قوى المعارضة وقضية الإصلاح في مصر   
الأحد 1426/4/13 هـ - الموافق 22/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 8:35 (مكة المكرمة)، 5:35 (غرينتش)
جانب من حوار الحزب الوطني مع بعض قادة المعارضة المصرية
 
 
 
فرضت قضية الإصلاح والتغيير السياسي نفسها على كل القوى والتيارات السياسية المصرية، وكثير منها، لاسيما المعارضون، قدموا العديد من الاجتهادات الفردية والجماعية، ويتحدد هدفهم العام في تغيير الكثير من آليات النظام السياسي القائم. والتحليل الراهن سيعنى بقراءة خريطة المعارضة السياسية المصرية، ومطالب كل منها.



 
 
تنطوي المعارضة المصرية على ثلاثة مكونات أساسية، أولها الأحزاب الشرعية، التى أجيزت عبر الآليات القانونية المعمول بها خلال العقود الثلاثة الماضية. وثانيها القوى أو الجماعات غير المعترف بها قانونا، ولكنها موجودة في المجتمع، ويتم التعامل معها بحكم تأثيرها ووجودها كأمر واقع، وثالثها الحركة الشعبية التي نشأت في غضون العام الماضي نتيجة تفاعلات بين عدد من الناشطين والمثقفين والسياسيين المستقلين. ويمكن أن نضيف عنصرا رابعا، وهو تلك الجماعات التي أخذت تعلن عن نفسها من الخارج كقوى معارضة وساعية لتغيير النظام، ومنها "جبهة إنقاذ مصر".
 
"
الناظر إلى مطالب قوى المعارضة، ورغم اختلاف الوضعية القانونية وأسلوب الطرح،  يدرك أن الإصلاح المطلوب للنظام القائم يعني بالدرجة الأولى تغيير أسسه الناظمة بصورة شاملة دستوريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا

"
وما يهمنا هنا هو العناصر الثلاثة الأولى، فهي الأقدم من الناحية الزمنية، وهي التي تعمل في الداخل، ويقع عليها عبء تعبئة المواطنين وراء مقولاتها وأفكارها وشعاراتها، وهي الأكثر عطاء وتضحية، وأيضا الأكثر وقوعا تحت ضغط النظام القائم بما فيه من قيود قانونية شديدة، يلخصها تطبيق قانون الطوارئ لمدة عقدين ونصف دون انقطاع.
 
أما تلك التي أعلنت عن نفسها من الخارج فهي لا تعدو أن تكون سوى جماعة من المصريين المغتربين فاقدي الصلة العضوية بما يجري في بلدهم، ولا حضور لهم، ولا تأثير من أي نوع، اللهم إلا إصدار بيانات وتصريحات، وبما يمثل ضغطا معنويا ودعائيا لا أكثر ولا أقل.
 
أ- فعلى صعيد الأحزاب القانونية، ثمة 17 حزبا سياسيا، لكن غالبيتها الساحقة قليل الحيلة، صغير العدد، غير معروف بأي دور سياسي يتجاوز إصدار جريدة يومية أو أسبوعية. والقليل منها لا يتجاوز أربعة أحزاب في الواقع، تعبر عن تيارات وقوى سياسية وفكرية وأيديولوجية واضحة المعالم، ولكل منها امتداد في المجتمع، إما بحكم قدمها الزمني، أو بحكم تعبيرها عن مصالح حقيقية موجودة في المجتمع، وهذه الأحزاب هي الوفد، والتجمع والعربي الناصري والعمل، إضافة إلى أحزاب أصغر وأحدث نسبيا، تحاول المشاركة في النشاط العام كالأمة والجيل ومصر 200 والوفاق القومي، وأخيرا حزب الغد المصرح به قانونا قبل أقل من أربعة أشهر.  
 
ب- أما القوى غير المعترف بها قانونا، فتعد جماعة الإخوان المسلمين الأبرز في هذا السياق. فبالرغم من عدم المشروعية القانونية، وكل صنوف الحصار السياسي والإعلامي فلا سبيل لإنكار تأثيرها أو حضورها الجماهيري، فضلا عن رغبتها الجارفة في الحصول على الوضعية القانونية التي تسمح لها بالتحرك السياسي بكل حرية ممكنة.
 
وفى السياق ذاته هناك قيادات حزب الوسط تحت التأسيس، والذي يمثل انشقاقا عن الجماعة الأم، ويعبر عن توجهات إسلامية ضمنية وفق صيغة مرنة، ولكنه لم ينل الترخيص القانوني بعد.
 
ج- وبالنسبة للحركة الشعبية المعارضة فتبرز الحركة المصرية من أجل التغيير، والمعروفة إعلاميا بـ (كفاية)، والتي أسسها ناشطون سياسيون حزبيون وغير حزبيين، وتعمل على كسر حاجز الخوف لدى المواطنين، ويمثل شعارها "كفاية.. لا للتمديد.. لا للتوريث"، تلخيصا عبقريا لاثنين من أهم مطالب الحركة، والتي يتزايد أعضاؤها مع مرور الوقت، وإن كان بقدر من البطء ومزيد من الثقة.
 
"
مجمل هذه النقاط يعني أن التغيير المطلوب في ظل الإصلاح الشامل حسب رؤية المعارضة على اختلافها هو بلورة نظام سياسي جديد، يتيح لنخب جديدة أن تتنافس على السلطة بكل حرية ودون إقصاء لأحد
"
ويشير تعبير كفاية -الذى تم ابتداعه قبل أن يطلب الرئيس مبارك يوم 26 فبراير/شباط 2005 تعديل المادة 76 من الدستور من الاستفتاء على رئيس الجمهورية إلى الانتخاب بين أكثر من مرشح- إلى الاعتراض الكامل على استمرار النظام القائم، وباعتبار أن 25 عاما كافية تماما.
 
ويلحقها تعبير "لا.. للتمديد" ويعنى الاعتراض على إعادة انتخاب الرئيس مبارك مدة ثانية، و"لا للتوريث" وتعنى الاعتراض ورفض أية جهود قد تبذل من أجل "ترسية" الحكم على جمال مبارك نجل الرئيس، والذي يشغل منصب أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، وباعتبار أن التوريث مناهض للنظام الجمهوري نفسه، ولن يعدو سوى استمرارا لنفس النهج القائم المسؤول من وجهة نظر الحركة عن جمود الحياة السياسية وتكلس المجتمع وفقدانه لتماسكه الذاتي.

 
 
ساهم تعدد السمات القانونية لقوى المعارضة على النحو المشار إليه، في تعدد آليات التعبير عن مطالب الإصلاح السياسي وطموحاته، وكذلك على حجم المشاركة في عملية التغيير، فبينما تشارك الأحزاب القانونية في الحوار مع الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وتطرح وجهة نظرها الخاصة بالتعديلات المناسبة للمادة 76 من الدستور، والقوانين الخاصة بالممارسة السياسية والانتخابات البرلمانية المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فإن القوى السياسية الأخرى خارج المنظومة القانونية، تعمد إلى اللجوء إلى كافة آليات التعبير السلمي كالتظاهرات والاجتماعات والمؤتمرات، حتى وإن لم تحصل على التصريح القانوني لذلك، وهدفها الرئيس هو تعبئة الناس وراء مطالب الإصلاح، وتشكيل موجات من الضغط الداخلي على النظام حتى يستجيب لتلك المطالب.
 
وكان عدد من أحزاب المعارضة قد شكل صيغة جماعية عرفت باسم أحزاب التوافق الوطني، والتى ضمت ثمانية أحزاب وهي أحزاب التجمع والوفد والناصري والعمل والأمة والجيل ومصر 2000 والوفاق القومي. حيث عقدت مؤتمرا يوم 21 سبتمبر/أيلول 2004، أعلنت فيه برنامجا للإصلاح تضمن عددا من المطالب من أهمها:
 
1- عودة الشرعية الدستورية من خلال إنهاء حالة الطوارئ.
2- اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر بين أكثر من مرشح لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
3- أن يتخلى رئيس الجمهورية عن انتمائه الحزبي طوال فترة رئاسته.
4- إعادة توزيع الاختصاص داخل السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء علي أن يكون الثاني مسؤولا أمام السلطة التشريعية وبسلطات حقيقية  تقابل هذه المسؤولية.
5- إلغاء المادة 74 من الدستور التي تمنح رئيس الجمهورية سلطات استثنائية.
6- إنشاء هيئة عليا للانتخابات بحيث يوضع تحت تصرفها الأجهزة الإدارية اللازمة بما في ذلك قوات من الشرطة.
7- تعديل قانون الانتخابات بحيث يصبح بالقائمة النسبية.
8- إطلاق حرية تشكيل الأحزاب بدون أية قيود ورفع القيود على النشاط الجماهيري السلمي.
9- كفالة استقلال النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني.
10- إطلاق حرية إصدار الصحف وملكية وسائل الإعلام للمصريين. 11- تحرير أجهزة الإعلام والصحافة القومية من سيطرة السلطة التنفيذية والحزب الحاكم.
 

"
لما كان التغيير المطلوب سلميا، فلا مجال سوى للتدرج، وتلك محسومة من حيث المبدأ بين قوى المعارضة ولكنها أيضا موضع خلاف من حيث المدى الزمني المناسب

 "

أما (كفاية) فقد حددت مطالبها فى بيان أسمته "بيان إلى الأمة" صدر أيضا يوم 21 سبتمبر/أيلول 2004، ربط بين الضغوط والخطط الدولية الرامية إلى إعادة تشكيل المنطقة وبين شيوع حالة الاستبداد في المجتمع، مما يستلزم إصلاحا شاملا ينبع من أبناء البلد وليس مفروضا عليهم. وحددت الحركة الإصلاح المطلوب بأنه إصلاح سياسي ودستوري شامل يضمن إنهاء احتكار السلطة وفتح الباب لتداولها، وإعلاء سيادة القانون واستقلال القضاء، وإنهاء احتكار الثروة، واستعادة دور ومكانة مصر الذي فقدته منذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفد.
 
وتطالب الحركة بضرورة إلغاء حالة الطوارئ وكافة القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات، والبدء فورا بإجراء إصلاح دستوري يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية ونائبه من الشعب مباشرة ولمدة لا تزيد على دورتين فقط، ويحد من الصلاحيات المطلقة الممنوحة لرئيس الدولة، ويحقق الفصل بين السلطات ويضع الحدود والضوابط لكل سلطة علي حدة، ويطلق حرية تكوين الأحزاب وإصدار الصحف وتكوين الجمعيات، ورفع الوصاية على النقابات، وإجراء انتخابات برلمانية نزيهة وحقيقية تجري تحت إشراف مجلس القضاء الأعلى ومجلس الدولة بدءا من إعداد كشوفها حتى إعلان نتائجها.
 
وفي سياق طرح مطالب الإصلاح، بلورت حركة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا رؤيتها في بيان ألقاه المرشد العام للحركة يوم 3 مارس/آذار 2005، وتضمن المبادئ التي تلتزم بها الحركة تجاه دور الدين الاسلامي في المجتمع ودور المرأة ورعاية الأسرة ودعم مؤسسات المجتمع المدني وتسيير الحياة الاقتصادية وفق مبادئ حرية التجارة، والعلاقات الخارجية وإصلاح المؤسسات الدينية كالأزهر وأوقاف المسلمين.
 
وكان لافتا للنظر تأكيد الحركة على التمسك بالنظام الجمهوري البرلماني الدستوري، واحترام  الحريات ومبادئ الديمقراطية في نطاق مبادئ الإسلام، وضرورة كفالة استقلال القضاء، وتعديل القوانين وتنقيتها بما يؤدي إلى تطابقها مع مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع.
 
وجاء تركيز الحركة على ما اعتبرته الإصلاح الشامل وأنه لا يتحقق إلا عبر تطبيق الديمقراطية، وصياغة ميثاق وطني يلتزم به الجميع، من أبرز بنوده الإقرار التام بأن الشعب هو مصدر جميع السلطات، والالتزام واحترام مبدأ تداول السلطة، والتأكيد على حرية الاعتقاد الخاص، وتأكيد حرية تشكيل الأحزاب السياسية، وعدم الالتجاء للعنف أو التهديد به، وتأكيد حق التظاهر السلمي.، وإبعاد الجيش عن السياسة، وأن تلتزم الشرطة بالحفاظ على أمن الدولة والمجتمع ككل، وتحديد سلطات رئيس الجمهورية، وإلغاء القوانين سيئةِ السمعة المقيدة للحريات، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإعادة النظر في الأحكام الصادرة من محاكم استثنائية عسكرية.
 
 
الناظر إلى مطالب قوى المعارضة، ورغم اختلاف الوضعية القانونية وأسلوب الطرح،  يدرك أن الإصلاح المطلوب للنظام القائم يعني بالدرجة الأولى تغيير أسسه الناظمة بصورة شاملة دستوريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وبحيث يترتب على مجمل هذه الإصلاحات بلورة نظام جديد يعتمد آليات سياسية وثقافية وسلوكية وقانونية مختلفة عما هو قائم. مع ملاحظة أن حركة الإخوان المسلمين كانت الوحيدة التي أشارت تفصيلا إلى ضرورة أن يكون الإصلاح المرغوب مرتبطا بقيم الدين الإسلامي ونشر التدين في المجتمع. أما القوى الأخرى فركزت على إعادة بلورة المعادلات الدستورية والسياسية، عبر دمج الآليات الديمقراطية في بنية السلطة الجديدة.
 
ومما سبق يمكن الإشارة إلى ثلاث نقاط جامعة ذات دلالة على النحو التالى:
الأولى: الاتفاق على إعادة بناء النظام الراهن بحيث ينتج عنه نظام جمهوري برلماني واضح الاختصاصات بين مؤسساته الأساسية، وبحيث لا تتغول فيه سلطة معينة على غيرها من السلطات، ولاسيما السلطة التنفيذية وعلى رأسها الرئيس باختصاصاته الواسعة حسب الدستور المعمول به الآن. ومن هنا يجئ التركيز على مطلب تعديل العديد من مواد الدستور، بداية من اختصاصات الرئيس ومرورا بطريقة اختياره ونهاية بعلاقته مع السلطات الأخرى ومدة رئاسته بما لا تزيد على دورتين وحسب.
 
ومن ثم فإن مطلب الرئيس مبارك بتعديل المادة 76 من الدستور، وإن كان يلبى أحد مطالب القوى المعارضة ككل، إلا أن الطريقة التي تم بها هذا التعديل، والتي وصفتها معظم أحزاب المعارضة بأنها وضعت من القيود ما يجعل من المنافسة في الانتخابات الرئاسية أمرا صعبا للغاية.
 
الثانية: التركيز على الحريات التي يحميها الدستور وينظمها القانون، وهي حريات شاملة كالتعبير والتنظيم والتحرك بين ثنايا المجتمع المدني. وما يستتبع ذلك من حرية تداول السلطة، الأمر الذي يتطلب رفع القيود بكافة أشكالها على حركة القوى السياسية، وبما يوفر لها أسس التنافس السلمي للوصول إلى المؤسسات السياسية وفي مقدمتها البرلمان الذي يمثل الشعب وينوب عنه في الرقابة والتشريع وحفظ الحقوق.
 
الثالثة: اعتماد الأسلوب السلمي وسيلة للتغيير والإصلاح، سواء من خلال تشكيل موجات من الضغط الشعبي على الحكومة للقيام بالتغييرات اللازمة، أو من خلال إفساح المجال لمشاركة القوى السياسية المعترف بها قانونا في بلورة البيئة الدستورية والتشريعية والقانونية اللازمة لتحقيق التغييرات والإصلاحات المطلوبة.
 
مجمل هذه النقاط يعني أن التغيير المطلوب في ظل الإصلاح الشامل حسب رؤية المعارضة على اختلافها هو بلورة نظام سياسي جديد، يتيح لنخب جديدة أن تتنافس على السلطة بكل حرية ودون إقصاء لأحد. ولما كان التغيير المطلوب سلميا، فلا مجال سوى للتدرج، وتلك محسومة من حيث المبدأ بين قوى المعارضة ولكنها أيضا موضع خلاف من حيث المدى الزمني المناسب، مع اليقين بأن التدرج في مدى زمني مناسب لا يعني إطلاقا الفوضى أو الانقلاب الدستوري.
_______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة