كلمة الرئيس حسني مبارك   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:56 (مكة المكرمة)، 10:56 (غرينتش)
الرئيس حسني مبارك

صاحب الجلالة الملك عبد الله الثانى عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية، السيدات والسادة:

يسعدني أن أتحدث إليكم اليوم فى افتتاح القمة العربية
الدورية الأولى فى عمان التى تنعقد بدعوة كريمة من جلالة الملك عبدالله الثانى فى بداية مرحلة جديدة من العمل العربى المشترك الذى يسعى إلى دعم مسيرتنا فى إطار من التضامن والتضافر والاستجابة الفعالة للتحديات الجسام التى تواجه أمتنا المجيدة وتلبية آمال شعوبنا العريقة، إن اجتماعنا اليوم يشكل علامة بارزة فى تاريخ العمل العربى بعد البداية الطيبة التى حققناها فى مؤتمر القمة غير العادى الذى عقد بالقاهرة فى أكتوبر (تشرين الأول) الماضى واتفقنا فيه على عقد مؤتمرات القمة العربية بصفة دورية منتظمة سنويا حرصا من القادة العرب على مواكبة التطورات أولا بأول ومواصلة التحرك الفعال لمواجهة التحديات المتجددة التى تعترض طريقنا وتسوية الخلافات وتوثيق عرى التضامن بين جميع الأقطار والشعوب العربية وتفعيل العمل العربى المشترك فى إطار هذه المؤسسة العريقة التى أقمناها فى منتصف القرن الماضى وسنظل حريصين على إعلاء شأنها وتطوير دورها بصفة مستمرة بأسلوب يتجاوز عثرات الماضى ويمهد الطريق إلى غد أفضل وقد جاء مؤتمر القمة العربى غير العادى بالقاهرة فى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تجسيدا حيا لنبض الشارع العربى وتعبيرا عن رفض كل الشعوب العربية والإسلامية للاعتداء على مقدساتها وتأكيدا لوقوف الأمة العربية إلى جانب الشعب الفلسطينى فى تصديه للأعمال الإسرائيلية العدوانية والاستفزازية والانتهاك المستمر لحقوقه ومكنتنا روح التضامن العربى من التوصل إلى صيغ عملية لتقديم الدعم للشعب الفلسطينى الصامد والحفاظ على مقدسات الأمة فى القدس الشريف والاتفاق على الخطوات المطلوبة لدعم الاقتصاد الفلسطينى فى وجه سياسات إسرائيل فى الحصار والعزل والتى أصبح من المتعذر معها استمرار وفاء السلطة الفلسطينية بالتزاماتها تجاه الشعب الفلسطينى الشقيق وقد أصبح واضحا أن الاستمرار فى الوفاء بالحد الأدنى من التزامات السلطة الفلسطينية لن يكون ممكنا دون إطار من الدعم يقوم على الاستخدام الأمثل لصندوق الأقصى للتعامل مع متطلبات المرحلة الراهنة، ولذا أجرينا الاتصالات اللازمة مع أشقائنا لإيجاد آليات جديدة مرنة تضمن وصول دعم الصندوقين إلى الشعب الفلسطيني دون إبطاء وفى هذا الإطار فقد أثبتت اللجنة الوزارية التى شكلناها لمتابعة تنفيذ
نتائج ومقررات القمة والتى سيعرض عليكم تقرير مفصل عن أعمالها وتوصياتها جدارتها كآلية فعالة جديدة من آليات العمل العربى وعكست نتائج أعمالها التزاما عربيا جازما بالتحرك لمواجهة التحديات، كما برهنت على حرصنا جميعا
على التنسيق المتصاعد والمتنامى فى مثل هذه الأمور وغيرها.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
إن جامعة الدول العربية تحتل مكانا مميزا فى قلب كل عربي، باعتبارها بيت العرب ورمز عزتهم وفخارهم والمؤسسة التى تحقق لهم القدر الضرورى من الوحدة  والتضامن، وأثق أنكم تشاطروننى الرأى فى أن انعقاد هذه القمة العربية الدورية
الأولى يشكل بداية مرحلة جديدة ترقى بالعمل العربى المشترك إلى آفاق جديدة تتسم بالعمق والفاعلية وتتطلب تنشيط وتطوير دور الجامعة فى دعم التنسيق بين دول الوطن العربى وفى تعزيز العلاقات بين أمتنا والعالم الخارجى وتعزيز قدرتها على تنفيذ ما سنتخذه من قرارات ومقررات فى مواجهة التحديدات الدولية والإقليمية المتزايدة.

وإذا كانت الظروف التى أحاطت بنشأة الجامعة العربية فى الأربعينيات قد صاغت وضع الجامعة فكريا وقانونيا وسياسيا كمؤسسة إقليمية تقوم على حق كل من أعضائها فى عدم الالتزام بما لا يوافق عليه من قرارات فإن الواقع المعاصر للسياسة العربية وتطلعات شعوبها فى مطلع ألفية جديدة أصبح يستلزم أن تقوم الجامعة بدور أقوى وأكثر فعالية من الدور الذى قامت به حتى الآن مع ما قد يتطلبه ذلك من تجديد وتطوير للنظم والقيود التى وضعت لها في مرحلة التكوين الأولى ومع تقديرنا للجهود الصادقة والمخلصة التى بذلها الآباء المؤسسون والمسؤولون العرب الذين تحملوا عبء العمل العربى لعقود طويلة فإننى على ثقة من أنكم توافقوننى الرأي فى أن الوقت قد حان لكى تضطلع الجامعة العربية بدور أنشط للنهوض بالمسؤوليات المتزايدة التى ستلقى على عاتقها فى المرحلة القادمة ولتفعيل دور الأمانة العامة بحيث تصبح قادرة على الوفاء بتلك المسؤوليات على الوجه الأكمل، وقد أكدت مشاوراتنا حول ترشيح السيد/ عمرو موسى وزير خارجية جمهورية مصر العربية أمينا عاما لجامعة الدول العربية خلفا للسيد الدكتور عصمت عبد المجيد رغبة واضحة فى تطوير أداء الجامعة العربية وهياكلها وأمانتها العامة ولا يفوتنا فى هذا المقام أن نعرب عن تقديرنا للدور الإيجابى الهادف الذى قام به الدكتور عصمت عبد المجيد أثناء تحمله مسؤولية الأمانة العامة بإخلاص وتجرد فى مرحلة دقيقة من تاريخ الجامعة.

ايها الإخوة الأشقاء
فى ضوء التطورات الاقتصادية المتسارعة التى يشهدها العالم أصبح البعد الاقتصادى فى العمل العربى المشترك أكثر إلحاحا وضرورة، ولقد تقدمت مصر بطلب لإدراج ثلاثة بنود جديدة على جدول أعمال مؤتمرنا لتنشيط العمل الاقتصادى المشترك  الأول يتصل بتفعيل عمل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى باعتبارها الإطار الرئيسى لدعم وتنمية العلاقات العربية الاقتصادية البينية وإزالة العقبات التى تعترض التبادل التجارى العربي الحر كخطوة لإقامة كيان اقتصادى عربي يتواءم مع التوجهات الاقتصادية الدولية الحديثة ويتفاعل معه لصالح الشعوب العربية وتندرج تحت هذا البند أفكار ومقترحات عملية محددة لتحقيق الربط بين الدول العربية فى مختلف المجالات والقطاعات وفى مقدمتها المجالات المتصلة بالبنية الأساسية التى تعتبر حجر الزاوية فى أي تحرك للتقريب بين مصالح الشعوب العربية كالمشروعات المتصلة بالربط الكهربائى ومد شبكات النفط والغاز الطبيعى وشبكات المعلومات وتطوير خدمات ومرافق النقل البري والبحري والجوي  بما يحقق التواصل الجغرافي بين المشرق والمغرب إضافة إلى تطوير وتعميق التعاون فى المجال العلمي والبحثي وفى مجال التنمية البشرية التى أصبحت عصب التقدم والنهوض في الزمن المعاصر ويطرح البند الثاني اقتراح مصر الخاص بعقد مؤتمر اقتصادي عربي فى القاهرة فى نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 باسم  المؤتمر الاقتصادى العربى الأول بمشاركة كافة الأقطار العربية الشقيقة والمؤسسات الاقتصادية العربية والشركات العالمية الكبرى المهتمة بالمنطقة العربية والعاملة فيها وتهدف هذه المبادرة إلى مضاعفة قدرة الاقتصاديات العربية على الاستفادة من النظام الاقتصادي الدولي الجديد عن طريق تعريف مجتمع الأعمال العالمي بالفرص المتاحة للاستثمار والتبادل التجارى فى الدول العربية بغية إقامة مشروعات مشتركة واستثمارات طويلة الأجل فى الدول العربية ودفع الاتصالات بين القطاع الخاص العربي تطويرا لشبكة العلاقات البينية العربية، أما البند الثالث فيتناول إقامة تعاون عربي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لما لهذا المجال من أهمية وحيوية بالنسبة للتنمية الاقتصادية والصناعية وبأوجه المعرفة المختلفة وبالرفاهية الإنسانية فضلا عما له من أهمية إستراتيجية وانعكاسات على القدرات الدفاعية للدول، وكلي ثفة أن المناقشات المستفيضة التى أجراها وزراء التجارة والاقتصاد لهذه المقترحات ستسفر عن اعتماد القرارات والمقررات اللازمة لوضعها موضع التنفيذ.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
ليس بخاف عليكم أن النظام الإقليمي العربى الأشمل والدول العربية منفردة تواجه مجموعة كبيرة من التحديات، فالكيان العربى يعاني مصاعب غير مسبوقة ويشهد الأزمات الناجمة عن التحولات المعاصرة فى النظام الدولي وقد شهدنا فى السنوات الأخيرة التداعيات السياسية والأمنية والنفسية لحرب الخليج الثانية وآثارها على شعبي العراق والكويت ومنطقة الخليج، كما لمسنا مخاطر تقسيم السودان الشقيق واستمرار العقوبات المفروضة على ليبيا وتجدد التوتر فى منطقة المغرب العربي بسبب مشكلة الصحراء واستمرار قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران التى نأمل أن تجد طريقها إلى تسوية سلمية عادلة منصفة ومحاولات الصومال لتحقيق الوحدة الوطنية، وغير ذلك من المشكلات العربية المعاصرة، وقد أظهرت الاتصالات التى أجريناها معا فى الفترة الماضية أن الموضوع الأول الذى يستأثر باهتمامنا واهتمام شعوبنا هو ضرورة مضاعفة الجهود لجمع الشمل وتنقية الأجواء العربية وتعميق التعاون والتضامن بين دولنا الشقيقة بما يتناسب مع جسامة التحديات التى تواجهنا والتعقيد الناجم عن التحولات العميقة التى يشهدها العالم من حولنا، ونحن على اقتناع بأن الوقت قد حان لبدء تحرك نشط وفعال لتحقيق المصالحة العربية على أسس واضحة من المصارحة والمكاشفة تحول دون ظهور خلافات طاحنة داخل الأسرة العربية فى المستقبل وتضمن احتواء ما قد ينشأ بيننا من منازعات فى الحدود التي تحول دون انفجار الموقف بصورة تهدد أمننا القومى وتؤكد التزامنا جميعا باحترام  المبادئ والأحكام التي نص عليها ميثاق الجامعة العربية، وفى مقدمتها  التمسك بمبادئ احترام السيادة والاستقلال والسلام الإقليمى لدولنا وتعهد كل منا بعدم التدخل فى شؤون الآخرين وتسوية مشاكلنا بالطرق السلمية وفي هذا الإطار يسرنا أن نعرب عن ترحيبنا بقبول أشقائنا فى قطر والبحرين لصيغة تضمن تسوية نهائية للنزاع الحدودي الذي ظل قائما بينهما سنوات طويلة وكانت له انعكاساته السلبية على مناخ العلاقات بينهما، كما أننا نرحب بتوصل المملكة العربية السعودية وقطر إلى ترسيم الحدود بينهما، ولا شك أن مثل الخطوات تؤدي بالضرورة إلى تعزيز الروابط الأخوية الوثيقة بين تلك الأقطار الشقيقة التى نعتز بدورها داخل أسرتنا العربية الكبيرة.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
 لقد حملتمونى مسؤولية رئاسة القمة العربية منذ عام 1996 حتى اليوم وحققنا معا جانبا كبيرا من الأهداف التى سعينا إلى تحقيقها، وذلك بفضل مؤازرتكم ودعمكم المستمر لعملنا المشترك وروح التعاون الأخوي التى لمستها منكم واليوم تنتقل رئاسة القمة الى جلالة الملك عبدالله الثانى عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، ونحن على ثقة من أنه سوف يحمل راية المسيرة  العربية بكفاءة واقتدار فى مرحلة جديدة ملؤها التفاؤل والأمل في الارتقاء بأمتنا العربية لكى تظل كما أرادها الله -جل شأنه- خير أمة أخرجت للناس.

أشكر جلالة الملك عبدالله الثاني وشعبه الشقيق على الحفاوة التى قوبلنا بها، وأتمنى له التوفيق والسداد فى رئاسة القمة العربية، وفى قيادته للمملكة الأردنية الهاشمية إلى ما فيه الرفعة والازدهار.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
________
المصدر 
الموقع الرسمي لجامعة الدول العربية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة