العناصر الأجنبية في المقاومة العراقية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

مقاومان عراقيان يحمل أحدهم مدفعا رشاشا والآخر قاذفة أر بي جي

سلمان الجميلي

تحاول قوات الاحتلال أن تنسب غالبية العمليات المسلحة التي تتم في العراق إلى المقاتلين الأجانب أو مقاتلي القاعدة الموجودين داخل الأراضي العراقية.

وأعتقد أن هذه الادعاءات مبالغ فيها إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المقاومة العراقية في الغالب هي من العناصر العراقية وليست الأجنبية، ولا تتجاوز نسبة المقاتلين الأجانب أكثر من 5%. وتؤكد هذه الحقيقة ما ورد في التقرير الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) بتاريخ 14/11/2003 وعلى لسان الحاكم الأميركي بول بريمر حين قال إن "95% من التهديد يأتي من الموالين للنظام السابق وهي تهديدات محلية وتكون رد فعل للنجاحات الأميركية في بناء الأمة". وإذا كان هذا التقرير صحيحا فيما يخص النسبة الخاصة بالمتطوعين الأجانب فإنه غير صحيح فيما يخص جانبه الآخر، حيث إن الاتجاهات الإسلامية الوطنية هي الغالبة في المقاومة العراقية وليست الموالية للنظام السابق.

وما يؤكد هذه الحقيقة أن غالبية الشهداء الذين سقطوا في أعمال المقاومة هم من العراقيين وكذلك آلاف المعتقلين في سجون الاحتلال والذين ليست لهم علاقة بالنظام السابق.

وهناك مجموعة من الأسباب تجعل إدارة الاحتلال تنسب هذه العمليات إلى المقاتلين الأجانب وهي:

  1. محاولة تصغير أو تهميش المقاومة العراقية وإظهار أن الشعب العراقي راض على حالة الاحتلال وأن الأعمال المسلحة ضد القوات الأميركية تصدر من عناصر خارجية.
  2. إثبات العلاقة بين الرئيس صدام حسين وتنظيم القاعدة أو المنظمات الإرهابية والتي كانت أحد الأسباب التي قادت إلى الحرب على العراق. وهذا الأمر يساهم في تعبئة وحشد الرأي العام الأميركي والدولي تجاه الحملة الأميركية على الإرهاب ويبرر لها أعمالها في العراق.
  3. تغطية الفشل الذي تواجهه قوات الاحتلال في العراق سواء من ناحية الإيفاء بالالتزامات التي قطعتها للشعب العراقي أومن ناحية المأزق الذي تواجهه بسبب تصاعد أعمال المقاومة ضدها. فمن المعلوم أن قوات الاحتلال أغرقت البلد في فوضى أمنية وسياسية وأسست واقعا جديدا للمجتمع العراقي قائما على أسس طائفية ومذهبية وقومية، فضلا عن فشل ذريع في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وأمور الحياة الأخرى، وبالتالي فإن تبرير هذا الفشل يتم عن طريق إلقاء اللوم على العناصر "الإرهابية" الأجنبية كما تسميها الإدارة الأميركية وعلى الدول التي تسهل عبور هذه العناصر.

عربة عسكرية أميركية
تحترق بنيران المقاومة

ومع كل ما تقدم فإن الواقع يشير إلى أن هذه النسبة القليلة من المقاتلين الأجانب كان لها نشاط جيد وواضح. ويتكلم بعض المواطنين في المناطق الساخنة بالمقاومة عن بطولاتهم. وفي الغالب فإن معظم هؤلاء يشتركون في عمليات ذات طابع استشهادي.

وينقسم المقاتلون الأجانب إلى مجموعتين: مجموعة المجاهدين الذين دخلوا العراق في الأيام الأولى للحرب وأثناءها، ومجموعة المقاتلين الذين دخلوا بعد احتلال العراق.

بالنسبة للمجموعة الأولى فإنها دخلت الأراضي العراقية مع بداية الحرب على العراق عبر الحدود العراقية السورية وبجوازات سفر أصلية، بناء على الدعوة التي وجهها الرئيس العراقي صدام حسين لكل من يرغب في الجهاد ضد الولايات المتحدة وقوى الكفر "كما يسميها".

ويتكون هؤلاء المجاهدون من خليط من مختلف الأقطار العربية ومن مختلف الأعمار ولا يوحدهم سوى حبهم للجهاد ونيل الشهادة والعداء للولايات المتحدة التي يرونها العدو الأول للإسلام والمسلمين. وقد دخل بضعة آلاف منهم إلى العراق وأقاموا في معسكرات غرب مدينة الرمادي، وخضعوا لتدريبات بسيطة وسريعة وتسلموا أسلحة خفيفة، ومن ثم التحقوا في بعض قواطع العمليات. وفي الغالب لم يحصلوا على أسلحة جيدة وإنما كانت أسلحة رديئة الاستعمال وأحيانا غير صالحة.

ولم يكن النظام السابق يعول كثيرا على هؤلاء المقاتلين من الناحية العسكرية، وإنما كان هدفه إعطاء بعد إسلامي وديني للمعركة مع القوات الغازية. ولكن مع تقدم هذه القوات وانهيار الجيش في كثير من الجبهات أخذ هؤلاء المقاتلون المبادرة في بعض القواطع معتمدين على ما حصلوا عليه من بقايا الأسلحة التي تركها الجيش العراقي وخاضوا معارك ومواجهات عديدة مع القوات الغازية. ولعل من أبرز المعارك التي خاضوها كانت في أم قصر وفي المطار ونفق الشرطة والأعظمية. ويذكر المواطنون والعسكريون العراقيون قصص وبطولات فائقة لهؤلاء المقاتلين، ففي كثير من الأحيان كانوا يقاتلون حتى الاستشهاد.

وقد تعرض الكثير منهم لمحنة كبيرة حين انهار النظام في المناطق الجنوبية حيث كان سكان هذه المناطق ينظرون إليهم على أنهم أعوان النظام السابق أو من الوهابية المعادين للشيعة، مما عرضهم للقتل أو تسليمهم إلى قوات الاحتلال.

وبالتالي فقد انسحب الكثير منهم إلى بغداد والمناطق الغربية، وقد نصحهم الأهالي بالعودة إلى بلادهم وأن أهل البلد سيتكفلون بمقاومة الاحتلال بعد انتهاء الصفحة الأولى منه، لكن الكثير منهم كانوا يرفضون العودة ويصرون على البقاء لمقاتلة الأميركان ونيل الشهادة. وقد ساهم المواطنون في بغداد ومحافظة الأنبار والموصل في تأمين نقل هؤلاء المقاتلين وإعادتهم إلى بلادهم عبر الحدود الغربية، رغم الظروف القاسية التي يمر بها البلد في تلك الأثناء بسبب قلة الوقود والحواجز التي نصبتها قوات الاحتلال على الطرقات، مما عرض الكثير منهم للتصفية قبل عودتهم إلى بلادهم.

ولابد من الإشارة هنا إلى بعض المعارك المميزة التي خاضها هؤلاء المجاهدون في بغداد يوم 10/4/2003 وأبرزها معركة نفق الشرطة ومعركة الأعظمية. ففي معركة نفق الشرطة يروي المواطنون أنه كان يوجد 25 مجاهدا عربيا خاضوا معركة شرسة مع رتل عسكري أميركي مكون من 8 مدرعات. وقد سميت هذه المعركة لدى الأهالي "بالمعركة الأخيرة" حيث استشهد فيها 13 مجاهدا قام المواطنون بدفنهم في جامع برهان الدين. أما الآخرون فمنهم من وقع في الأسر ومنهم من عاد إلى وطنه بعد المعركة. وكذلك يروي أبناء الأعظمية الواقعة الشهيرة التي استمرت تسع ساعات حيث خاض فيها مجموعة من المجاهدين العرب إلى جانب أبناء المدينة معركة ضارية أحرقوا فيها عددا من آليات القوات الغازية. واستشهد عدد من المجاهدين ودفنوا في مقبرة الإمام الأعظم.

ويذكر المواطنون أن من بين المجاهدين الأجانب شبابا وفتيانا لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة، ومنهم من جاء إلى العراق دون أن يخبر أهله. وقد ارتبطت ذكرى هؤلاء المجاهدين في وجدان الكثير من أبناء المحافظات السنية العربية، وتركت أثرا طيبا وحافزا للمقاومة في الأيام اللاحقة.

أما بالنسبة للمجموعة الثانية من المقاتلين الأجانب فهي المجاهدون، أو كما تطلق عليهم قوات الاحتلال اسم الإرهابيين الأجانب أو مقاتلي القاعدة الذين دخلوا بعد احتلال العراق. وهم خليط من مقاتلين عرب وأجانب يجمعهم هدف مشترك هو البحث عن أرض للجهاد. وقد وجدوا في العراق أفضل ساحة لمجابهة الكفار حسب وجهة نظرهم.

أحد أفراد المقاومة في العراق
ولا نستطيع أن نؤكد أن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى تنظيم القاعدة أو أنهم مقاتلون لا علاقة لهم بتنظيمات معينة. وهناك دلائل ومؤشرات عديدة تثبت وجود هؤلاء المقاتلين وقيامهم بعمليات مقاومة ضد الاحتلال الأجنبي. ولعل من أبرز هذه المؤشرات:

1- استشهاد العديد من هؤلاء المقاتلين في بعض عمليات المقاومة مع قوات الاحتلال وبالاشتراك مع مقاتلين عراقيين. ويتحدث أبناء الفلوجة عن اثنين من هؤلاء استشهدا في مواجهة مع دورية أميركية قرب جسر الفلوجة يوم 10/5/2003 وقام الأهالي بدفنهما في مقبرة المعاضيدي بالفلوجة. وقد وجدت قصيدة في جيب أحد هؤلاء الشهداء تؤكد حقيقة الدوافع الدينية التي تحركهم لقتال المحتلين، وأقتطع منها هذه الأبيات:

أمشي على جمر المخاطر حافيا وتثور أشواقي فأكتم ما بيا
من أجل ديني قد هجرت دياريا وتركت أهلي في البلاد بواكيا
حب الجهاد سرى في كل جوانحي أرخصت في درب الجهاد دمائيا

2 - انفتاح الحدود العراقية وانهيار النظام الأمني عقب احتلال العراق وفر فرصة مناسبة للعديد من هؤلاء لدخول البلاد، فضلا عن أن العديد من دول الجوار لها مصلحة مباشرة في مشاغلة الأميركان داخل العراق وجعلهم يغرقون في عمليات المقاومة المسلحة اليومية وحرب الاستنزاف التي تجعلهم لا يفكرون بالإقدام على محاولة غزو أخرى. وقد حققت هذه الإستراتيجية بعض أهدافها، حيث يعترف الكثير من المسؤولين الأميركيين بحقيقة المصاعب التي يتعرضون لها بسبب هذه العمليات.

3- اعتراف بعض مصادر قوات الاحتلال الرسمية والإعلامية بدخول أعداد من المقاتلين الأجانب إلى العراق. ففي تقرير موجز لسلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) بتاريخ 14/11/2003 يعترف بريمر بأن معظم "الإرهابيين" (المقاتلين الأجانب) يأتون عبر الحدود السورية وبعضهم عبر الحدود السعودية وعدد قليل من إيران، وهم خليط من السوريين والسعوديين واليمنيين والسودانيين وآخرين.

وقد ذكرت وكالة رويترز للأنباء استنادا إلى تصريح مصدر مسؤول في الجيش الأميركي أن قوات الاحتلال اعتقلت 307 من المقاتلين الأجانب بينهم 140 سوريا و70 إيرانيا وكذلك مقاتلين من اليمن والسعودية والضفة الغربية. كما صرح المسؤول الأمني في محافظة السليمانية الحدودية مع إيران بأن القاعدة وجند الإسلام نجحوا في الأشهر الستة الماضية من إدخال 200-250 عنصرا من مقاتليهم. وبالإضافة إلى هذه المعلومات فإن الشرطة العراقية ذكرت أنها ألقت القبض على العديد من العناصر الأجنبية وهي تحاول القيام بأعمال مسلحة.

ولا يوجد مصدر محايد يؤكد أو ينفي هذه المعلومات. وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه المعلومات الصادرة عن سلطة الاحتلال أو السلطات المحلية فيها شيء من المبالغة لا يمكن اعتمادها كمصدر موثوق.

4- يرجح البعض أن عددا من عناصر تنظيم القاعدة جاؤوا إلى العراق استنادا إلى أن هذا التنظيم يعادي الولايات المتحدة ويستهدف مصالحها أينما كانت، كما يستند البعض إلى الدعوة التي وجهها أسامة بن لادن إلى مقاتلي القاعدة والمسلمين للتوجه إلى العراق لمحاربة الكفار. ويستند بعض آخر إلى الرسالة الموجهة من الزرقاوي إلى بن لادن والتي ادعت سلطات الاحتلال أنها وجدتها مع شخص ألقي القبض عليه قبل إيصال الرسالة.

وأعتقد كما يعتقد الكثيرين أن هذه الرواية مفبركة ولا أساس لها من الصحة، وأن القصة برمتها اختلقتها سلطات الاحتلال لتبرير فشلها في ضبط الأمن ولأجل إشاعة فتنة طائفية بين أبناء الشعب العراقي.

ويرى الكثير من المحللين أن الساحة العراقية لا تسمح بتواجد عناصر القاعدة أو عناصر خارجية بشكل كبير، وذلك نظرا لطبيعة الأرض العراقية التي لا توفر ملاذا آمنا أو مخابئ لهؤلاء المقاتلين. كما أن وجودهم بين المدن يجعلهم مكشوفين وعرضة لقوات الاحتلال. وفضلا عن هذا فإن طبيعة المذهب السني في العراق تميل إلى الاعتدال وعدم القبول بالأفكار المتطرفة أو التكفيرية، وبالتالي فلا تجد هذه الأفكار من يحتضنها داخل الأراضي العراقية.

ومن كل ما تقدم نجد أن الكلام حول جماعات المقاتلين الأجانب فيه كثير من المبالغة، وأن القوة الحقيقية للمقاومة العراقية والفعل الأكثر تأثيرا يأتي من المواطنين العراقيين. وإذا كان هناك بعض المقاتلين العرب ضمن المقاومة العراقية فإنهم يمتلكون مبررات شرعية -حسب وجهة نظرهم- بحكم أن المسلم ينظر إلى أي جزء محتل من العالم الإسلامي على أنه أرضه، وبالتالي فإن الواجب الديني يدفعه إلى مجاهدة هذا المحتل ومقاتلته أينما وجد على الأرض الإسلامية.
_______________
مركز الدراسات الدولية جامعة بغداد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة