تحالف الصهيونية المسيحية مع المحافظين الجدد   
الأربعاء 1427/12/6 هـ - الموافق 27/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:43 (مكة المكرمة)، 9:43 (غرينتش)

 
يحاول هذا المقال رسم تصور عام عن التحالف بين المسيحية الصهيونية والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، ويشير إلى طرف من مظاهر هذا التحالف، ودور الحزب الجمهوري في تكوين بيئة مناسبة تجمع المحافظين الجدد والمسيحيين الصهيونيين.
 
 
 
"
نجح المحافظون الجدد والصهيونية المسيحية في بناء تحالف عملي اخترق الكثير وكون الكثير من المؤسسات وأثر في السياسة الأميركية خاصة الخارجية المتعلقة بدعم إسرائيل
"
تعد مظلة المحافظين الجدد السياسية المتمثلة في الحزب الجمهوري البيئة الأفضل لاستقطاب أعداد كبيرة من المسيحيين المتصهينين، لأن الحزب هو المفضل لدى المتدينين عموما حيث يتبنى الحزب فكرا أحاديا في السياسة الخارجية ويفضل الحلول العسكرية على الحلول الدبلوماسية أو السياسية. وهذه نقطة تعارضٍ بينهم وبين المحافظين التقلديين الذين يرون ضرورة التعاون مع الحلفاء في السياسة الخارجية، ومن هؤلاء جميس بيكر الذي كان من أهم شخصيات إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان.
 
ويدعم الناخبون المؤيدون للمسيحيين المتصهينين الحزبَ الجمهوري في الانتخابات داخل الولايات المتحدة. ويقدر تعداد أتباع المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة وفق دراسة للبروفيسور القس دونالد واغنر من جامعة نورث بارك في شيكاغو بنحو 40 مليون نسمة يشكلون حوالي 30% من مجمل عدد أتباع الصهيونية المسيحية في العالم والذي يقدر بنحو 130 مليون نسمة.

يرى واغنر أن التحالف بين المحافظين والصهيونيين المسيحيين استطاع بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 توسيع ما يسمى الحرب على الإرهاب ليشمل حرب إسرائيل على الفلسطينيين.

يؤكد في دراسته أن دعم هذا التحالف لإسرائيل نابع من إيمانهم بالوظيفة التي تؤديها إسرائيل أو اليهود كما جاء في التوراة تمهيدا لعودة المسيح عليه السلام. وأصول الدعم ترجع إلى أنه من الناحية الدينية يركز الكثير من القساوسة المتشددين في الولايات المتحدة خاصة فيما يعرف بولايات حزام الإنجيل Bible Belt في الجنوب الأميركي مثل تكساس وجورجيا، على الدراسات الخاصة بـ"نهاية العالم" وعودة المسيح ودور اليهود في معركة نهاية العالم أو هرمجدون ثم تحولهم إلى المسيحية أو فنائهم بالكامل.

وكثير من العامة، خاصة من أوساط المجموعة الكبرى من المتدينين العاديين الذين اكتشفوا دينهم مؤخرا ويطلق عليهم "ولدوا للمسيحية من جديد"، يعتقدون أنه يتعين عليهم الدخول في خندق واحد مع مناصرين آخرين لإسرائيل وعلى رأسهم بالطبع تيار المحافظين الجدد، لأن هذا التيار هو الذي يساعد إسرائيل على الإسراع في عودة المسيح والاقتراب من نهاية العالم.

ويشير واغنر إلى أن المسيحيين الصهيونيين يرون "الدولة الحديثة في إسرائيل باعتبارها تحقيقا لنبوءة توراتية، وأنها بهذا تستحق دعما سياسيا وماليا ودينيا".
 
"
يرى كثير من الباحثين أن دعم المحافظين الجدد لإسرائيل هو دعم تحركه المشاعر المعادية للإسلام والتعصب الديني أكثر من المشاعر الدينية المسيحية
"
ويعتقد واغنر في دراسته عن الصهيونية المسيحية أن دعمها للمحافظين الجدد ولإسرائيل هو دعم تحركه المشاعر المعادية للإسلام والتعصب الديني أكثر من المشاعر الدينية المسيحية. ويستشهد بتصريحات المحافظ الأميركي بات بيوكانان حينما قال في تعليق له أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وفلسطين: "إن المرء ليتساءل إن كان هؤلاء المسيحيون يهتمون فعلا بما يحدث لإخواننا المسيحيين في لبنان وغزة، والذين يعيشون دون كهرباء بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية، وهو شكل محرّم من أشكال العقاب الجماعي الذي تركهم دون صرف صحي، يأكلون طعاما متعفنا، ويشربون مياها ملوثة، ويعيشون أياما في الظلام ودون كهرباء في هذا الحر الرهيب في شهر يوليو"/تموز 2006.

أولا: تحالف وولسي- شيا
يعرف عن بيت الحرية Freedom House أنه هيئة تدافع عن حقوق الإنسان. ويعرف عنه أنه يقع تحت سيطرة المحافظين الجدد بشكل كبير.
 
ويتلقى هذا المركز الكثير من التمويل من الحكومة الأميركية خاصة من "هيئة الوقف القومي للديمقراطية" ليقوم بيت الحرية بعد ذلك بدفع تلك الأموال لاحقا للعديد من المنظمات والهيئات القومية والمحلية الأخرى في دول العالم لتنفيذ أو لترويج سياسات محافظة يدافع عنها بما يبعد شبهة تدخل الحكومة الأميركية مباشرة.
 
ويوجه التمويل الصادر عن هذه المؤسسة إلى دعم المشاريع التي تعكس وجهة نظر المحافظين الجدد ذات الملامح الصهيونية، ومنها مشروع "تبادل المقالات من المناطق المتعددة Multiregional Exchange project" الذي يجمع ويوزع مقالات من متعاطفين مع حركة المحافظين الجدد وينشرها في العالم مجانا ويعمل على ضمان تناقلها بين أوساط الإعلام الأجنبي.

وخلاصة التعاون بين التيارين –تحت مظلة بيت الحرية- هو برنامج "بيت الحرية للحريات الدينية في العالم". إذ يقف هذا المركز الفكري والبحثي وراء أشد التقارير انتقادا للدول العربية والإسلامية خاصة فيما يتعلق بمواقفها من إسرائيل واليهود وانتقادات الدول العربية لإسرائيل، وتصنيفه المستمر لها على أنها مواقف معادية للسامية.
 
كما أنه يصور وبإلحاح إسرائيل على أنها الديمقراطية الناصعة الوحيدة في المنطقة التي تستحق الدعم الأميركي المستمر.

وقطبا هذا التعاون في بيت الحرية هما رئيس الاستخبارات الأميركية الأسبق جيمس وولسي وهو من المحافظين الجدد والأصولية المسيحية، ومديرة برنامج مراقبة الحريات الدينية في المركز نينا شيا.
 

"
لجنة الحريات الدينية الدولية أسسها الكونغرس عام 1998 تحت ضغوط قوية من تيار اليمين المسيحي وفروعه من المسيحيين المتصهينين
"

جيمس وولسي
محافط جديد وعضو في معهد يتبع المنهج اليميني في الترويج لسياسة الليكود الإسرائيلي وهو "مركز سياسات الأمن". وهو أيضا عضو منظمة "تحرير أميركا" التي تهدف إلى التخلص من اعتماد الولايات المتحدة على النفط العربي الإسلامي. واستغل جيمس وولسي حضوره الواسع في وسائل الإعلام الأميركية للتبرير الفكري لغزو العراق ومبدأ الحروب الاستباقية، أحد أهم الموضوعات المفضلة لدى المحافظين الجدد.

وهو كذلك عضو في الإدارة الاستشارية "للمعهد اليهودي للأمن القومي"، وهي مؤسسة أميركية تسعى للتعاون العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وتعمل على تسخير طاقات الولايات المتحدة العسكرية من أجل المصالح الإسرائيلية في المنطقة العربية.

نينا شيا
نينا شيا عضو أيضا في لجنة الحريات الدينية الدولية USCIRF التي أسسها الكونغرس عام 1998، تحت ضغوط قوية من تيار اليمين المسيحي وفروعه من المسيحيين المتصهينين.
 
وعرف عن نينا شيا تشددها الديني ووقوفها وراء حملة دشنت مؤتمرا برعاية بيت الحرية عقد في يناير/كانون الثاني 1996 جلب أكثر من 100 من قادة المسيحيين والكنائس لمناقشة ما أسموه الآراء والأعمال التي ترتكب ضد المسيحية في العالم. وتسبب ذلك المؤتمر في حركة مسيحية نهضوية كبيرة، تمت بالاشتراك مع نشطاء يهود.

ومثلها مثل وولسي، تظهر نينا شيا على الكثير من المحطات المسيحية المتشددة والإذاعات الدينية، وتبرز مواقفها من العالم العربي والإسلامي. وتقف شيا أيضا وراء مطالب متعددة بفرض عقوبات على السودان وإجراءات ضد المملكة العربية السعودية ومصر بحجة اضطهاد الأقليات الدينية.
 
"
التحالف بين اليمين المسيحي المتصهين والمحافظين الجدد تحالف فكري وديني وسياسي قائم ومنظم وفاعل
"
ثانيا: تحالف هاغي- بروغ

ومن المنظمات الحديثة الأخرى التي تجمع بين المسيحية الصهيونية والمحافظين الجدد منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" التي يرأسها القس الأصولي جون هاغي، الذي أراد الانتقال بأجندة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" من مرحلة التخطيط إلى التحرك المباشر فجاء هاغي بديفد بروج، وهو أحد الأشخاص المطّلعين في واشنطن والمحسوبين على المحافظين الجدد المناصرين لإسرائيل، ليكون مديرا تنفيذيا للمنظمة.

وقد كان اختيار بروغ تحركا ذكيا من الناحية السياسية ويعبر عن دهاء واسع، حيث إن بروغ اليهودي الديانة عمل سابقا مديرا لمكتب السيناتور الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا أرلين سبكتر، كما أنه مؤلف الكتاب الصادر مؤخرا بعنوان "الوقوف مع إسرائيل: لماذا يساند المسيحيون الدولة اليهودية؟".

وفي مقابلة جرت مؤخرا قال بروغ مفسرا سبب عمله لصالح منظمة مسيحية إنه كيهودي محافظ "يعتقد أن هذا هو أهم شيء يستطيع أن يقوم به ليس فقط من أجل إسرائيل ولكن أيضا من أجل الحضارة اليهودية المسيحية اليوم، والتي تواجه تهديدا من الإسلام المتشدد".

وكتب عن نفسه "أنا أعتنق إيماني اليهودي وأسعى إلى معرفة خالقي من خلال الطرق والنصوص التي قدمها لأسلافي اليهود".
 
ويوضح بروغ أيضا أنه "رغم أنني لا أراعي جميع قوانين الهالاشا (الشريعة اليهودية) فإنني أعترف بالهالاشا باعتبارها المكون المركزي لديني".
 
التحالف بين اليمين المسيحي المتصهين والمحافظين الجدد إذن هو تحالف فكري وديني وسياسي قائم ومنظم وفاعل يعمل من خلال منظمات قوية تنشط فيها رموز وكوادر مؤهلة ولها حضور، وهي كلها أمور تدعو إلى لفت الأنظار.
_______________
صحفي عربي مقيم في واشنطن
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة