مستقبل العلاقة بين الإسلاميين والسلطة   
الأربعاء 27/3/1427 هـ - الموافق 26/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:13 (مكة المكرمة)، 11:13 (غرينتش)

محمد بن المختار الشنقيطي

حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تجتاح الانتخابات الفلسطينية، والإسلاميون الأتراك يقودون بثقة، والإخوان المسلمون في مصر ينتقلون من غياهب السجون إلى قبة البرلمان، وتونس تطلق سراح العديد من أعضاء حركة النهضة بعد عقدين من القهر والتعذيب الوحشي، والجزائر تطلق سراح من حرمتهم حريتهم وجرَّمتهم بالأمس، وليبيا تفتح أبواب سجونها ليخرج منها إسلاميون لم يروا النور منذ سنين، والحركات الإسلامية السياسية تعزز مواقعها في الأردن والمغرب وباكستان وفي كل بلد ذي غالبية مسلمة بدون استثناء.

وحتى في العراق المحتل لم يجد الأميركيون بدا من التحالف مع الإسلاميين الشيعة، ردا على مقاومة الإسلاميين السنة للاحتلال بشراسة..

مسار التعايش
العوامل المؤثرة على المستقبل
المصالحة مع الذات

مسار التعايش

تلكم ظواهر لم يستوعبها أيمن الظواهري تمام الاستيعاب حينما افتخر مؤخرا بأن ضربات "القاعدة" هي التي منحت الحركات الإسلامية السياسية ما حصلت عليه من "فتات الديمقراطية". فليس من ريب أن في هذا القول شططا ومبالغة، وتضخيما لدور، وتحجيما لآخر.

"
أصبحت أنظمة الحكم والحركات الإسلامية تؤمن بمقولة الإستراتيجي الأميركي روبرت ووهلستر الذي كان يقول متحدثا عن المرحوم الاتحاد السوفياتي:

ليست أهدافنا مناقضة لأهداف عدونا.

"

مثابرة الإسلاميين وشيخوخة الأنظمة

فالحركات الإسلامية السياسية شادت تراكمات من الوعي السياسي والاجتماعي بعيد المدى دفع إلى فتح منافذ الإصلاح والانفتاح، وقضى على أنظمة الحكم الحالية بالموت البطيء. فهذه الحركات تجني اليوم قطاف مصابرة مريرة ومنازلة طويلة للاستبداد استمرت ثمانية عقود.

لكن الرجل الثاني في تنظيم القاعدة قد يكون محقا في جانب واحد من ملاحظته، وهو أن الغرب لم يكن ليسمح للسياسيين الإسلاميين بهامش من الحرية، ويصبح دافعا إلى إشراكهم بعدما كان مانعا منه، إلا لأن لهيب الحريق السياسي الذي يلتهم العالم الإسلامي قد وصل إلى نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن.

كما أن أنظمة الحكم ما كانت لتسمح للحركات الإسلامية بهذا الهامش لولا أنها أدركت –بعد أن أدرك ظهيرها الخارجي- أن البركان بدأ يقذف بحممه على الجميع، ويوشك أن يفتح فاه ليلتهم الجميع.

فالبناء الاستبدادي الذي نخرته وأنهكته حركات الإسلام السياسي بالوعي والنضال المدني جاءت القاعدة لتجهز عليه بحربها المفتوحة. والحرب تسرِّع بحركة التاريخ، وليست حرب "القاعدة" استثناء من تلك القاعدة.

ويمكن القول إن كلا من الحركات الإسلامية السياسية والأنظمة الحاكمة قد توصلا إلى ضرورة التعايش، كل من وجهته:

  • فالحركات الإسلامية بدأت منذ الثمانينيات من القرن العشرين تتشرب الفكر الديمقراطي ووسائل النضال السلمي، وابتعدت عن الفكر الإطلاقي، واقتربت من الواقعية والروح العملية.
  • والأنظمة أدركت أن قمع الحركات الإسلامية لا يزيدها إلا رسوخا وامتدادا، وأن كل المكاسب التكتيكية المتحصلة من قمع هذه الحركات تتحول خسارات إستراتيجية على المدى البعيد.

ولم تسلم من هذا التحول حتى الحركات التي ترى في القوة العسكرية سبيلا وحيدا للمنازلة السياسية، مثل "القاعدة" وروافدها ومشتقاتها.

فقد تخلت هذه الحركات الجهادية إلى حد بعيد عن مواجهة الأنظمة، وصدَّرت معركتها من العدو الأقرب (الحكام) إلى العدو الأبعد (الولايات المتحدة). ولولا المناوشات التي لا تزال تطفو على السطح من حين لآخر في السعودية والجزائر لأمكننا تعميم هذه الخلاصة.

أهداف غير متناقضة
ويبدو أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول وأخواتها، قد دفعت الأنظمة العربية والحركات الإسلامية السياسية إلى تقارب غير مرغوب فيه، وكأن كلا الطرفين يتمثل ببيت المتنبي:

ومن نكد الدنيا على الحُر أن يرى     عدوا له ما من صداقته بدُّ

فالأنظمة الحاكمة –والغرب من ورائها- بدأت تدرك أن الانفتاح على الحركات الإسلامية السلمية المنطلقِ والمنهاجِ مفيد لها في معركتها ضد الحركات الجهادية.

والحركات الإسلامية السياسية أدركت أن تقويض جهاز الدولة من خارجه أمر متعذر وباهظ الثمن، كما دلت عليه تجارب الجماعات الجهادية في مصر والجزائر.

وكأنما أصبحت أنظمة الحكم والحركات الإسلامية تؤمن بمقولة الإستراتيجي الأميركي روبرت ووهلستر الذي كان يقول متحدثا عن المرحوم الاتحاد السوفياتي:

"ليست أهدافنا مناقضة لأهداف عدونا".

وكأن كليهما أصبح يؤمن بحكمة الشاعر الفيلسوف محمد إقبال الذي يقول:

أرافق في طريقي كل سار       وأعطيه نصيبا من طريقي
ولم أر في طريق مستعدا        يكون إلى نهايـته رفيـقي

فالتغلب على مشاق الطريق يقتضي البحث عن رفقة، مهما كان الخلاف مع تلك الرفقة كبيرا، ومهما كان السير معها محدودا زمنيا. والخلاف مع أي من السائرين لا يقتضي حتما استحالة قطع جزء من الطريق في صحبته، إذ الصحبة الدائمة بعيدة المنال..

وهذا مستوى متقدم من الواقعية السياسية لم يكن مألوفا في نمط التفكير السائد لدى أنظمة الحكم المسلمة المتصلبة البنية والأداء، ولا كان متوقعا من الحركات الإسلامية التي شغلها التغني بالمبادئ الجليلة ردحا من الزمن عن التفكير العملي في تنزيلها على الأرض برامج من لحم ودم..



العوامل المؤثرة على المستقبل

"
بعض الإسلاميين نزل إلى حضيض الانتهازية بعد أن امتزجت النزعة الإسلامية لديهم بالروح الطائفية والعرقية كما هو مسلك قادة الإسلاميين الشيعة في العراق والإسلاميين من الأكراد 

"

ويبقى تعامل الحركات الإسلامية مع الحكومات مسألة نسبية تخضع لظروف المكان، فلا مجال لوضع صيغ نظرية عامة حولها تصلح لكل الحركات الإسلامية وكل الحكومات المسلمة.

فتلك دعوى عريضة لا نستطيع ادعاءها. كما أن الحكم على الوسائل السياسية حكما عاما جامدا يحولها إلى غايات، ويُفقد حمَلة التغيير المرونة الذهنية والعملية في التعاطي معها. فكل تنظير في هذا المضمار ينبغي أن يتم صياغته بتحفظ بعيدا عن التعميم والإطلاق.

ويبدو أن ثلاثة عوامل سيكون لها التأثير الأكبر على العلاقات المستقبلية بين الحكام والحركات الإسلامية:

أولها، ثقافة النضال السلمي
تشبع الحركات الإسلامية بثقافة النضال السلمي وإيمانها بثمراته وجدواه. فقد زود العصر الحديث حركات التغيير الاجتماعي بالعديد من وسائل النضال السلمي التي تحقق في الزمن الحاضر ما كانت الثورات الدموية الهوجاء ضرورية لتحقيقه في الماضي.

فأصبحت المظاهرات والاحتجاجات وحملات العصيان المدني تكفي في أغلب الظروف لهز عروش الحكام المستبدين، وسلبهم الثقة في أنفسهم، وثقة أحلافهم وأعوانهم فيهم.

وقد تم التخلص من العديد من المستبدين عبر العالم في العقدين الأخيرين من خلال وسائل النضال السلمي هذه. فتحصلت من ذلك خبرة متراكمة تستطيع الشعوب المسلمة –وفي طليعتها الحركات الإسلامية- الاستمداد منها في معركة التغيير. وتشير تطورات الأعوام الأخيرة إلى أن الحركات الإسلامية بدأت تتشرب هذا الفكر النضالي السلمي وتتبناه.

وتبقى الدول المسلمة التي تسود فيها ثقافة سلفية جامدة أو ثقافة يسارية متصلبة تقضي بتحريم أو تجريم المظاهرات الشعبية هي المرشحة لمزيد من العنف السياسي مستقبلا.

ثانيهما، انكشاف الأنظمة
رفع الظهير الدولي يده عن حماية أنظمة الحكم الممقوتة من شعوبها. فإحساس الحركات الإسلامية أنها تخوض معركة غير متكافئة تتواطأ فيها قوى دولية مع الاستبداد، وتسعى لحرمان الشعوب المسلمة من الحرية، يدفع هذه الحركات إلى عدم الثقة في ثمرات جهودها النضالية السلمية، ويقود أطراف الحركة وهوامشها إلى خلاصة مفادها ضرورة مواجهة الظهير الدولي أولا في ساحات القتال الحربي قبل مواجهة الحكام في ساحات النضال السلمي.

وليست نظرية نقل المعركة من "العدو الأقرب" إلى "العدو الأبعد" التي تتبناها "القاعدة" ومن على شاكلتها من الحركات الجهادية اليوم سوى ثمرة مريرة من ثمار هذا الإحساس بالقهر الخارجي والتدخل الأجنبي في مصائر الشعوب المسلمة.

فالعلاقة بين الحركات الإسلامية والأنظمة ستتأثر مستقبلا تأثرا كثيرا بمستوى دعم القوى الأجنبية للأنظمة: فبقدر ما يتكثف ذلك الدعم ستزيد احتمالات المواجهة العنيفة بين الأنظمة والحركات الإسلامية. وبقدر ما يتخلى الظهير الدولي عن دعمه للأنظمة، ستؤمن الحركات الإسلامية بثمرات النضال السلمي، وتؤمن الأنظمة بعبثية التصلب أمام مطالب التغيير.

ثالثها، دقة اللحظة التاريخية
الوعي باللحظة التاريخية والإمساك بها. فكل من الحكام والحركات الإسلامية يعيش لحظة حرجة من عمره. فالأنظمة الحاكمة تكاد تستنزف عمرها الافتراضي، والظهير الدولي بدأ يفقد الثقة فيها تدريجيا، بعد أن وصل إليه لهب المعركة المحتدمة بينها وبين شعوبها، وهو لا يرى فيها أكثر من درع بينه وبين شعوبها الساخطة.. فليس أمام هذه الأنظمة من مفر سوى الرجوع إلى شعوبها والتعاطي بإيجابية مع القوى الاجتماعية الصاعدة، وأولها الحركات الإسلامية.

والحركات الإسلامية أمامها فرص عظيمة للتوسع والامتداد، بسبب روح التعبئة الدائمة السائدة اليوم في الأمة في ظل احتلال الأرض الإسلامية والجرأة على دين الأمة ومقدساتها.

والخطر الذي تواجهه الحركات الإسلامية هو الجمود من خلال التفريط في الفرص السانحة، أو الإفراط في استغلال تلك الفرص فتفقد الحركة مبدئيتها وجاذبيتها. فما تحتاجه هذه الحركات هو المزاوجة بين الروح المبدئية التي لا تساوم على الثوابت، والروح العملية التي تستوعب الفرص بحكمة وجدارة.

ويبدو أن بعض الإسلاميين فشل في هذه المعادلة، ونزل إلى حضيض الانتهازية، بعد أن امتزجت النزعة الإسلامية لديهم بالروح الطائفية والعرقية.

ولعل أبلغ الأمثلة على ذلك هو مسلك قادة الإسلاميين الشيعة في العراق ("حزب الدعوة" و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية") الذين حدا بهم الأمل في تغيير الميزان الطائفي الداخلي إلى مد أيديهم للاحتلال والتحول إلى قنطرة يعبر عليها. ومثلهم الإسلاميون الأكراد العراقيون الذين تماهوا مع هويتهم العرقية تماما، ولو يستطيعوا بلورة خطاب إسلامي يجمع إخوة الوطن الواحد.

المصالحة مع الذات

وليس من ريب أن الأمة اليوم في مسيس الحاجة إلى مصالحة تاريخية بين الحركات الإسلامية والحكام، ضمن مصالحات وطنية أشمل، تضمن تحولا أخف إيلاما، وأقل ثمنا، وأكثر حكمة ورحمة بالأمة.

على أن لا تكون المصالحة بين هذا الطرف أو ذاك مع الحكام مدفوعة بدوافع الأنانية السياسية والمكاسب الظرفية، بل تكون مصالحة تتأسس على استرداد الأمة حقها في حكم نفسها، وعلى فتح المجال السياسي للتنافس السلمي النزيه الذي لا يقصي أحدا، ولا يصادر حق أحد في عرض بضاعته السياسية على الشعب صاحب السيادة.

هذه لغة الرجاء لا التحليل.. أما بلغة التحليل فكل المسارات ممكنة في العلاقات بين الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية.

  • فمسار المواجهة الهوجاء التي تعصف بالجميع ممكن ووارد، وليس يستغرب أن تكون فترات التحول من عمر أي أمة محملة بآلام المخاض، كما حدث في أوروبا وأميركا يوم اندلعت الثورات فيهما قبل مائتي عام.
  • ومسار التحول السلمي والمصالحة مع الذات ممكن ووارد، لكنه يقتضي سيادة منطق الحكمة على منطق القوة، وهو أمر غير مضمون في ظروف الاستقطاب السائدة والتدخل الأجنبي السافر في مسار مجتمعاتنا.

إن مصالحة المجتمعات الإسلامية مع ذاتها ليست مصلحة المسلمين فقط، بل هي مصلحة العالم أجمع، وعسى أن يدرك الجميع ذلك. وإعادة هيكلة النظام السياسي، وجعله أكثر انفتاحا واستيعابا، هو الخطوة الأولى لتحقيق مصالحة المجتمعات المسلمة مع ذاتها ومع العالم.

وليس من خيار آخر سوى دفع الشباب الإسلامي، المترع بالمرارة واليأس، إلى إعلانها حربا هوجاء على حكامهم المستبدين، الذين أسلموا زمام أمتهم ومصائر شعوبهم بذلة ومهانة، وعلى العالَم المتواطئ الذي يرى المسلمين فيه أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام..
_______________
كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة