أسطورة حرية الصحافة.. في أمريكا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)


سلامة أحمد سلامة

عندما ظهرت صورة أسامة بن لادن علي شاشات الفضائيات لأول مرة، وهو يوجه رسالته إلي العالم بعد أحداث 11 سبتمبر بأيام قليلة، سارعت الحكومة الأميركية فطلبت من مسئولي الشبكات التليفزيونية وكبار محرري الصحف الأميركية وجميع وسائل الميديا في الدول الحليفة في الغرب، أن تمتنع عن إذاعة أو نشر أي شيء علي لسان هذا «الشيطان المسلم»، بحجة أن رسائله يمكن أن تحمل تعليمات سرية مشفرة إلي أتباعه من تنظيم القاعدة المنتشرين في جميع أنحاء العالم للقيام بعمليات إرهابية جديدة.

كانت هذه هي الخطوة الأولي، علي طريقة تحول الإعلام الأميركي من أحد أهم الرموز الرائدة التي حملت شعلة الدعوة إلي حرية التعبير وحرية الصحافة في العالم، إلي رمز لأحدث الأساليب المعلوماتية وأكثرها دهاء في كيفية خنق الأنباء وتشويهها وحجبها عن الرأي العام، من أجل تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدي لا تقتصر علي الرأي العام في أميركا وحدها بل تستهدف التأثير علي العالم بأسره.. وذلك بحجة تعبئة طاقات الأمة الأميركية في الحرب ضد الإرهاب، والقضاء علي «محور الشر» الذي يهدد الولايات المتحدة والغرب بالفناء، وتشكيل الرأي العام الأميركي بما يساعد علي تحقيق هذه الأهداف.


يطلق أصحاب النظريات الأميركية علي أساليب حرب الدعاية التي انحدر إليها الإعلام الأمريكي، مايعرف باللجوء إلي «القوة الناعمة» Soft Power. وهي القدرة علي الحصول علي ما تريده عن طريق إقناع الآخرين باحتضان أهدافك.
ويطلق أصحاب النظريات الأميركية علي أساليب حرب الدعاية التي انحدر إليها الإعلام الأمريكي، مايعرف باللجوء إلي «القوة الناعمة» Soft Power. وهي القدرة علي الحصول علي ما تريده عن طريق إقناع الآخرين باحتضان أهدافك.. في مقابل «القوة الصلبة» Hard Power وهي اللجوء إلي استخدام أساليب الضغط الاقتصادي والقوة العسكرية لإجبار الآخرين علي الرضوخ والإذعان. وفي رأي العصبة الحاكمة حالياً في البيت الأبيض والبنتاجون أن الحرب ضد الإرهاب تقتضي استخدام القوتين معًا، الناعمة والصلبة، بحسب مدي قرب الطرف الآخر أو بعده، وتصنيفه كعدو أو صديق طبقًا للمقولة السائدة بأن كل شيء مباح في الحب والحرب!! وفي هذه الحالة فإن القوة الناعمة تنبثق من ثورة الإعلام والمعلومات والقدرة علي تشكيلها، ومن الثقافة والفنون في جميع صورها وألوانها. ولا حاجة بنا إلي القول بأن العالم يشهد الآن واحدة من أشرس المعارك التي تستخدم فيها «القوة الناعمة» لخدمة أهداف السياسة الأميركية, سواء فيما يتعلق بالحرب ضد الإرهاب أو بالحرب ضد العراق، أو بالقضاء علي محور الشر.

وفي كتاب صدر أخيرًا بعنوان «أسطورة حرية الصحافة» الذي كتب مقدمته الكاتب والروائي الأميركي الشهير جورفيدال، يستعرض عدد من ألمع وأبرز الصحفيين الأميركيين تجاربهم خلف الكواليس في الصحف وشبكات التليفزيون، وعلي مر سنوات طويلة من العمل الصحفى.. وكلها تجارب قادرة علي إثارة الدهشة التي قد تصل إلي حد الصدمة.. تكشف بجلاء عن السياق الذي تحركت الميديا الأميركية من خلاله في تغطية الأحداث التي وقعت في أعقاب 11 سبتمبر. حيث أُغرقت وسائل الإعلام أو بالأحري غرقت في مستنقع من الأكاذيب وأنصاف الحقائق التي وظفت في خدمة السياسة التي رسمها المسئولون في البيت الأبيض.. أمة خيرة، ديمقراطية، مُحبة للسلام. تتعرض لهجوم مجموعة من الإرهابيين المجانين الأشرار، الذين يكرهون أميركا لما تتمتع به من حرية ورخاء. وإزاء ذلك فلا بد من أن تستخدم أميركا قدراتها العسكرية، وأن تتعقب المذنبين وتقضي عليهم.. وتهيئ نفسها لحرب تستأصل سرطان الإرهاب من جذوره وتقضي عليه. أما هؤلاء الذين لا يقفون إلي جانب أميركا في حربها العادلة في الداخل أو في الخارج فلا بد من اعتبارهم متواطئين يسري عليهم ما يسري علي مرتكبي الجريمة. واتخذت الصحافة الأميركية موقفًا غريبًا: فلم تطرح سؤالاً واحدًا عن مدي استفادة أميركا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً من عسكرة الحياة الأميركية وخوض الحرب. ولم تتساءل عن جدوي الحرب في القضاء علي الإرهاب أو إنزال القصاص العادل بالمسئولين عن أحداث سبتمبر. وهي تساؤلات وشكوك كان من الطبيعي أن تثيرها الصحافة الحرة في مواجهة أي حكومة تقف علي أهبة حرب عالمية في ظل نظام ديمقراطى.

ويعزو الكتاب هذا الموقف المتخاذل للصحافة الأميركية, وإذعانها الكامل لما تمليه عليها المصادر الرسمية، إلي الأوضاع المهنية التي فرضت علي وسائل الإعلام الأميركية منذ تم الفصل الكامل في النصف الثاني من القرن العشرين بين السياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية وبين النواحي التجارية. ثم غلبت بمرور الوقت الاعتبارات التجارية والرغبة في الكسب في ظل المنافسة الحادة علي استقلالية الصحافة. وطغت هذه النزعة التجارية خلال العقود الأخيرة بدرجة مطَّردة، فأصبحت تتحكم في تحديد أولويات نشر القصة الصحفية وأيها يجب أن يحتل صدر الصفحة الأولى. وأدي تشابك المصالح بين السلطة التنفيذية وكبار رجال الأعمال والشخصيات المتنفذة في المجتمع من ناحية وبين ما يمكن أن تجنيه الصحيفة أو شبكة التليفزيون من مكاسب من ناحية أخري، إلي المساومة علي أولوية الخبر الصحفي ومدي أهميته بالنسبة للرأي العام ومصالح الأغلبية. وبالتالي فقدت صحافة الخبر وفنون «التحقيق في العمق» مواقعها المتقدمة التي تميزت بها الصحافة الأميركية .

في إطار هذا التطور وُلدت ونمت وترعرعت صناعة العلاقات العامة، التي برعت في استخدام أساليب البيانات الصحفية المنمقة، والجماعات المدنية المصطنعة، والأخبار الجاهزة المعلبة، والشخصيات الإعلامية التي تقف علي تخوم تقارب بين الإعلان والإعلام. وساد شعار قوي بأن «دور العلاقات العامة هو تهيئة الرأي العام لتخفيف آثار الديمقراطية» التي يمكن أن تتعرض للمخاطر بسببها المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال الأثرياء.. وأصبحت القاعدة المعمول بها في مهنة الصحافة: «إذا وافقت النخبة، أي ال 2 أو 3 بالمائة من الطبقة العليا في المجتمع وهي التي تملك رأس المال وتسيطر علي المؤسسات الكبري، علي قضية ما، فلا ينبغي للصحافة أن تقترب منها بالنقد والتمحيص والتحقيق».


إذا وافقت النخبة، من الطبقة العليا في المجتمع الأميركي وهي التي تملك رأس المال وتسيطر علي المؤسسات الكبرى، علي قضية ما، فلا ينبغي للصحافة أن تقترب منها بالنقد والتمحيص والتحقيق
وبناء علي ذلك تغيرت هياكل المؤسسات الإعلامية الأميركية تغيرًا جذريا خلال ربع قرن وعلي وجه التحديد في العقد الأخير. فاندمجت عشرات بل مئات من الصحف وشبكات الإذاعة والتليفزيون الصغيرة في مؤسسات إعلامية عملاقة من المؤسسات متعدية الجنسية، لا يزيد عددها علي تسع أو عشر مؤسسات، تعد من بين أكبر 300 مؤسسة في العالم، وتغيرت تركيبة هذه الشركات الإعلامية الضخمة، فأصبحت تضم شبكات التليفزيون الرئيسية، وأهم المحطات الإذاعية، وقنوات الكوابل التليفزيونية، وستوديوهات الأفلام السينمائية، ومعظم دور نشر الكتب والمجلات.. أصبحت هذه المؤسسات تمثل إمبراطوريات إعلامية ضخمة، تسيطر علي صناعة الصحافة والنشر والسينما والفيديو والكاسيت.. وكلها فروع إعلامية تخدِّم علي بعضها البعض، وتخضع لقوي رأسمالية عاتية النفوذ والتأثير.

كان يقال عن الشعب الأميركي قبل ذلك أن معلوماته عن العالم الخارجي مشوهة أو ناقصة. أما الآن فقد حجبت المعلومات عنه تمامًا. وتعتبر هذه المؤسسات الإعلامية الضخمة من أوائل المستفيدين من اتجاهات العولمة وانتشار نفوذ الإعلام الأميركي خارج الحدود. ومن ثم لم يكن غريبًا أن يكون لشبكة C.N.N نشرة إخبارية للاستهلاك المحلي تخاطب الاهتمامات التي يحددها البنتاجون للرأي العام الأميركي، وأخري للأسواق العالمية التي يمكن أن تتابع السياسات الأميركية بنظرة نقدية متشككة.
وعندما قام أكثر من مائة من أبرز وألمع نجوم هوليوود يوم 10 ديسمبر بمظاهرة احتجاج ضد الحرب علي العراق، وعقدوا مؤتمرًا صحفياً قرروا فيه إرسال خطاب مفتوح إلي الرئيس بوش يطالبون فيه بانتهاج الأساليب الدبلوماسية لحل المشكلة بدلاً من القوة العسكرية، تجاهلت الصحف الأميركية نشر الخبر تمامًا. وشنت شبكتا C.N.N وفوكس هجومًا من السخرية والاستهزاء عليهم.

غير أن انتكاس الإعلام الأميركي لم يعد مقصورًا علي انحطاط الأداء الإعلامي للصحافة وشبكات التليفزيون الأميركية, بل أخذت وزارة الدفاع الأميركية تفكر وتنفذ حالياً مشروعًا جديدًا للقيام بعمليات إعلامية مخابراتية، بهدف التأثير علي الرأي العام وصناع القرار سواء في البلدان الصديقة أو المعادية للولايات المتحدة.
وتبدو الفكرة تكرارًا لأساليب الدعاية التي استخدمت إبان الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة.. عن طريق القيام بعمليات سرية وتقديم تمويل سري للتأثير في المدارس والمساجد، وإغراء الصحفيين بكتابة مقالات تنسجم مع الأهداف الأميركية, وتنظيم المظاهرات والتجمعات المؤيدة لأميركا.
من الممكن أن يقال أننا في عصر عولمة الديمقراطية. وأن حرية الصحافة والإعلام قد أصبحت نوعًا من العلاقات العامة. ولكن أحدًا لا يستطيع أن يدعي أن الديمقراطية الأميركية هي النموذج الأفضل في العالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة