مستقبل الحياة البرلمانية الأردنية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

بقلم/ داود سليمان

أصبحت دمقرطة المجتمعات العربية من أهم الظواهر السياسية التي اجتاحت تلك المجتمعات. ولئن بدأت بعض الدول العربية في الاتجاه نحو الديمقراطية وتطوير نظم الحكم فيها بناء على المتغيرات الجديدة التي طرأت على المنطقة العربية، فإن الأردن كان من الدول العربية القليلة التي أصغت إلى لحظة التغيير الواجب اتباعها قبل غيرها.

وإذا كان التوجه نحو الديمقراطية في الأردن بدا بعد تفجر غضب الشارع الأردني وثورته على سوء الأوضاع الداخلية، وكان إعطاء الشارع الثائر حق المشاركة في الحياة السياسية متنفسا لتخفيف حالة الاحتقان، فقد أصبحت الحياة البرلمانية بعد ذلك تخضع لظروف وشروط الخارج الذي يؤثر في رسم السياسة الأردنية داخليا وخارجيا أكثر مما تخضع لمطالب وتوجهات الشارع الأردني.

الحكومة الأردنية.. والديمقراطية
أعضاء نقابة المحامين الأردنية يحتجون على اعتقال عدد من مناهضي التطبيع مع إسرائيل
تأتي الانتخابات الأردنية الحالية لتكون أول انتخابات في عهد الملك عبد الله الثاني، إلا أن تأجيلها لمدة عامين طرح العديد من الأسئلة حول طبيعة التوجه نحو الديمقراطية ومدى مشاركة الشارع الأردني وممثليه في رسم السياسة الأردنية على المستويين الداخلي والخارجي.

وقد كان للتوترات والأحداث التي شهدتها المنطقة -ومازالت- الأثر الأكبر في طريقة تعامل مؤسسة الحكم الأردني مع الانتخابات التشريعية وطبيعة مستقبل الحياة البرلمانية في البلاد.

ومع إدراك الأردن أن وضعه الجغرافي جعله عرضة للتأثر بشكل كبير بالتوجهات الدولية في المنطقة وأن آثار ذلك التأثر ستمتد لتؤثر على الوضع الداخلي الأردني، فقد عمدت الحكومة إلى محاولة الموازنة بين ضرورات الموقع الجغرافي ومتطلبات الشارع. وبدأت الحكومة تدرك أن تلك الديمقراطية يجب أن تكون مؤطرة ولا تشكل إزعاجا للتوجهات الرسمية.

ومن خلال رصد ما قامت به الحكومة الأردنية من إجراءات مختلفة وما صدر عنها من مواقف خصوصا لجهة تأجيل الانتخابات، يمكن استشراف مستقبل الحياة النيابية في الأردن.

فقد أقدمت الحكومة الأردنية على سن العديد من القوانين التي من شأنها التأثير على تواجد القوى السياسية في البرلمان والتقليل من فاعليتها فيه مع إظهار المظهر الديمقراطي في الحياة السياسية الأردنية، خاصة بعد تركيز أميركا على وجوب دمقرطة مجتمعات المنطقة. كما حرصت الحكومة على تسويق نفسها باعتبارها ديمقراطية صاعدة وأنها قد تكون نموذجا يحتذى في المنطقة.

لذا فقد عمدت في غياب مجلس النواب إلى إصدار كم هائل من القوانين المؤقتة سبق لمجلس النواب أن رفض بعضها، وهي قوانين من شأنها أن تحد من تأثير قوى المعارضة في الشارع الأردني، فمن خلال هذه القوانين جرت أوسع حملة تراجع في الحريات العامة والتضييق على الممارسة الديمقراطية، حسب العديد من المراقبين للساحة الأردنية.

ولم تكن النقابات المهنية الأردنية وما يشكله التواجد الكبير للقوى السياسية فيها بمعزل عن التحركات الحكومية، إذ نشب توتر حاد بين الحكومة والنقابات المهنية بسبب الدور النشط الذي لعبته النقابات في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة ما يتعلق منه بقضية التطبيع مع إسرائيل، فأقدمت على اعتقال أعضاء لجنة مناهضة التطبيع بعد أن هاجمها رئيس الوزراء علي أبو الراغب واتهمها بأنها تجعل نفسها محاكم للتفتيش ومراكز لإصدار صكوك الغفران لمن يتراجع من الأردنيين عن التعامل مع إسرائيل. كما أقدمت الحكومة على حل نقابة المهندسين بسبب موقفها السياسي. وبات الحديث عن دور النقابات المهنية والمزاوجة بين عملها المهني وموقفها السياسي مدار بحث بين الحكومة والنقابات.


الإدارة الأميركية ترى في الأردن نموذجا للمنطقة وأنه يسير نحو الإصلاح الديمقراطي، مما يجنبه الوقوع تحت الضغوط الأميركية بعد دعوة كولن باول الدول العربية إلى تبني الخيار الديمقراطي

عوامل الخارج وأثرها على الداخل
لم يخف المسؤولون والمعارضون الأردنيون أن تأجيل الانتخابات البرلمانية خضع للأوضاع السياسية الجارية بالمنطقة وأن من شأن إجراء الانتخابات في تلك الأجواء أن يؤثر بشكل كبير وأساسي على نتائجها. وذلك على الرغم من أن السبب الاول لتأجيل تلك الانتخابات قد عزته الحكومة إلى إدخال التعديلات الجديدة على القانون الانتخابي،
إلا أن خطاب الملك عبد الله في أغسطس/ آب 2002 ربط بشكل غير مباشر إجراء الانتخابات بالأحداث والتطورات خارج الأردن وداخله.

وكان العديد من المسؤولين الأردنيين قد صرحوا قبل الخطاب المذكور للملك بأنه بات من شبه المؤكد أن يتجه الملك إلى تأجيل الانتخابات النيابية بسبب ازدياد المخاوف من أن يؤدي الوضع الإقليمي والركود الاقتصادي إلى نجاح برلمانيين معارضين. وهو ما شدد عليه النائب في البرلمان السابق منصور مراد عندما قال إن الأوضاع في المنطقة "ستدفع بالشعب الأردني إلى انتخاب برلمان متشدد تجاه سياسة إسرائيل، وستؤدي الانتخابات عند إجرائها إلى نجاح الاتجاهات المناهضة للحل السلمي مع الدولة العبرية بعدما أظهر هذا الحل فشله وعدم جدواه"، وهو الأمر الذي "حصل في انتخابات العام 1989 وبشكل أقل في انتخابات العام 1993" حسب ما يقول الدكتور جواد العناني رئيس الديوان الأردني في عهد الملك حسين.

وقد راهنت الحكومة على أن الحرب الأميركية على العراق قد انتهت وظهرت نتائجها للعيان وتم حصرها دون التأثير على الأردن سواء في الجانب الاقتصادي أو السياسي. وجاءت نتيجة الحرب على العراق لتظهر أن تلك الحرب لم تؤثر بشكل كبير على الأردن ولم يتضرر من جرائها وأن الحكومة الأردنية انحازت إلى الجانب الرابح في تلك الحرب على عكس ما جرى في حرب الخليج الثانية، الأمر الذي زاد من مكاسب الأردن سياسيا واقتصاديا.

كما يبدو جليا من خلال تعامل الإدارة الأميركية مع الأردن وتصريحات مسؤولي تلك الإدارة حول عمان أنها ترى في الأردن دولة نموذجا في المنطقة وأنه يسير نحو الإصلاح الديمقراطي، مما يجنبه الوقوع تحت الضغوط الأميركية بعد دعوة وزير الخارجية الأميركي كولن باول الدول العربية إلى تبني الخيار الديمقراطي.

ولم تكن القضية الفلسطينية والأهمية التي يوليها الشعب الأردني لها -خاصة مع النسبة الكبيرة للأردنيين من أصول فلسطينية- غائبة عن مؤسسة الحكم الأردنية عند اتخاذها قرار تأجيل الانتخابات، على أمل أن تكون الانتخابات الإسرائيلية قد جرت وأتت بحكومة غير حكومة شارون تقبل العودة إلى طاولة المفاوضات، وأن في الأفق حلا واضحا يبدأ العمل على تطبيقه.

وأسهم الانتصار الأميركي على العراق في تغيير سياسة الإدارة الأميركية إزاء الملف الفلسطيني وإيلائه أهمية في أجندتها للتعامل مع المنطقة، وهو ما دفع الإدارة الأميركية إلى التركيز على خارطة الطريق والسعي لإنجاحها، الأمر الذي يعطى الحكومة الأردنية ورقة ضغط كبيرة للرد على دعاة قطع العلاقة مع إسرائيل والتشدد في التعامل معها.

من هنا أعطت مؤسسة الحكم لنفسها الوقت كي تنتهي ملفات الخارج ويتم تسوية بعض من ملفات الداخل، لتكون الأجواء مهيأة للبدء في إجراء الانتخابات النيابية.


وجود ديمقراطية حقيقية أو عدمه في مجتمع يعاني من سوء الأوضاع الاقتصادية، يعد ترفا لا يلقي الناس له بالا لحاجتهم الماسة إلى أولويات البقاء على قيد الحياة

أثر الوضع الاقتصادي على الانتخابات
يلعب العامل الاقتصادي دورا مهما في رسم المشهد السياسي الأردني، ولم يكن غائبا عن مؤسسة الحكم الأردنية عند تأجيلها للانتخابات تأثير البعد الاقتصادي، فحسب النائب السابق منصور مراد فإن "فشل سياسات الإصلاح الاقتصادي وتعاظم البطالة.. سيدفع باتجاه انتخاب مجلس قوي".

وكانت مؤسسة الحكم تهدف من وراء تأجيل الانتخابات إلى تحسن الوضع الاقتصادي وإمكانية تحسس الشارع الأردني ذلك التحسن بعد تطبيق شروط صندوق النقد الدولي وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي يطالب بها، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن إذ بلغت نسبة البطالة 30% حسب إحصاءات وزارة التنمية الاجتماعية الأردنية، في حين بلغت نسبة الفقر 12%. ورغم ذلك فقد أقدمت الحكومة الأردنية على رفع أسعار الضريبة العامة للمبيعات شملت أكثر من 90 سلعة بسبب تعرض الأردن لضغوط شديدة من قبل صندوق النقد الدولي.

من هنا يمكن القول إن الحديث عن وجود ديمقراطية حقيقية في مجتمع يعاني من سوء أوضاعه الاقتصادية، يعد ترفا لا يلقي له الناس بالا، وذلك لحاجتهم الماسة إلى أولويات البقاء على قيد الحياة قبل التطلع إلى الطموحات الاقتصادية.

القوى السياسية والتطور الديمقراطي
كان للدور الذي لعبته الأحزاب الأردنية بعد العام 1989 دور كبير في التأثير على المسار الديمقراطي الأردني ومستقبله، إلا أن تأثير تلك الأحزاب والقوى السياسية لم يكن ذا بال، بل يمكن القول إنه أسهم في إظهار عجزها عن التأثير في المسار الديمقراطي ومستقبله.

المسار الديمقراطي مرتبط بنوع العلاقة بين الملك والإخوان
فبعد أن ظهرت القوة الحقيقية لتلك الأحزاب في أول انتخابات بعد عودة الحياة الديمقراطية، أدركت الحكومة الأردنية أن تلك القوى لم تكن بذات الحجم والتأثير الحقيقي الذي كانت تتوقعه قبل إعادة الحياة البرلمانية في الأردن، كما أدركت أن تلك القوى لا تملك أدوات للتأثير على النظام السياسي الأردني.

فبعد إقرار قانون الصوت الواحد لم تتمكن تلك القوى من أن تفرض تعديله على الحكومة، ورغم أن تنظيم الإخوان المسلمين -أهم القوى السياسية في الشارع الأردني- قاطع الانتخابات الماضية ولم يشارك فيها بسبب هذا القانون فإن ذلك لم يدفع الحكومة الأردنية إلى تغييره واكتفت فقط بإجراء بعض التغييرات عليه. بل إن قرار المقاطعة أثار مشاكل داخلية في جسم جماعة الإخوان نفسها، ولم تجد بعد ذلك بدا من القبول بما هو واقع والعدول عن قرار المقاطعة لتحصيل ما لا يمكن تحصيله في حال الغياب عن المشاركة.

ورغم مشاركة القوى السياسية في البرلمانات الثلاثة السابقة فإن مشاركتها تلك لم تسهم في تحقيق أي من طموحات الشارع الأردني، إذ لم تتعد هذه المشاركة مستوى إظهار موقف تلك القوى لا غير.

ولعل ما جرى في الانتخابات الحالية يعد دليلا على ضعف تلك الأحزاب، فمن بين أكثر من 800 مرشح لم يقدم سوى العشرات منهم أنفسهم على أنهم مرشحون سياسيون أو مستقلون عن عشائرهم، حتى إن العديد من الحزبيين غلبوا صفتهم العشائرية على الحزبية ما أبقى قوائم مرشحي العديد من الأحزاب سرية وغير معلنة.

وقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجراها مركز الدراسات الإستراتيجية الأردنية في العام 2001 عن تراجع أداء الأحزاب السياسية الأردنية، إذ أظهرت نتائج الاستطلاع أنه لا يوجد حزب سياسي على الساحة الأردنية يحظى بمعرفة 50% من الأردنيين، كما أن 14.6% من مجموع المشاركين في الاستطلاع حددوا أسماء الأحزاب السياسية التي تمثل طموحاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد أسهمت تلك العوامل والسياسات التي اتبعت في التعامل مع البرلمان الأردني في إضعاف اهتمام الشارع الأردني بالعملية الانتخابية وأعادت له عدم الثقة بالحياة الديمقراطية.

مهما كانت الخطوات التي تقوم بها الحكومة الأردنية سواء من ناحية تقليص الحريات العامة وتهميش الحياة البرلمانية أو تأصيل تلك الحياة في السياسة الأردنية وإشاعة أجواء الديمقراطية في البلاد، فإنها مطالبة بحكم الظرف الإقليمي والدولي بالمحافظة على وجود مشاركة ديمقراطية تحافظ على سمعة الأردن وسمعة الديمقراطية فيه.
________________
باحث أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة