الترحيل في الرواية الإسرائيلية   
الثلاثاء 1428/7/9 هـ - الموافق 24/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:00 (مكة المكرمة)، 12:00 (غرينتش)

 

شفيق شقير

الكيفية التي جرت وفقها وقائع حرب 1948 وما نتج عنها من تشريد للشعب الفلسطيني، يعتقد الإسرائيليون ويدركون أنها تشكل أحد أهم الركائز السياسية والأخلاقية لفهم فكرة الترحيل في التاريخ وكيفية سريانها في واقع ومستقبل دولة إسرائيل، ومن هذا المنطلق نشأ ما عرف "برواية الترحيل في إسرائيل".

الرواية التقليدية
الرواية الجديدة
تعدد الرواية

الرواية التقليدية

لا تعترف الرواية التقليدية الإسرائيلية -ويمكن وصفها بالرسمية- بوجود جماعة فلسطينية قائمة بذاتها، وتقول إنه لم يحدث أي تهجير قسري "ترانسفير" للفلسطينيين عام 1948 وما تلاه، بل خرجوا تلقائيا أو هربوا بناء على دعوة صريحة من الملوك والرؤساء العرب حتى يتسنى للجيوش العربية الإجهاز على "الدولة الصهيونية الوليدة المحاصرة من كل جانب".

"
لا تعترف الرواية التقليدية الإسرائيلية بوجود جماعة فلسطينية قائمة بذاتها، وتقول إنه لم يحدث أي تهجير قسري للفلسطينيين عام 1948 وما تلاه
"

وأما فيما يخص المستوطنين اليهود الذين جاؤوا من مختلف بقاع الأرض إلى فلسطين، فهم "لم يستعمروا أرضا بعدما أخرجوا شعبها منها"، والحقيقة التاريخية والدينية الإسرائيلية أنهم عادوا إلى أرضهم أرض الآباء والأجداد، بعدما عاشوا في الشتات مضطهدين بسبب انتمائهم اليهودي، وأعلنوا استقلالها بعدما خرج منها المحتل البريطاني وبعدما صدوا "جيوش الغزاة الذين حاولوا احتلالها"، والمقصود بذلك جيوش مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق.

"فالصهاينة" كما يقول الباحث عبد الوهاب المسيري أعادوا ترتيب الوقائع و"صوغها ضمن إطار أيدولوجي صهيوني"، واستبعدوا ما لا يروق لهم منها.

وهذا النهج لا يزال يتناسل، وعماده أن العرب الفلسطينيين هم الذين يعيشون على أرض اليهود وليس العكس، والترحيل -بحسب هذا المنطق- يجب أن يفهم في ضوء هذه "الحقيقة" وفي ضوء المعاناة التي عاشها اليهود في فترة "بعدهم عن وطنهم" والتي بلغت الذروة بما يسمى "المحرقة اليهودية".

الرواية الجديدة

ظهر في إسرائيل جيل جديد من المؤرخين عقب إفراج إسرائيل عام 1978عن الدفعة الأولى من الوثائق السرية المتعلقة بالنكبة وأحداث عام 1948، وذلك عملا بمبدأ الإفراج عن الوثائق السرية بعد مرور 30 عاما عليها.

فالمؤرخون الجدد -كما اصطلح على تسميتهم- خرجوا بعد دراستهم لتلك الوثائق برواية مختلفة عن الرواية الإسرائيلية الرسمية لوقائع تلك الحقبة، ورسموا صورة "تقترب إلى حد ما من الرواية الفلسطينية" لوقائع الحرب، وبينوا أن "المطامع الصهيونية" قد تم تحقيقها على حساب السكان الفلسطينيين وأنهم أبعدوا من خلال الطرد.

"
تصدع عموما تيار المؤرخين الجدد وتفكك وفقد فعاليته السابقة في المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية، خاصة أنه وقعت تصادمات في المنهج والأفكار بين بعض أبرز أقطابه مثل بيني موريس وإيلان بابي على سبيل المثال
"

وأظهروا أن العالم العربي لم يكن قوة عسكرية مخيفة، بل كان مفككا يتكون من دول متخلفة، بعض حكامها متواطئ مع "الصهاينة"، وجيوشها سيئة التدريب وقدراتها القتالية شديدة التدني، وأن إسرائيل دولة متعنتة ترفض السلام. 

بدأت رواية المؤرخين الجدد بالتشكل عبر مجموعة متوالية من المؤلفات أصبحت مرجعية لهذا التيار، منها "ولادة إسرائيل" الصادر عام 1987 لسمحة فلابن ويذكر فيه تعرض مئات الآلاف من الفلسطينيين للإرهاب ودفعهم للفرار. وكتاب "ولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين" لبيني موريس وهو الأهم فيما يخص رواية الترحيل، ويصف العنف الذي مورس ضد الفلسطينيين وأساليب الحرب النفسية والحيل والأكاذيب التي اعتمدت لتهجيرهم. ويحمل موريس في الكتاب الجانب الإسرائيلي جزءا من المسؤولية عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. 

ومن الكتب الأخرى أيضا كتاب آفي شلايم "مكائد ما وراء الأردن"، وكتاب إيلان بابي "بريطانيا والنزاع العربي الإسرائيلي"، وكتاب توم سيغيف "الإسرائيليون الأوائل" وكتابه الآخر "المليون السابع".

تعدد الرواية

وإذا كان ما جمع بين المؤرخين الجدد محاولتهم تقديم رواية جديدة لما حدث، فإن خلفياتهم السياسية والفكرية فرقت بينهم، فبعضهم محسوب على التيار اليساري الراديكالي وفقا للتصنيف الإسرائيلي، مثل إيلان بابي الأستاذ في جامعة حيفا والمدافع عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وآخرون ينتمون إلى ما يمكن وصفه بالتيار الليبرالي، مثل آفي شلايم، أو الليبرالية الاشتراكية على طريقة حركة العمل الإسرائيلية مثل توم سيغيف.

وقسم ثالث لم يخف قط ميوله الصهيونية اليسارية، مثل بيني موريس وهو الأبرز بينهم ويعتبره البعض مؤسس هذا التيار، من خلال الأفكار الجريئة التي حملها كتابه "ولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين".

ولكنه أظهر تحولا مفاجئا بعد ذلك، واعتبره آخرون مجرد تطور وليس تحولا، حيث أضاف في طبعات الكتاب اللاحقة المذكور آنفا أن الاعتراف بجانب من المسؤولية الأخلاقية يعني إزالة عبء التاريخ عن إسرائيل، وأعلن في مقابلة شهيرة في سبتمبر/ أيلول 2004 أن العرب برابرة العصر الحديث، وتمنى لو أن بن غوريون أكمل مهمة "تنظيف" فلسطين التاريخية من العرب وأن إسرائيل ستدفع ثمن هذا الخطأ. 

وتيار المؤرخين الجدد عموما تصدع وتفكك وفقد فعاليته السابقة في المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية، خاصة أنه وقعت تصادمات في المنهج والأفكار بين بعض أبرز أقطابه مثل بيني موريس وإيلان بابي على سبيل المثال.

فقد ازداد إيلان بابي نقدا للصهيونية ولإسرائيل وازداد تعاطفا مع الرواية الفلسطينية للنكبة، وصدر له مؤخرا كتاب بعنوان "التطهير العرقي في فلسطين".

أما موريس فقد استقر في وسط الحالة الصهيونية ولكن على طريقته التي تريد أن تجمع بين الدراسة الأكاديمية والنقد العلمي والحفاظ على مكتسبات الصهيونية التاريخية، وهو ما يرى فيه بطبيعة الحال خصوم الصهيونية أمرا مستحيلا.

هذا التصدع يعد بتعدد رواية الترحيل الإسرائيلية وما يتعلق بها أكثر فأكثر، بغض النظر عن المآل الذي ستصله الرواية الرسمية أو رواية المؤرخين الجدد قبل تفككهم. 
_______________
الجزيرة نت

المصادر:
1- انظر تاريخ إسرائيل في موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، دولة إسرائيل الجزء الأول.
http://www.altawasul.net/MFAAR/this+is+israel
/history/historical+overview/the%20state%20of%20israel%20I
2- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية لعبد الوهاب المسيري، المجلد السابع، تعريف "المؤرخون الجدد" ص 325 وما بعدها. وانظر أيضا للكاتب نفسه، الصهيونية وحركة التاريخ الجديد، جريدة المغربية، 22 فبراير/ شباط 2007.
http://www.almaghribia.ma/Paper/Article.asp?idr=12&idrs=12&id=36593
3- نقد الصهيونية من الداخل، محمد حمزة غنايم، موقع المشهد الإسرائيلي. 
http://almash-had.madarcenter.org/almash-had/printtemp.asp?articalid=49
4- مقالة
بعنوان: ظاهرة غيرت إسرائيل، المؤرخون الجدد أعادوا النظر في الرواية الرسمية الإسرائيلية عن محنة الفلسطيني، لأسامة العيسة، جريدة الشرق الأوسط، 9 يونيو/ حزيران 2006.
http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=45&issue=10055&article=367305
5- انظر مقالة بعنوان: هل المؤرخون الجدد في إسرائيل أصدقاء لنا?
الإسرائيليون يراجعون روايتهم بينما العرب لم يكتبوها أصلا، لأسامة العيسة، 21 ديسمبر/ كانون الأول 2005.
http://www.aawsat.com/details.asp?section=19&article=339308&issue=9885
6-انظر تعربف حركة المؤرخين الجدد في موقع المركز العربي للدراسات المستقبلية: مستقبليات.
http://www.mostakbaliat.com/link118.html
7-انظر حول تفكك تيار المؤرخين الجدد مقالة داليا شحوري بأجزائها الثلاثة، بعنوان: هل مات تيار ما بعد الصهيونية أم هو في سبات عميق؟ وقد نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وأعاد موقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- المشهد الإسرائيلي، نشره بعدما نقله إلى العربية. الجزء الأول
 24 أبريل/ نيسان 2004:
http://almash-had.madarcenter.org/almash-had/viewarticle.asp?articalid=1536
الجزء الثاني 5 مايو/ أيار 2004:
http://almash-had.madarcenter.org/almash-had/viewarticle.asp?articalid=1572
الجزء الثالث 17 مايو/ أيار 2004:
http://almash-had.madarcenter.org/almash-had/viewarticle.asp?articalid=1603
وانظر ملخص مقالة داليا شحوري الذي كتبه محرر موقع المشهد الإسرائيلي في سياق عرضه لمجموعة مقالات صدرت كجزء من سلسلة "أوراق إسرائيلية"  تحت عنوان "ما بعد الصهيونية بين الموت والحياة".
http://almash-had.madarcenter.org/almash-had/viewarticle.asp?articalid=1750
8- انظر الحوار الذي أجراه الصحفي الإسرائيلي آري شافيت مع بيني موريس في صحيفة هآرتس، ملحق آخر الأسبوع، 9 يناير/ كانون الثاني 2004، ونشرت ترجمته جريدة السفير اللبنانية، وأعاد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية نشره في العدد رقم 21 من سلسلة "أوراق إسرائيلية". وأعرب موريس في المقابلة آنفة الذكر عن تمنيه لو أن بن غوريون قد استكمل طرد العرب، كما لم يستبعد أن تستكمل عملية الطرد في المستقبل.
ولقراءة قسم من الحوار على الإنترنت يمكن العودة إلى موقع مستقبليات.
http://www.mostakbaliat.com/ami.html#موريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة