البنية الدينية للنظام الإيراني والعلاقة مع العرب   
الأربعاء 27/1/1428 هـ - الموافق 14/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)

شفيق شقير

دروس الحوزة في مدينة قم

ينظر العرب في العادة إلى النظام الإيراني أحيانا على أنه نظام ديني وأحيانا أخرى على أنه نظام مذهبي وطائفي، وذلك وفقا للحظة السياسية أو للنهج السياسي ومقتضاه.

يبن الدين والطائفية
ولا يزعج المسؤولين الإيرانيين كثيراً أن يُتهموا بالتدين، فالإسلام بحسب رأيهم ليس مجرد نظرية وإنما هو طريقة حياة لدى معظم الشعب الإيراني قبل الثورة وبعدها (كانت الثورة في فبراير/شباط 1979).

غير أن الاتهام بالطائفية صفة لا يرغب أي منظر للثورة الإسلامية الإيرانية أن توصم بها ثورته أو بلاده. وتصر إيران في أدائها الثقافي قبل السياسي في علاقاتها الخارجية أن تؤكد على الوحدة بين المسلمين، بل إن الفقرات التي تتحدث عن عباءة النظام الإيراني الشيعية وردت في سياق التأكيد على الوحدة بين المسلمين كأمة واحدة. تقول المادة الثانية عشرة من الدستور الإيراني "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد". ويلاحظ التوافق ما بين المادة الدستورية وهوية المذهب الدينية أي الرقم (اثنا عشر).

وسبق هذه المادة، المادة الحادية عشرة التي اعتبرت أن المسلمين أمة واحدة وأن على إيران أن تقيم "سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها". والجدير بالذكر أن إيران هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي يتبنى دستورها مذهباً رسمياً وليس الدين فقط.

ولاية الفقيه والدستور
والجمهورية في إيران تمتلك خاصية أخرى لا تتعلق بالمذهب فقط، بل بمشربها الديني الذي تتميز به عن بقية الشيعة في العالم، وذلك بتبنيها نظرية "ولاية الفقيه في الحكم"، التي أرسى دعائمها روح الله الموسوي الخميني مفجر الثورة.

وقام على هذه النظرية الدستور الإيراني الذي ينص على أن المرشد أو القائد هو أعلى سلطة في إيران، وله السيادة السياسية والدينية. ونصت المادة (5) من الدستور على أن ولاية الأمة في ظل استتار الإمام تؤول إلى أعدل وأعلم وأتقى رجل في الأمة، ليدير شؤون البلاد وفق ما جاء في المادة (107) من الدستور. كما نصت المادة نفسها على تساوي المرشد مع عامة الشعب أمام القانون.

وما زالت "ولاية الفقيه" قائمة حتى الآن وتعرضت لعدة اختبارات أبرزها ما كان بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، حيث انشطرت الطبقة السياسية الإيرانية إلى نهجين عرفا بالإصلاحي والمحافظ.

والتياران كلاهما يصر على تمسكه بنظام ولاية الفقيه، إلا أنهما يختلفان بشأن حدود سلطة الفقيه ومدى خضوعها للقانون، فالتيار الإصلاحي طالب بتعديل الدستور بما يتيح لرئاسة الجمهورية وغيرها من الأجهزة صلاحيات أوسع تساهم في الحد من نفوذ الولي الفقيه المتعاظم، والذي يرون أنه من الناحية العملية يخضع لنصوص الإسلام كما يفسرها هو أي الولي الفقيه، أكثر من خضوعه لمواد الدستور المنبثقة عن الإسلام.

البعد الديني وأثره على العلاقة مع العرب

"
الولي الفقيه له وظيفتان أساسيتان: هو مرشد للجمهورية الإسلامية في إيران، وهو مرشد للثورة الإسلامية المتمثلة بالأئمة الاثني عشر، باعتبار أن الولي الفقيه هو وريث الأئمة فقها وتجب طاعته فيما يجب على الناس أن يطيعوا به أئمة الشيعة الاثني عشر

"

مع انتصار الثورة في إيران ظهرت فكرة تصديرها إلى الخارج، ونشطت طهران في التبشير بقيم الثورة من خلال المستشاريات الثقافية التي هي جزء من جهازها الدبلوماسي، وكانت تلقى تعاونا من بعض الدول العربية في هذا الشأن، بينما كانت تلقى خلاف ذلك من بعضها الآخر.

ويلاحظ أن وجه طهران الإسلامي هو ما تشيد به الدول العربية ذات العلاقة الحسنة مع طهران، وتركز في العادة على ما يجمع الطرفين في مواجهة الغرب وإسرائيل.

بينما ذات العلاقة المتوترة معها تحذر من الوجه "الطائفي" لإيران، خاصة المتمثل بولاية الفقيه باعتبار "أنها منتج تفكير قومي فارسي أكثر مما هي منتج نص شيعي إثني عشري". 

ولاية الفقيه والحدود الوطنية
وبغض النظر عن التوظيف السياسي لوجه إيران "الإسلامي" أو "الطائفي" فإن تأثيرات ولاية الفقيه تتجاوز الحدود الوطنية لإيران، وتتجاوز كل التضاريس الجغرافية والسياسية لأن الولي الفقيه له وظيفتان أساسيتان:

  1. هو مرشد للجمهورية الإسلامية في إيران
  2. وهو مرشد للثورة الإسلامية المتمثلة بالأئمة الاثني عشر، باعتبار أن الولي الفقيه هو وريث الأئمة فقها وتجب طاعته فيما يجب على الناس أن يطيعوا به أئمة الشيعة الاثني عشر*.

وهذا التفسير من الناحية النظرية يعطي للولي الفقيه الإيراني ولاية خاصة تتجاوز الحدود الوطنية لصلاحياته، فهو له الولاية السياسية المباشرة على الشيعي في العراق ولبنان وأوروبا وأميركا وأينما وجد، وطاعته مقدمة على طاعة النظام الذي يعيش في ظله، وقراراته وتوجيهاته مقدمة على ما سواها.

ولكن من الناحية العملية يؤكد الإيرانيون والمؤمنون بولاية الفقيه، احترامهم للحدود الوطنية التي يعيش فيها الشيعة، ومراعاتهم لمصالح الشيعة في أماكن تواجدهم، والدليل أن المرشد لم يدع يوما لخروج الشيعة على أنظمتهم أو انتهاك قوانين بلادهم، بل ما يدعو إليه هو العكس من ذلك تماما.

ومن المهم الإشارة إلى أن ولاية الفقيه ما زالت تتعرض حتى من المؤمنين بها -في داخل إيران وخارجها- للنقد والتصويب، وهي لم تتبلور بشكل كامل حتى في شقها الداخلي.

فبرغم أن الدستور حدد علاقة الدولة مع المرشد، فإن هناك مساحة تتعلق بحدود صلاحيات الولي الفقيه وتعارضها مع سلطة الأجهزة الأخرى، مثل رئاسة الجمهورية والوزارات والقضاء ومصلحة تشخيص النظام وغيرها، ولا تزال موضع أخذ ورد بين التيارات الإيرانية المختلفة.

وإذا كان هذا الأمر واردا في الشق الداخلي فإن ما يتعلق بشق علاقة الولي الفقيه مع الخارج، أدعى لأن يكون موضع جدل دائم إلى حين استقرار النظرية على صورة ما، وإلى ذلك الحين فإن هذه المساحة المفتوحة على الاجتهاد ستبقى موضع مناورة سياسية تستعمل بحسب الظروف السياسية سواء من إيران أم من خصومها.
_______________
الجزيرة نت

*على سبيل المثال يقول مرشد الثورة علي خامنئي في إجابة له على استفتاء "طبقاً للفقه الشيعي يجب على كل المسلمين إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين والتسليم لأمره ونهيه حتى على سائر الفقهاء العظام فكيف بمقلِّديهم؟ ولا نرى الالتزام بولاية الفقيه قابلاً للفصل عن الالتزام بالإسلام وبولاية الأئمة المعصومين".
انظر موقع السيد علي خامنئي، أجوبة الاستفتاءات، كتاب التقليد، باب ولاية الفقيه وحكم الحاكم.
http://www.leader.ir/langs/AR/index.php

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة