اغتيال كابيلا حلقة في سلسلة الصراع بين الهوتو والتوتسي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 18:55 (مكة المكرمة)، 15:55 (غرينتش)

مجزرة جماعية في أفريقيا

محمد عبد العاطي
تنبع خطورة الأحداث التي تشهدها الكونغو والتي أدت إلى اغتيال رئيس البلاد لوران كابيلا من احتمالية اندلاع حرب أهلية بين الهوتو والتوتسي أكبر القبائل في منطقة البحيرات العظمى. والذي يعزز هذا الاحتمال أن تاريخ هذه المنطقة الملتهبة من القارة الأفريقية شهد على مدى العقود القليلة الماضية صراعات دامية على السلطة كان البعد القبلي والعرقي دائما هو الوقود المؤجج لها.

يعيش في الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) حوالي 51 مليون نسمة ينتمون إلى أكثر من 450 جماعة عرقية. وينتمي غالبية السكان إلى قبيلتي هيما المنحدرة من الهوتو وليندو المنحدرة من التوتسي. وقد نزحت هاتان القبيلتان من منطقة القرن الأفريقي إلى منطقة البحيرات العظمى واستوطنتا رواندا وبورندي وشرق الكونغو وبعض أجزاء من أوغندا أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، واشتغلتا بحرفة الرعي وتربية الماشية.

وبالرغم من أن نسبة التوتسي تمثل 15% من السكان ويمثل الهوتو 84% فإن قبائل التوتسي تميزت بحسن تنظيمها لنفسها تحت سلطة مركزية واحدة، وتفوقت في المهارات العسكرية واستطاعت بفضل تفوقها العسكري السيطرة على الهوتو الذين ظلوا قبائل متفرقة تتمتع كل قبيلة باستقلالها في إدارة شؤونها الداخلية.

وكان لفرنسا دور مهم في دعم أقلية التوتسي وبالأخص في المجال التعليمي، حيث كثرت المدارس الفرنسية في أوساط التوتسي وزادت البعثات التعليمية لأبنائها، الأمر الذي أهلهم لتولي المناصب السياسية الهامة في الكونغو بعد ذلك.

وتاريخ العلاقة بين المجموعتين يتسم بالعداء والاستغلال والظلم المتبادل، مما أدى إلى كثير من حوادث الانتقام والنزاعات المسلحة.

ففي عام 1959 قام الهوتو بثورة على حكم التوتسي في رواندا قتل فيها مائة ألف من التوتسي. وزادت الأوضاع سوءا بعد تنصيب غريغور كايباندا الذي ينتمي إلى الهوتو رئيسا على البلاد، مما أجبر مئات الآلاف من التوتسي عام 1962 على الهجرة إلى البلدان المجاورة مثل بوروندي وأوغندا والكونغو.

ونظم قادة التوتسي أنفسهم وانضم إليهم بعض الأفراد من الهوتو منشقين على الرئيس غريغور بعد أن اتهموه بالفساد، وكونوا جبهة معارضة قوية وقفت إلى جانب يوري موسوفيني الذي نجح في الوصول إلى السلطة في أوغندا. وقامت قواته على الفور بغزو شمال رواندا للانتقام من الهوتو ووقعت هناك مذبحة جديدة.

ونشبت حرب أهلية في الكونغو أوائل عام 1960 بسبب تمرد بعض القبائل الغاضبة من موافقة المحتل البلجيكي على انفصال إقليم "كتانغا" الغني بموارده الطبيعية، رغم رفض الأمم المتحدة ذلك في 16 سبتمبر/ أيلول 1960. وسرعان ما قام موبوتو سيسي سيكو بانقلاب عسكري، واستولى على السلطة وساد نوع من الهدوء الحذر. ولم يستمر هذا الهدوء طويلا فبعد اغتيال رئيس الحركة الوطنية الكونغولية باتريس لومومبا عمت الفوضى وعمليات الانتقام بين القبيلتين من جديد.

واستطاع التوتسي الاستيلاء على الحكم في رواندا عام 1972، ووقعت عمليات انتقامية قتل فيها حوالي 300 ألف من الهوتو، واستهدفت تلك العمليات الصفوة المتعلمة وذوي النفوذ من أبناء الهوتو.

ونظم الهوتو مظاهرات في بوروندي للمطالبة بالديمقراطية عام 1993 بعد اغتيال بعض المرشحين للانتخابات النيابية من الهوتو واتهام قادة الجيش من التوتسي بتنفيذها، فتحولت المظاهرات الشعبية إلى أعمال عنف راح ضحيتها أكثر من 250 ألفا معظمهم من التوتسي، وهاجر ما يزيد عن 300 ألف إلى البلدان المجاورة، وحل الجزء الأكبر منهم في شرق الكونغو الديمقراطية.

كابيلا بعد نجاح التمرد
وبعد نجاح كابيلا في الوصول إلى الحكم وطرد موبوتو بمساندة من قبائل التوتسي، انقض على حلفائه السابقين وأعدم الآلاف من المدنيين والعسكريين لأنهم من قبائل التوتسي.

عوامل ساعدت على الاغتيال
لم تشعر الكونغو الديمقراطية بالاستقرار في ظل حكم كابيلا، فقبائل التوتسي التي ساعدته في تمرده ضد الرئيس السابق موبوتو سيسي سيكو وجاءت به إلى سدة الحكم ظلت دوما غير راضية، فقد اتهمه قادة الجيش من التوتسي في منطقة كيفو الواقعة شرق الكونغو بالفساد وسوء الإدارة وعدم وجود برنامج سياسي واضح.

ومما زاد الطين بلة قرار كابيلا بإعادة وحدات الجيش الرواندي التي آزرته في انقلابه على موبوتو. وعلل كابيلا قراره برغبته في تكوين جيش كونغولي خالص، وتزامن ذلك القرار مع ازدياد هجمات بعض الجماعات المسلحة التي تنتمي إلى قبيلة الهوتو على وحدات الجيش الرواندي الموجودة في الكونغو الديمقراطية. ومما زاد الوضع سوءا أيضا اعتماد كابيلا في تكوين الجيش الجديد على الـ "الانتامغي" وهي مليشيات تنتمي إلى الهوتو ويحملها التوتسي مسؤولية المذابح التي وقعت في بورندي عام 1993، والتي راح ضحيتها أكثر من 250 ألفا من التوتسي.

ومما زاد كذلك من غضب قبائل التوتسي على قلتهم، الحملة الإعلامية الضخمة التي شنها رئيس أنغولا المجاورة جوزيف إدواردو سانتوس على كابيلا بسبب صفقات الأسلحة التي يقول سانتوس إن جبهة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال "يونيتا" حصلت عليها مؤخرا من الكونغو. ورد كابيلا على حملة سانتوس بخطاب مضاد زج فيه بمفردات الصراع العرقي، فاتهم أوغندا ورواندا وأنغولا بالسعي لإقامة إمبراطورية للتوتسي في البحيرات العظمى، واتهم أقلية التوتسي في شرق البلاد بمحاولة الانفصال عن جسد الدولة الكونغولية والانضمام إلى هذه الإمبراطورية المزعومة، وهدد بنقل الحرب إلى تلك البلدان.

وإزاء هذه الأحداث عادت أجواء التوتر تخيم على العلاقة بين قبيلتي التوتسي والهوتو من جديد، وعادت إلى الأذهان عمليات الانتقام والانتقام المضاد التي اندلعت بين القبيلتين منذ ستينيات القرن العشرين وحتى منتصف التسعينيات والتي راح ضحيتها ما يزيد عن مليون ونصف المليون من كلا الجانبين.

فهل ستكون حادثة اغتيال كابيلا القشة التي تقصم ظهر البعير وتفجر بركان الصراع العرقي والقبلي في الكونغو الديمقراطية؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة