الصحراء مشكلة قابلة للحل إذا توافرت هذه الشروط   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:51 (مكة المكرمة)، 16:51 (غرينتش)

محمدن ولد باباه آخر وزير دفاع موريتاني في حكومة المختار ولد داداه قبل أن يطيح به انقلاب الجيش عام 1978، كما أنه باحث في مجال التاريخ الموريتاني وله دراسات وتحقيقات منشورة ومن هنا فهو أقدر الباحثين على إيضاح الرؤية الموريتانية لمشكلة الصحراء الغربية.

ما هي الأسس التي قام عليها الموقف الموريتاني من قضية الصحراء؟

الأسس التي قام عليها الموقف الموريتاني من قضية الصحراء متعددة منها ما هو تاريخي ومنها ما هو سياسي.

وأعني بالأسس التاريخية أن هذه المجموعة التي تسمى البيظان وهذا الإقليم الذي يعرف بـ (تراب البيظان) الذي يمتد من الساقية الحمراء شمالا إلى" اندر" جنوبا و"أزاواد " شرقا. هذه المجموعة وهذا الإقليم تحكمهما نفس الثقافة واللغة ونفس المشاعر. وهنا يجدر التنبيه إلى أن المغرب كان يقسم ما يعتبره أراضيه إلى قسمين:

  1. أرض المخزن.
  2. بلاد السيبة، وهذه الأخيرة تعني في القاموس السياسي الإداري المغربي تلك البلاد التي تحوي قبائل مترحلة في طول وعرض مجال أرض البيظان.

إن نمط الحياة في هذه الأرض واحد وإن اللهجة الحسانية هي لهجة الجميع وإن التعبير عن المشاعر يتم بنفس الوسيلة الفنية (الموسيقى البيظانية).
لقد كان المختار بن داداه مستحضرا في ذهنه الوحدة الترابية لأرض البيظان حين افتتح كلمته يوم نجح نائبا عن آدرار سنة 1957 قائلا: من الساقية الحمراء (اعيون المدلشي) إلى أزاواد إلى أكمينى (اندر).

أما الأساس الثاني فهو سياسي حيث ظل هذا الإقليم تاريخيا جزءا من "موريتانيا/الإمارات"، ولم يتم الفصل بين موريتانيا وإقليم الصحراء إلا عام 1900 حين تقاسمت فرنسا وإسبانيا المنطقة، فأخذت إسبانيا "موريتانيا الصحراوية" وكانت "موريتانيا الموريتانية" من نصيب فرنسا. وقد نص اتفاق التقسيم بين البلدين على عدم السماح للنفوذ المغربي بتجاوز وادي درعه وعلى تشكيل لجنة لرسم الحدود بين البلدين، ولكن هذه اللجنة لم تجتمع قط. وهكذا بقيت الحدود غير مرسومة، وفي بداية السبعينيات حاولت إسبانيا ترسيمها ولكن موريتانيا رفضت ذلك بقوة.
وفي فترة لاحقة بدأ النزاع الموريتاني المغربي على الصحراء، وطرحت القضية على محكمة العدل الدولية التي تقدم لها الطرفان بحججهما، وفي النهاية حكمت بأن:

  • موريتانيا لها حقوق ثابتة في الصحراء ولها حقوق في أرض الصحراء، ومعنى هذا أن المحكمة رأت أن هذه الأرض بالمعطيات السالفة الذكر أرض موريتانية.
  • المغرب كان له ولاء بعض قبائل شمال الصحراء وهذا الشيء معروف.
  • انسجام المجموعة البيظانية للاعتبارات السابقة.

وخلصت المحكمة إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ولكن ماذا حصل فيما بعد؟
لقد أكد وجهاء قبائل الصحراء والفئة الواعية من شبابها التي تسمى البوليساريو في مؤتمر طرابلس الغرب 1975 في ليبيا على لسان الولي مصطفى السيد انتماء الصحراويين للمجموعة الموريتانية، وهذا أيضا ما تدركه إسبانيا وتسلم به.


ولذلك حين قررت الخروج من الصحراء أطلعت الحكومة الموريتانية على قرارها وتعهدت بإشعارها قبل شهر من تنفيذه، وهو ما حدث فعلا عند انسحابها من بعض المواقع. وفي خضم هذه التفاعلات جاءت اتفاقية مدريد في نوفمبر 1975 التي تقر مسؤولية الأطراف الثلاثة (المغرب، موريتانيا، إسبانيا) في إدارة شؤون الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة تحضيرا لاستفتاء يقرر فيه الشعب الصحراوي مصيره.


لكن إسبانيا كانت تعيش ظروفا استثنائية، فـ "فرانكو" كان طريح الفراش والبلد يشهد مرحلة انتقالية حيث الملك لم يوطد دعائم حكمه خليفته المرتقب. وهو ما انتهزه الملك الحسن الثاني فنظم المسيرة الخضراء واحتل الصحراء، فانقلبت الأمور رأسا على عقب. وانسحبت إسبانيا فجأة، فخلت الصحراء وأصبح منطق القوة وحده السائد فيها.

لقد طالبت موريتانيا بحقها في البداية ولم ترض بسياسة الأمر الواقع، ولأن الاستفتاء لم يتم والإدارة المشتركة لم تستمر، فقد بقيت موريتانيا والمغرب وجها لوجه في الإقليم ودخلتا في مفاوضات.
وهنا لا بد من التوقف هنا للتنبيه إلى أن الجزائر -حتى الآن- لم تبد أي مطالبة بالصحراء بل كانت تنظر إليها باعتبارها قضية موريتانية مغربية من جهة وقضية تقرير مصير الشعب الصحراوي من جهة ثانية، وهو ما عبر عنه الرئيس الجزائري هواري بومدين في قمة انواذيبو التي جمعته مع المختار بن داداه والملك الحسن الثاني عام 1970 حين صرح للصحفيين بأن الجزائر توافق على أي اتفاق يتوصل إليه الطرفان المغربي والموريتاني. وهو موقف أعاد بومدين التأكيد عليه في مؤتمر القمة العربية في الرباط قائلا إن القضية تعني المغرب وموريتانيا, والجزائر تبارك أي اتفاق يتوصل إليه الطرفان، وحين حصلت اتفاقية مدريد غيرت الجزائر موقفها وترددت أنباء في حينها أنها طلبت من المغرب منفذا على المحيط الأطلسي عبر تيرس الغربية ولكن المغرب رفضت الطلب.


لقد بذلت الدبلوماسية الموريتانية مجهودا كبيرا إلى أن تم اتفاق تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا وهو ما غير الأمور بشكل كامل، فدخلت الجزائر طرفا مباشرا في الصراع وجمعت عناصر البوليساريو وأمدتهم بالسلاح ودعمتهم ميدانيا (حصار عين بن تيلى).


نحن في موريتانيا لم نكن نرغب في الحرب وقد فاجأنا أن يتحول الصحراويون الذين تربوا في أحضاننا وكنا نقدم لهم الكثير من الدعم (أنا شخصيا كنت ممن نسق معهم قبل ذلك بفترة وجيزة) فاجأنا تحولهم إلى أعداء وقيامهم بضرب بعض المواقع الموريتانية " اينال" و"الكويرة".


تلك هي الأسس التاريخية والسياسية للموقف الموريتاني أردت أن أقدمها بوضوح وتسلسل حتى تتضح خلفية تداعيات الأزمة في المراحل اللاحقة.

ثمة من يقول إن موريتانيا طالبت بجزء من الصحراء لتحمي نفسها من المطامع المغربية ما هو رأيكم في هذا القول؟

هذا تصور -لا أقول إنه تافه- ولكنه سطحي. فالمغرب اعترف سنة 1969 بموريتانيا وهي دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية، وهي في هذا التاريخ لا يساورها أي قلق اتجاه المغرب. هذا تصور سطحي يأخذ الماضي في الحسبان ولكنه يتجاهل وضعية موريتانيا في نفس التاريخ.

اتهمتكم الجزائر بعد توقيع اتفاقية مدريد بالخيانة، كيف كان جوابكم حينها؟


أولا أريد تغيير كلمة خيانة فالخيانة خيانة عهد أو اتفاقية، ونحن لا يوجد بيننا ميثاق أخلاقي مع الجزائر فيما يخص الصحراء ولا اتفاقية، لذلك فكلمة خيانة غير واردة. والرئيس بومدين -رحمه الله- كما أسلفت كان على علم بمطالبنا في الصحراء، وأعلن أنه يبارك أي اتفاق نتوصل إليه نحن والمغرب. صحيح أن بومدين كانت علاقاته حميمة بالمختار لكن مصالح موريتانيا أكبر وأهم من تلك العلاقات الشخصية.


إذن أظن أنه يمكن أن يقال إن بومدين تراجع عن موقفه ونكص عنه -ولا أقول خانه- لذلك فالسؤال الذي كان ينبغي أن يطرح هو: لماذا تراجعت الجزائر عن موقفها القاضي بمباركة أي اتفاق يتوصل إليه المغرب وموريتانيا؟

دخلت موريتانيا حرب الصحراء وخسرت فيها كثيرا وقد كنت حينها وزيرا في حكومة المختار، هل لك أن تقول لنا لماذا دخلت موريتانيا الحرب؟ ولماذا خرجت منها؟

موريتانيا دخلت الحرب للدفاع عن حقها في الصحراء؛ الحق الذي أقرته محكمة لاهاي، ونحن نقول إنه لولا الجزائر لما كانت الحرب. فالصحراويون كانوا في تعايش تام معنا وهم جزء لا يتجزأ منا.


أما القول إن موريتانيا خسرت الحرب فهو شيء لا نوافق عليه، فعدد القتلى الموريتانيين -حسب علمي- لم يتجاوز 380 قتيلا والأسرى لم يزيدوا على 450 أسيرا، ومن الناحية الاقتصادية لم نأخذ أي قرض من أجل الحرب لأن الدول الصديقة تحملت جزء كبيرا من التكاليف.


وعلى صعيد النمو الاقتصادي فإن أهم المشاريع الاقتصادية التي ما تزال موريتانيا تعيش عليها إلى اليوم بدأت في تلك المرحلة (ميناء نواكشوط، مطار نواكشوط، مطار أطار، مطار النعمة الذي أعيد تدشينه أخيرا، وتم تمويل عدد كبير من السدود ودشن سد فم لكليته).


وأثناء الحرب دشن الرئيس المختار بن داداه وصول طريق الأمل إلى كيفة، وفي ميدان الصحة دشنت مستشفيات كيفة وسيلبابي، وفي مجال المياه بدأ برنامج الآبار الارتوازية، وبدأ العمل في منطقة النهر على تشييد سدي "ادياما" و"ماننتالي"، وأعدت الوسائل الضرورية لبدء العمل في مشروع آفطوط الساحلي، وهذا ما يصدق على المستويات الأخرى.

إن كل تلك المشاريع لم تتأثر من قريب أو بعيد بالحرب لأن تكاليفها تكفلت بها الدول الصديقة كما سبقت الإشارة.


ومن الآثار الإيجابية للحرب أن أسست موريتانيا جيشا وطنيا لحماية الحدود وأمن المواطن وحراسة المؤسسات الديمقراطية، ثم أريد أن أقول -وأنا الذي أمضيت أربعة أشهر وزيرا للدفاع قبل الانقلاب- أن الحرب كانت قد انتهت بشكل شبه كامل حيث لم يسجل في أي جزء من البلاد إلا هجوم صغير على اتميميشات ومعلوم ما حصل فيه للمهاجمين.


وحسب معلوماتي فقد كانت الاستعدادات جارية لعقد اجتماع بين الدول الثلاث (موريتانيا، المغرب، الجزائر) في السودان أو مالي، ولكن المغرب رفض حضوره لأن الوفد الجزائري كان يضم في عضويته أعضاء من البوليساريو. تلك هي نتائج الحرب كما نراها نحن من منظورنا الخاص والدلائل على ما نقول شاهدة ماثلة إلى اليوم.

كيف ترون أثر التنافس الأوروبي الأميركي على أفريقيا في إطالة أمد مشكلة الصحراء؟.

أعتقد أن جوهر القضية ليس في هذا التنافس، فالاهتمام بالنسبة لأميركا هو بشمال أفريقيا ككل، وخاصة قطبي الصراع المغرب والجزائر اللذين تربطها بهما علاقة خاصة، فالمغرب أول دولة اعترفت بأميركا التي لها مصالح اقتصادية وإستراتيجية كبيرة في الجزائر كما في المغرب.


ومن المعروف أن الدول العظمى قبلت بالتقسيم الذي كان موضوع اتفاقية زكتها الأمم المتحدة، صحيح أنه حين انسحبت إسبانيا بصفة مفاجئة قبل تقرير المصير كانت هذه الدول معنية بالقضية ولم تكن مستعدة لدعم الجزائر في موقفها. باختصار أعتقد أنه ما دام هناك خلاف بين قطبي المنطقة المغرب والجزائر وهو خلاف قديم فالقضية ستستمر.

في تقديركم هل نزاع الصحراء هو المسؤول فعلا عن إجهاض حلم الشعوب المغاربية بالاتحاد؟

قضية الصحراء جزء من العوامل التي أجلت الاتحاد. هناك طبيعة الأنظمة (ملكية، شعبية، جمهورية، ديمقراطية..) وهناك التنافس على القيادة وهناك بالفعل قضية الصحراء، إذن هي سبب من الأسباب وليست كل شيء.

طرحت الأمم المتحدة عدة مبادرات، في رأيك هل يمكن أن تكون هذه المبادرات أساسا لحل المشكلة؟

الموفد الأممي بيكر اقترح أربعة حلول:

  1. استقلال داخلي في ظل السيادة المغربية.
  2. استفتاء على تقرير المصير.
  3. تقسيم الإقليم بين المغرب والبوليساريو.
  4. انسحاب الأمم المتحدة في حال استحالة الخيارات الثلاثة السابقة.

الموقف الموريتاني كان وما زال مع تقرير المصير. أما المغرب فيرفض مبدأ الاستفتاء الحر، فليس من المعقول -حسب وجهة نظري- أن يقبل به بعد 27 سنة من الحرب والإعمار وممارسة السيادة.


والبوليساريو ترفض الاستقلال الداخلي... فماذا بقي للأمم المتحدة والحالة هذه؟
لم يبق إذن إلا التقسيم لكن بين مَن ومَن؟ المغرب لن يقبل التقسيم مع الجزائر ولا البوليساريو.
وهنا أذكر أن اتفاقية مدريد ما زالت قائمة والعمل بها جار وفق منظور القانون الدولي.

تقولون إنه ليس لنا مطالب في الصحراء وإننا في نفس الوقت ما زلنا طرفا بالنزاع ومعنيين بأي حل للقضية كيف توفقون بين الموقفين؟


هذا سؤال مطروح، وعلى القائمين على الشأن السياسي في موريتانيا اليوم أن يجيبوا عنه. أما تعاطي الدبلوماسية الموريتانية مع القضية فهو شيء نجهله كما يجهله باقي أفراد الشعب الموريتاني إذ لا توجد سياسة معلنة بهذا الخصوص.

هناك من يقول إن انخراط موريتانيا في الحلف الأميركي الصهيوني في المنطقة والذي تعتبر المغرب أحد حلفائه الأوفياء، جعل الموقف الموريتاني أكثر انحيازا للمغرب ما هو تعليقكم؟

موريتانيا ليست منحازة للمغرب حيث ما زالت تقول بتقرير المصير, أعتقد أنها حشرت نفسها في زاوية الأمم المتحدة، وهي ربما تتمنى أن تحل القضية في غيابها. وعموما يمتاز تسييرها لهذا الموقف بقدر كبير من الخلخلة، ونحن نجهل تعهداتها لكل طرف لكن ظاهر الأمور يشير إلى أنها تسعى لأن تظل بالحياد.


من موقع المراقب للمشكلة الصحراوية منذ بدايتها إلى اليوم، كيف تتوقع أن تسير الأمور في المستقبل إلى الحل أم إلى التصعيد؟

يمكن توقع حدوث انفراج في المشكلة الصحراوية إذا توفر أحد شرطين:

  1. يتوصل القطبان الرئيسان في الصراع إلى قناعة تجعلهما يعطيان الأسبقية لمصالح شعوبهما وشعوب المنطقة, في هذه الحال يمكن التوصل إلى حل للقضية .
  2. تأخذ الدول الكبرى القضية بجد وتفرض حلا على الجميع.

وما لم يتوفر أحد الشرطين فالصراع مؤهل للاستمرار، وربما أخذ حجما أخطر وأكبر لا قدر الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة