاح السياسي في التلفزيون الرسمي الجزائري على أحزاب المعارضة التي تخوض هذه الحملة، فإلى جانب التغطية الإعلامية لنشاطات هذه الأحزاب من قبل القناة الرسمية الوحيدة في البلاد (لا توجد قنوات خاصة)، نلاحظ نقلة نوعية في تغطية التلفزيون الرسمي لخطابات زعماء المعارضة مما يوحي بتراجع حدة الرقابة، حيث يردد الصحفيون في نشرات الأخبار لا سيما الرئيسية منها عبارات شديدة اللهجة تجاه السلطة مثل عبارات "فشل المسؤولين الحاليين" أو "البديل للنظام القائم".

والملاحظ للتغطية الإعلامية التلفزيونية لحملات أحزاب المعارضة أنها لم تتوان في نقل مقتطفات من الخطب والتصريحات الموجهة نحو السلطة أساساً، مثل اتهام هذه الأخيرة من قبل أحد الأحزاب المشاركة في الحملة الانتخابية بافتعال أحداث القبائل لغرض تمرير مشاريع الخوصصة دون علم الشعب الجزائري.

عودة قوية للتيار الإسلامي أم استخدام سياسي له؟

المتجول في مدن الجزائر وقراها يلاحظ هذه الأيام العدد المتزايد من أصحاب اللحى والذين يرتدون اللباس الإسلامي. لقد كادت هذه الفئة من الإسلاميين تنقرض من جراء الإرهاب والضغط الذي مورس عليها بعدما أصبحت مثل هذه المظاهر تعد ذريعة للاتهام بالإرهاب، وهذا ما قاد إلى تمييع الإسلاميين في المجتمع الجزائري. لكن مع تراجع المجازر الإرهابية وتحسن الوضع الأمني بكثير مقارنة مع منتصف التسعينيات -رغم بقاء بعض الجيوب- عاد الزي الإسلامي إلى شوارع مدن وقرى الجزائر ولم يعد من الصعب ملاحظة جحافل من الشباب الملتحي اليوم فيها.

ولا يسع المراقب لهذا الوضع المتغير باستمرار إلا أن يتساءل هل يتعلق الأمر بـ "صحوة" إسلامية ثانية أم بمحاولة سياسية لاستخدام الورقة الإسلامية في العملية السياسية داخل السلطة؟

بالطبع قد يرى البعض في انتشار المظاهر الإسلامية مسألة طبيعية تقتضيها المبادئ الديمقراطية واحترام الحريات الفردية، لكن عودة هذه المظاهر بهذه السرعة تثير التساؤل عن مغزاها وعن الجهات التي قد تكون وراءها. وعليه ليس من المستبعد أن تكون هذه القضية محاولة لاستخدام الورقة الإسلامية سياسياً في الصراع على السلطة، خاصة أن هناك من يرى في ذلك استمرارية لما يسميه الخطر الإسلامي (الإسلام السياسي) وبالتالي ضرورة توحيد الصفوف لمواجهة العدو المشترك.

الورقة الإسلامية وسيلة للبقاء في الحكم
العودة الملحوظة للإسلاميين عموماً في الجزائر تقودنا إلى طرح فرضية يصعب التأكد من صحتها، تقول إن السلطة تستخدم الإسلام السياسي للبقاء في الحكم، وذلك على صعيدين:

الصعيد الأول يكمن في التهويل، أي في تبني خطاب تخويفي يجعل من الإسلاميين ذلك الطوفان الذي سيأتي على الأخضر واليابس إن لم يشارك الشعب في الانتخابات التشريعية. والهدف هنا مزدوج: اللعب على الأوتار الحساسة للفئات الشعبية الأكثر حساسية لخطاب العصرنة والديمقراطية وتخويفها بما سينالها إن فاز الإسلاميون بالانتخابات، وتخويف الفئات الشعبية التي كانت أكثر الفئات تضرراً من الإرهاب من مخاطر نصر انتخابي للإسلاميين. هذا من جهة، ومن جهة ثانية حث كل من يرغب في مقاطعة الانتخابات بضرورة التصويت لقطع الطريق أمام الإسلاميين. والجدار الواقي من ذلك كله هو السلطة الحالية عبر الحليفين الأساسيين التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني.

أما الصعيد الثاني فيكمن في استخدام الانفتاح على الإسلاميين كورقة سياسية لإظهار الطابع الديمقراطي للسلطة وعملها على إنجاح المصالحة الوطنية وبالتالي ربح ولاء فئات من الشعب وربما حتى من الإسلاميين.

وعليه ففي كلتا الحالتين التخويف والتهويل أو الحجة الديمقراطية، تبقى الورقة الإسلامية وسيلة للسلطة لتجديد عهدتها والبقاء في الحكم.

منطقة القبائل والمقاطعة

رغم إعلان الحزبين القبائليين أساساً التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية وبعض تنسيقيات العروش مقاطعتها للانتخابات، فإن هناك قوى سياسية حزبية ومستقلة ستحصل بدون شك على أصوات تحول دون عدم تمثيل منطقة القبائل في البرلمان القادم

رغم رفضهم الانخراط في الحملة الانتخابية إلى درجة تهديد كل من يجرؤ على المشاركة في الاقتراع والعمل على تخريب تجمعات الأحزاب في منطقة القبائل، فإن البربر ليسوا كلهم على موقف واحد. فهذه المنطقة لم تبق بمعزل عن الحملة الانتخابية رغم أمر تنسيقية العروش بمقاطعتها، إذ نجحت حركة مجتمع السلم "حمس" (الإسلامية) التي يتزعمها محفوظ نحناح من تنظيم تجمع شعبي في مدينة ذراع بن خدة التي تعد أحد أبرز معاقل الحركة في منطقة القبائل إلى جانب عين الحمام وذراع الميزان.

حضور بعض مندوبي العروش وأفراد من عائلات ضحايا أحداث القبائل (أحداث ربيع 2001) تجمع "حمس" في بن خدة يعد مؤشرا على إمكانية إفلات قسم من الناخبين في منطقة القبائل من قبضة دعاة المقاطعة ومشاركتهم في الاقتراع الشعبي يوم 30 مايو.

وإلى جانب حركة مجتمع السلم الإسلامية تمكنت أحزاب أخرى مثل حزب العمال (اليساري التروتسكي) الذي تتزعمه لويزة حنون وحزب جبهة التحرير الوطني بزعامة علي بن فليس من اختراق منطقة القبائل وتنظيم تجمعات شعبية. وعليه فرغم إعلان الحزبين القبائليين أساساً التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية وبعض تنسيقيات العروش مقاطعتها للانتخابات، فإن هناك قوى سياسية حزبية ومستقلة ستحصل بدون شك على أصوات تحول دون عدم تمثيل منطقة القبائل في البرلمان القادم.

إذا كان انقسام الشعب الجزائري بين مناصر للانتخابات ومقاطع لها احتمالا غير وارد، فإن الانقسام قد يحدث في منطقة القبائل نفسها على غرار الانقسام الذي حدث بين تنسيقيات العروش-بين معارضة للحوار مع السلطة ومساندة له. والخطر المحدق في هذه الحالة هو لجوء أنصار المقاطعة إلى العنف لفرض إرادتهم مما قد يفجر الوضع في منطقة القبائل بأكملها. ومن هنا فالامتحان الأمني الأعسر لهذه الانتخابات سيكون في منطقة القبائل.

ختام القول
تشكل الانتخابات الجزائرية رغم كل النقائص حدثاً وطنياً لأنها تسمح بمواصلة عمل مؤسسات الدولة في ظل غياب بديل حقيقي وواقعي لما يجري في الساحة حالياً. لكنها رغم أهميتها لم تطرح المواضيع الأساسية وكيفية البت فيها، إذ يبقى اللاحسم يطبع القضايا العالقة التي تهم المواطن الجزائري مثل إصلاح الإدارة والعدالة والمنظومة التربوية، وتعديل قانون الأسرة، والإنعاش الاقتصادي، ومحاربة الفساد الذي أصبح مؤسسة في البلاد وانتشر في مختلف المستويات.
_______________
* مكلف بالدروس في قسم الماجستير، جامعة مارن لافالي (فرنسا).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة