وقف انتهاكات حقوق الإنسان المصري بداية طريق الإصلاح   
الاثنين 1426/4/15 هـ - الموافق 23/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 8:58 (مكة المكرمة)، 5:58 (غرينتش)

حافظ أبو سعدة

كلما سئل الرئيس المصري حسني مبارك عن السبب الذي يجعله يحكم البلاد طوال ما يربو على ربع قرن استنادا إلى قانون الطوارئ رد قائلا إن هذا الأمر مهم لفرض نوع من الاستقرار تحتاجه البلاد في مسيرتها التنموية، وإنه لا يطبق هذا القانون إلا في أضيق الحدود وعلى الإرهابيين فقط.
 
فهل بالفعل حقق هذا القانون الأمن والاستقرار المنشود؟ وهل اقتصر تطبيقه على من تصفهم الحكومة بالإرهابيين؟ ولماذا أصبحت المطالبة بإلغائه والعودة إلى الحالة الطبيعية التي يعيش في ظلها معظم بلدان العالم مطلبا رئيسيا لقوى المعارضة المصرية؟
 
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعده لديه تعليق.

حوار/ مي الزعبي

قيل إن قانون الطوارئ حمى مصر من الأعمال الإرهابية ولذا فهو مهم وضروري، ما تعليقكم على ذلك؟

"
استمرار العمل بقانون الطوارئ لا يردع من تصفهم الحكومة بالإرهابيين ولكنه أداة في يد وزارة الداخلية للاعتقال السياسي والذي وصل حاليا إلى أكثر من 20 ألف معتقل
"
في الحقيقة فإن القول بأن قانون الطوارئ حمى مصر من الإرهاب غير صحيح فالمتابع لأحداث العنف التي شهدتها مصر منذ بداية التسعينات يجد أنها كلها حدثت في ظل وجود قانون الطوارئ وكذلك الأحداث الأخيرة التي شهدتها القاهرة (السيدة عائشة–الأزهر– ميدان عبد المنعم رياض) كل هذه الحوادث تمت في ظل العمل بقانون الطوارئ.

والنتيجة التي نخلص منها أن استمرار العمل بقانون الطوارئ لا يشكل أي مانع للأحداث الإرهابية بينما يستمر استخدام قانون الطوارئ في التضييق على الحريات العامة بما يشكله من صلاحيات وأسعه لوزارة الداخلية لممارسة عمليات القبض والاعتقال للمواطنين بقرارات إدارية وبشكل عشوائي حتى بلغ إجمالي المعتقلين في مصر إلى ما يزيد على 20 ألف معتقل، ورغم هذا الرقم الكبير من المعتقلين فإن ما يمكن تسميته بإنتاج الإرهاب لا يزال قائما مما يدعونا إلى ضرورة البحث عن وسائل أخرى لمكافحة الإرهاب غير قانون الطوارئ.

وأعتقد أن الإصلاح السياسي والديمقراطي يعد الأسلوب الأمثل لمواجهة الإرهاب، وكذلك تحديث مصر وتحديث التعليم ونشر ثقافة حقوق الإنسان والانتقال إلى الدولة الديمقراطية...إلخ، فهذه السياسات هي التي تشكل سياجا هاما لمكافحة الإرهاب والعنف وغيرها من الظواهر التى تهدد استقرار المجتمع.

إلى أي مدى توافق على تفسير ما حدث في مصر مؤخرا من تفجيرات في ميدان عبد المنعم رياض والأزهر بأنه رد فعل لعمليات التعذيب التي تتم في أقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة المنتشرة في أنحاء الجمهورية؟

رغم شيوع التعذيب في أقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة كما تشير إلى ذلك تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية إلا أنه لا يمكن أن نربط بين عمليات العنف التي حدثت مؤخرا والتعذيب، فأعمال العنف التي تمت كانت موجهة بالأساس إلى الأجانب وهذا ما تشير إليه الأماكن التي تم اختيارها لتنفيذ هذه العمليات، فمنطقة الأزهر ومنطقة خان الخليلي معروفة بأنها أماكن يرتادها السياح الأجانب، وقد أصيب بالفعل في هذه العملية عدد منهم وكذلك عملية السيدة عائشة استهدفت حافلتين سياحيتين وعملية عبد المنعم رياض استهدفت حرم المتحف المصري.

فهذه العمليات لم تكن موجهة لضباط شرطة أو مقرات لجهاز الأمن حتى يمكن الربط بينها وبين التعذيب الذي تعرض له أقارب المتهمين، ولكن هذه العمليات تكشف عن توجه الجماعات الدينية في عدائها للأجانب وكراهيتها للغرب، ولهذا أسبابا كثيرة منها ما هو ديني ومنها ما يتعلق بالدعاية في الصحف والفضائيات حول استهداف الغرب للإسلام والمسلمين.

ولعل هذا يدعونا إلى ضرورة تغيير هذه النظرة التي تدخلنا في حالة عداء مع الأجانب والمجتمع الدولي وهذا أمر يتعلق بتغيير في التوجهات الإعلامية والتعليمية.

هل معنى كلامك أنه لا تمارس في مصر عمليات تعذيب وأن ما تقوله تقارير منظمات حقوق الإنسان والمعارضة بأن هذا التعذيب هو سياسة عليا للدولة محض افتراء؟ 

"
التعذيب في مصر يتم بصورة منهجية وهو سياسة عامة للدولة تنفذها وزارة الداخلية وقد توفي في العام الماضي فقط جراء هذه السياسة تسعة أشخاص
"
في الحقيقة إن التعذيب يتم في مصر بصورة منهجية منظمة وهذا ما أكدته ليس فقط تقارير منظمات حقوق الإنسان وإنما أيضا توصيات لجنة مناهضة التعذيب الصادرة عن الأمم المتحدة، كما أشار التقرير السنوي للمجلس القومي لحقوق الإنسان الصادر هذا العام إلى استمرار التعذيب في أقسام الشرطة ونوه إلي وفاة تسعه أشخاص تحت التعذيب في العام الماضي فقط، والملاحظ أن التعذيب لا يوجه فقط إلى المواطنين المصريين الناشطين سياسيا وإنما أصبحت النسبة التالية من ضحايا التعذيب من المواطنين المصرين العاديين.

وفي اعتقادنا أن ما يزيد من انتشار التعذيب هو إفلات الضباط والجنود المتهمين بجرائم التعذيب من العقاب، صحيح أنه بدأ في الآونة الأخيرة إحالة بعض الضباط للمحاكمة إلا أنه في الأغلب الأعم هناك العديد من جرائم التعذيب لا يتم إحالة مرتكبيها للقضاء، كما أن أحد أسباب انتشار التعذيب هو تصور القانون المصري في تعريف جريمة التعذيب وعدم تطابقه مع اتفاقية مناهضة التعذيب، الأمر الذي دعا المنظمة المصرية لحقوق الانسان لتقديم مشروع قانون إلى مجلس الشعب لتعديل المادة 126 قانون العقوبات وكذلك مواد قانون الإجراءات الجنائية التى تسمح لضحايا التعذيب برفع الدعوى المباشرة ضد مرتكبي جرائم التعذيب.

والسؤال الأخير الذي يجب أن نطرحه هنا إذا كان التعذيب سلوكا فرديا فمن يشتري أدوات التعذيب الموجودة في الأقسام؟ من أدوات حديثه كهربائية للصعق الكهربائي وأدوات التعليق وغيرها من الأدوات التى تثبتها تقارير الطب الشرعي.

ينص الدستور المصري على عدم قيام أحزاب على أساس ديني في الوقت الذي يطالب فيه ناشطون في مجال حقوق الإنسان بحرية تشكيل الأحزاب ولا سيما للقوى ذات الشعبية في الشارع المصري مثل الإخوان المسلمين، ألا ترى أن ذلك مناقضا للدستور؟

"
ليس من المفيد أن تظل حركة سياسية سلمية موجودة على الساحة في مصر وفاعلة وممثلة في البرلمان والنقابات المهنية مثل الإخوان المسلمين غير معترف بها

"

عندما ينص الدستور على عدم قيام أحزاب على أساس دينى هذا يتفق مع المواثيق  الدولية التي تمنع التمييز على أساس العرق والدين والصفة والجنس الخ... فقيام حزب على أساس ديني معناها أنه يعمل فقط لصالح أصحاب هذا الدين بينما أساس عمل الأحزاب السياسية هو أنها تقوم على فكرة المواطنة لا سيما وأن هدف الأحزاب هو الوصول إلى السلطة، فلا يجب أن تأتي حكومة تعمل لصالح فئة محدودة في المجتمع لأن ذلك سوف يؤدي الى انقسام حاد داخل المجتمع.

لكن هذا لا يتناقض مع حق أي قوى سياسية بما في ذلك (الإخوان المسلمون) في تأسيس حزب بشرط أن يكون حزبا لكل المصريين مسلمين وأقباط من كل الطبقات الاجتماعية والعرقية فإذا وافقوا على هذا الشرط، يحق لهم تأسيس حزب سياسي وفقا لقواعد النظام العام التي يحددها الدستور وعلى رأسها عدم التمييز بين المصريين على أساس الدين.

ولا اعتقد أنه من المفيد أن تظل حركة سياسية سلمية موجودة على الساحة في مصر وفاعلة وممثلة في البرلمان والنقابات المهنية ولا يتم الاعتراف بها، بل من الأجدى منحهم الشرعية القانونية والعمل على إدماجهم في الحياة السياسية كحركة سياسية وليس كجماعه دينية.


يفتخر النظام المصري بأنه لم يغلق صحيفة ولم يكسر قلما في حين أن تقارير منظمات حقوق الإنسان تقول عكس ذلك، ما تعليقكم؟

"
إذا كان التعذيب سلوكا فرديا كما يزعم النظام فمن يشتري أدوات التعذيب الموجودة في الأقسام من أدوات للصعق الكهربائي وأدوات التعليق وغيرها من الأدوات التى تثبتها تقارير الطب الشرعي؟

"
في الحقيقة شهدت مصر على مدار سنوات إغلاق عدة صحف مصرية ويمكن الإشارة إلى جريدة صوت العرب التى تم إغلاقها في بداية التسعينيات، وكذلك صحيفة الشعب صوت حزب العمل المعارض والتي حصلت على أحكام من محكمة القضاء الإداري بحقها في الوجود، إلا أنه لم يتم تنفيذ هذه الأحكام، وهناك صحف صدرت ثم تم حجبها بموجب أحكام منها صوت الأمة وجريدة الدستور.

هذا من ناحية مصادرة الصحف، بينما يعاني الصحفيون والكتاب المصريون من العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، فقد صدرت أحكام بالحبس في العديد من قضايا الرأي على صحفيين مصريين مثل (مجدي أحمد حسين) جريدة الشعب، (محمود ناصف) جريدة الأسبوع، (مصطفي بكري وأخوه محمود بكري) والصحفي (جمال فهمى)، والصحفيين الثلاثة الذين تم حبسهم مؤخرا من صحيفة صوت الأمة.

فبموجب قانون العقوبات أصبح السجن سيف مسلط على رقاب الصحفيين وهناك أكثر من 30 مادة في قانون العقوبات تعاقب الصحفى أو الكاتب بجرائم نشر، وهي تستخدم عبارات فضفاضة مثل الإخلال بالسلم الاجتماعي وتهديد الأمن العام وغيرها من العبارات غير المحدودة، ويمكن الرجوع لمزيد من التفاصيل حول عقوبات الصحفيين لتقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لا سيما في الفصول المتعلقة بحرية الرأي والتعبير في مصر والتي تشير إلى تزايد إحالة الصحفيين إلى القضاء بموجب قانون العقوبات.

يبرر النظام المصري منع التظاهر في الشوارع بالخشية من الفوضى والأذى الذي يمكن أن يلحق بالمؤسسات العامة للدولة، ما تعليقكم على ذلك؟

الحق في التظاهر أحد الحقوق الأساسية للمواطنين وهو أحد أدوات التعبير عن الرأي وما شهدته مصر في الآونة الأخيرة يشير إلى التزام كافة الحركات السياسية بالحق بالتظاهر السلمي فلم تشهد أي تدمير للممتلكات العامة ولم يحدث اشتباكات من المتظاهرين مع قوات الأمن، علما بأن هذه التظاهرات تمت في وسط القاهرة وفي أماكن مزدحمة وبها محلات تجارية فلم تشهد فوضى ولا أذى، وهذه حجة لمنع المواطنين من التظاهر وإعلان مواقفها أو آرائها لا سيما وأن التظاهرات الأخيرة خرجت من أجل المطالبة بالإصلاح السياسي والدستوري وهذا هو السبب في استخدام هذه الحجة.

يجب تعزيز حرية الرأي والتعبير والحق في التظاهر لكي تتعزز المشاركة السياسية وإيقاظ المواطنين من سلبيتهم وتقوية الحركات السياسية، فإن هذا في مصلحة الدولة المصرية والاستجابه لمطالب الإصلاح هو الطريق الصحيح وليس قمع المظاهرات ومنعها بالقوة.


_______________
الجزيرة نت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة