الأكراد في الانتخابات التركية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:34 (مكة المكرمة)، 16:34 (غرينتش)

مجموعة من أكراد تركيا المؤيدين لحزب العمال الكردستاني

*بقلم/ نوزات صواش

القضية الكردية
حزب العمال الكردستاني
الأحزاب الكردية

في السنة الثانية من بداية الألفية الثالثة وفي 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 تخوض تركيا انتخابات تشريعية مبكرة. ركزت المناورات الأخيرة لزعماء الأحزاب على كسب الأصوات الحائرة والتي تقدر بحوالي 25%، وهي نسبة ليست بالقليلة. ولنا أن نتوقع خروج نتائج مفاجئة من صناديق الاقتراع إلى جانب ما أكدته استطلاعات الرأي.

فقد يتولى حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان السلطة وحده حاصلا على ضعفي أصوات الحزب الثاني حزب الشعب الجمهوري، علما بأنه حزب لم يبلغ من العمر سوى سنة واحدة. ولا شك أنه من الغرابة بمكان أن يعلن حزب بهذه الحداثة انتصاره قبل الانتخاب بنسبة حوالي 30% كما تقول استطلاعات الرأي.

وقد لا نرى في البرلمان المقبل الأحزاب القديمة حيث يتم دفن كل من حزب اليسار الديمقراطي وحزب العمل القومي وحزب الوطن الأم في صندوق الاقتراع، وهي الأحزاب التي شكلت الائتلاف الحاكم بعد انتخابات 1999.

سيرسل الشعب إلى البرلمان الجديد أحزابا ووجوها جديدة على أمل أن تقوم بسياسات ومشروعات جديدة في سبيل نقل البلاد إلى حياة جديدة. والغريب أيضا أنه مع أننا أصبحنا على بعد خطوة من يوم الاقتراع، لكننا لا نعرف بعد الشخصية التي ستتولى منصب رئيس الوزراء في حال فوز حزب العدالة والتنمية بسبب الحظر المفروض على زعيمه، وما الحل الذي اتفق عليه أعضاء الحزب في ما بينهم حول هذا الشأن.

كما لا نعرف كيف تكون ردود أفعال القيادات الداخلية التي تعتبر نفسها حارسة ومراقبة للنظام منذ تأسيس الجمهورية، وكيف يكون رد فعلها إزاء انتصار حزب العدالة والتنمية الذي تعده امتدادا للحركة السياسية الإسلامية وإن أدخل الحزب بعض التعديلات في آرائه ومقولاته ومشروعاته وتصرفاته.

أضف إلى ذلك ردود الفعل الأميركية في ظل حملة عراقية حتمية أيا كانت صورتها، إلى جانب موقف الاتحاد الأوروبي الذي يراقب التحركات السياسية التركية عن كثب، بعد أن قام البرلمان التركي ببعض الإصلاحات الدستورية الهامة في الصيف الماضي وفقا للمعايير التي طلبها الاتحاد، أملا في تحديد موعد لبدء محادثات العضوية. صحيح أن الاتحاد اعتبر الإصلاحات الدستورية نجاحا كبيرا بالنسبة لتركيا، إلا أنه يطالبها بنقل هذه الإصلاحات إلى حيز التنفيذ.

قضية الأكراد


النداءات التي طالبت بالحقوق الكردية ظهرت وانتشرت بعد الثمانينيات. وكان لظهورها عوامل مختلفة بعضها يمتد إلى خارج البلاد ويهدف إلى إثارة القلق والانشقاق وقطع مسيرة التطور التركية وإنشاء دولة كردية مستقلة في المنطقة

لا شك أن هناك تساؤلات عديدة لا يمكن حصرها في هذا الشأن. ولكن ما يهمنا في هذا المقال هو: إلى أين ستذهب أصوات المواطنين الأكراد.

كلمة الأكراد تحمل في طياتها حساسيات كثيرة في تركيا، إذ إن الرأي الحاكم والسائد في البلد هو أن القاسم المشترك بين المواطنين هو الجنسية التركية. فكلنا أتراك، وهذا يكفي. ومن ثم درجت الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية في معالجتها وتناولها للقضية الكردية -بل وحرصت- على استخدام تعبير "مشكلة المنطقة الشرقية"، نظرا لحساسية التعبير الذي أشرنا إليه.

غير أن الواقع هو وجود عدد كبير من المواطنين الأكراد في تركيا منتشرين في جميع المدن والمحافظات ولا سيما في شرقي الأناضول، وجنوبي شرقي تركيا. ولا يقل عددهم عن ثمانية أو تسعة ملايين نسمة وهي تشكل 10%-11% من مجموع عدد السكان الذي يقترب من 80 مليونا. وقد اعتادت بعض الأوساط أن تطرح بين الحين والآخر أن عدد الأكراد الذين يعيشون داخل الحدود التركية يبلغ عشرين أو خمسة وعشرين مليون. غير أن الاعتقاد السائد هو أن هذه الأرقام مبالغ فيها، وقد طرحت لأغراض سياسية.

والجدير بالذكر أن دول الاتحاد الأوروبي تعتبر المواطنين الأكراد ضمن الأقليات، وتطالب تركيا بأن تقوم بمنح هذه الأقلية حقوقها الثقافية. إن منح الحقوق الثقافية حق إنساني لا شك في ذلك. غير أن معايير تحديد مفهوم الأقلية يختلف في تركيا وفي البلاد الإسلامية الأخرى عن البلاد الأوروبية. فالمعيار في ذلك ليس هو اختلاف اللغة والعرق، إنما هو اختلاف الدين. فالأكراد ليسوا أقلية في تركيا ولم يعتبرها أحد في البلد أقلية، حتى الأكراد أنفسهم، لأنهم مسلمون ملتزمون بشعائرهم الدينية. نعم هناك أقليات، ولكنها غير مسلمة، مثل الروم والأرمن والسريانيين.

لقد عاش الأكراد مع إخوانهم من الأتراك والعرب في جغرافية واحدة في حب وتسامح وإخاء تحت مظلة الوحدة الإسلامية. حتى الثورة التي قام بها الشيخ سعيد (يحدث لبس في كثير من الأحيان، فيظن البعض أن الشيخ سعيد هو بديع الزمان سعيد النورسي، وهذا ليس صحيحا) في شرقي الأناضول في الثلاثينيات في عهد رئاسة مصطفى كمال أتاترك لم تستند إلى مشاعر عرقية، إنما ثار الأكراد آنذاك بعواطف دينية رافعين شعار "ضاع الدين". وبالفعل حكمت الدولة عليهم بالإعدام بذريعة أنهم يريدون إقامة دولة دينية.

أما النداءات التي طالبت بالحقوق الكردية فقد ظهرت وانتشرت بعد الثمانينيات. وكان لظهورها عوامل مختلفة بعضها يمتد إلى خارج البلاد ويهدف إلى إثارة القلق والانشقاق وقطع مسيرة التطور التركية وإنشاء دولة كردية مستقلة في المنطقة. كما يعود بعضها الآخر لأسباب داخلية.

فالبلاد الشرقية كما يؤكد المؤرخون تم إهمالها منذ الدولة العثمانية واستمر هذا الإهمال بعد تأسيس تركيا الحديثة. فهناك فرق شاسع بين غربي البلاد وشرقيها. فمعظم المصانع والجامعات والنشاط الاقتصادي تجده في مدن غربي البلاد، بينما تعيش المحافظات الشرقية حالة من التأخر في جميع المجالات من التعليم إلى الاقتصاد إلى الإعمار إلى الأمن... الحياة نشيطة وحيوية في المدن الغربية، أما المنطقة الشرقية فشبه ميتة. لقد واصل هذا القسم من البلد حياته في جو خال من التعليم والمؤسسات الاقتصادية. وساد الجهل والفقر بين الشعب، بينما كانت المدن الغربية حافلة بالجامعات والمصانع.

ومع أن الحكومات التي تولت دفة الحكم أدركت هذ الفرق بين الصورتين إلا أنها لم تأخذ التدابير اللازمة. فأحدث ذلك غضبا دفينا وحقدا مكتوما في قلوب مواطني الشرق وجهلا شاملا استغلته بعض الأوساط في ما بعد لتلعب لعبتها التي تريدها. وهو الأمر الذي مهد السبيل لنمو تكتلات وتنظيمات أوجعت رأس البلاد حتى اليوم.

لقد نجح المرحوم تورغوط أوزال رئيس الجمهورية الثامن في قراءة هذا المشهد. فقد كان من مدينة ملاطيا، وهي محافظة شرقية، ويقال إنه كان يرجع إلى أصول كردية. وأدرك أن هذه المناطق أصبحت مثل قنبلة موقوتة انفجرت أو كادت. وبعد أن فاز أوزال بانتخابات عام 1983 حينما كان زعيما لحزب الوطن الأم اتجه نحو المناطق الشرقية. أنشأ أضخم سدود البلاد على نهري دجلة والفرات، وقام بمشروع كبير عرف بمشروع الجنوبي الشرقي (GAP)، وأنشأ سد أتاتورك، وأخذ يستصلح أراضي المحافظات الشرقية. فأخذت الأراضي القاحلة تخضر، وانطلقت حملة زراعية واسعة النطاق. وابتسمت وجوه أهل المنطقة ودبت الحياة فيهم وبدؤوا يزرعون ويكسبون. فقد أنشأ تورغوط أوزال لهم بحرا في أرض قاحلة، هو سد أتاتورك. ولكن المنطقة كانت واسعة جدا، ولم يكن يملك أوزال عصا سحرية يغير بها وجه المنطقة بلمسة واحدة. كان الأمر يحتاج إلى سنوات وأجيال وعمل جاد متواصل.

حزب العمال الكردستاني


بعد القبض على عبد الله أوجلان أعلن حزب العمال الكردستاني أنه ألقى السلاح وتخلى عن المواجهة المسلحة حيث غير الحزب أسلوب تعامله مع الدولة وقرر أن يواصل طريقه باستخدام أساليب سلمية وأن يكون له وجود في الحياة السياسية التركية

في هذه الأثناء بدأت تظهر عمليات إرهابية لحزب العمال الكردستاني الذي أسسه عبد الله أوجلان في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978. كان أعضاء الحزب يطالبون بحقوق الأكراد المسلوبة ويدعون إلى إنشاء دولة كردية في شرقي البلاد. وكانت الحركة تتشكل من طلاب جامعيين ينتمون إلى أفكار شيوعية ماركسية. ومارس حزب العمال الكردستاني عمليات مسلحة في المنطقة، فحشد الجيش التركي أعدادا كبيرة من الجنود والمعدات لقلع جذور عناصر الحزب ومؤيديه من شرقي الأناضول. وعاشت المنطقة حالة الطواري مدة 15 عاما... عاشت حربا حقيقية، وبقيت مشكلة الشرق عقبة أمام تركيا في حملتها التقدمية. ولم يتراجع حزب العمال الكردستاني عن عملياته المسلحة وأحلامه في تأسيس دولة كردية طوال 15 عاما.

حاولت الحكومات التركية المتعاقبة حل المشكلة بقوة السلاح، ولكن هذه السياسة التي انتهجتها لم تتمكن من حل القضية، إنما عمقت جذورها وساد المنطقة جو من عدم الثقة المتبادلة من كلا الطرفين الدولة والأكراد. وأصبحت كلمة الكردي تعني الإرهابي بسبب العمليات التي كان يقوم بها حزب العمال الكردستاني. ولم يكن ضحية الحزب الجنود والمواطنين الأتراك فقط بل قتل آلاف من المواطنين الأكراد ممن امتنع عن مساندة الحزب في عملياته.

وهكذا استمرت معاناة منطقة الشرق، إذ لم تتمكن الدولة من تقديم أي خدمات للمنطقة بسبب الحرب، فأغقلت المدارس والجامعات والمصانع، وهاجر ما يقارب من ثلاثة ملايين مواطن إلى المحافظات الغربية بحثا عن الأمان وتم تخريب 3500 قرية ومزرعة بسبب المواجهات. أما من بقي ولم يهاجر مسكنه فقد عاش في خوف مستمر.

وازداد السكان فقرا وجهلا، والمنطقة تراجعا وإهمالا. كما أضحت المنطقة بسبب فراغ السلطة إحدى الطرق الهامة في تجارة المخدرات وبيع الأسلحة. أصبحت المحافظات الشرقية شبه معزولة عن العالم، وبات الذهاب إلى أي مدينة من مدنها مخاطرة تحتاج إلى شجاعة.

تكبدت الدولة التركية أضرارا كبيرة من جراء محاربة عناصر حزب العمال الكردستاني. فقد كانت المصاريف السنوية من أسلحة ومعدات عسكرية لوجستية تقدر بـ7- 8.5 مليارات دولار، فضلا عن الخسائر الناجمة من تعطل نشاطات المنطقة بالكامل. كما تم حشد ونشر 50 ألف كوماندوز من الفرق الخاصة في شتى أنحاء المحافظات والجبال، و220 ألف جندي من المشاة، بالإضافة إلى 45 ألف حارس ومحارب تم انتخابهم من بين أبناء المنطقة. أما حجم مصاريف العمليات العسكرية التي تجاوزت إلى الحدود العراقية والإيرانية فلا أحد يعرف مقدارها. أما الخسارة البشرية التي ظهرت بسبب المواجهات والعمليات الإرهابية التي قام بها حزب العمال الكردستاني في شتى أنحاء تركيا فقد كانت فادحة حيث راح ضحيتها ما يقارب 30 ألف شخص بينهم الجنود والمواطنون الأكراد والأطفال والنساء الذين قتلتهم عناصر الحزب بسبب عدم تقديم الدعم لها.

وفي فبراير/ شباط 1999 تم القبض على عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في كينيا وحكم عليه بالإعدام بعد محاكمته في جزيرة إيمرلي. بيد أنه وبعد الإصلاحات الدستورية التي قام بها البرلمان التركي الصيف الماضي تم إلغاء عقوبة الإعدام وتحويلها إلى سجن مؤبد.

بعد القبض على عبد الله أوجلان أعلن حزب العمال الكردستاني أنه ألقى السلاح وتخلى عن المواجهة المسلحة. لقد غير الحزب أسلوب تعامله مع الدولة وقرر أن يواصل طريقه باستخدام أساليب سلمية وأراد أن يكون له وجود في الحياة السياسية التركية. ومن المؤكد أنه كان لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول دور كبير في اتخاذ هذا القرار بعد أن أعلنت الولايات المتحدة حربا شاملة على كل ما أسمته إرهابا.

الأحزاب الكردية


من الخطأ الاعتقاد بأن جميع المواطنين الأكراد قد خرجوا على الحكومات التركية وشاركوا في العمليات الإرهابية أو أيدوها أو أرادوا إقامة دولة كردية مستقلة في شرقي الأناضول. فأهل المنطقة قد سئموا الحرب والدمار والهجرة ولا يريدون الآن سوى الاستقرار والحرية والاستثمار وتحسن الأوضاع الاقتصادية

لقد اعتبرت القيادات التركية الأحزاب التي شكلها الأكراد في أوقات مختلفة امتدادا سياسيا لحزب العمال الكردستاني، ومن ثم قامت محكمة الدستور بإغلاق هذه الأحزاب دائما. ولجأت الأحزاب اليسارية إلى عقد تحالفات مع الأحزاب الكردية لكسب مزيد من الأصوات والحصول على مزيد من المقاعد في البرلمان. ولم يحبذ الشعب ولا القيادات العسكرية هذا العمل مهما كان الدافع. وفي عام 1988 طرد حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة أردال إينونو سبعة من أعضائه الذين يعودون إلى جذور كردية بسبب مشاركتهم في مؤتمر انعقد في باريس من قبل المنظمات الكردية وحزب العمال الكردستاني.

وقد تمكن حزب العمل الشعبي (HEP) الذي تشكل عام 1991 من إدخال بعض أعضائه إلى البرلمان في انتخابات 1991 من خلال التحالف التي تم بينه وبين حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي (SHP) بزعامة أردال إينونو. فأثارت ليلى زانا إحدى نائبات الحزب مشكلة حين أرادت أن تقوم بقسم اليمين في البرلمان باللغة الكردية، فكانت ضجة كبيرة أوجعت رأس حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي كثيرا. وانتقدت أوساط سياسية وشعبية حزب (SHP) واعتبروه مسؤولا عن إدخال ممثلي الحركة الإرهابية إلى البرلمان. ولكن بعد فترة أغلقت محكمة الدستور التركية الحزب بدعوى ثبوت لقاء أعضائه بعبد الله أوجلان وأن الحزب امتداد لحزب العمال الكردستاني ويدعو إلى أفكار انفصالية، وتم وضع بعض أعضائه في السجن.

وفي عام 1993 تم تشكيل حزب آخر تحت اسم حزب العمل الديمقراطي (DEP)، غير أن محكمة الدستور أغلقته أيضا بدعوى أنه امتداد للحزب السابق. وفي عام 1995 قام مراد بوزلاق بتأسيس حزب ديمقراطية الشعب (HADEP) وخاض انتخابات 1995 وانتخابات 1999. ومع أنه لم يتمكن من تجاوز الحاجز المطلوب لدخول البرلمان (10%) فإنه حصل على نسبة لا تقل من الأصوات في المحافظات الشرقية. ففي انتخابات 1995 حصل على 4.17%، أما في انتخابات 1999 فقد حصل على 4.76% من الأصوات، وهي تشكل مليونا و 481 ألفا و117 صوتا. ولكن السلطات والمحاكم نظرت إلى الحزب بشك على الدوام واعتبرته الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني. ومن ثم أقامت محكمة الدستور التركية دعوى لإغلاق الحزب، وأعلن رئيس المحكمة أن القرار قد يصدر قبل انتخابات 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002. ويرجح الخبراء أن يصدر الحكم بالإغلاق.

لذا اتجهت قيادة حزب ديمقراطية الشعب إلى تفعيل حزب آخر تم تأسيسه عام 1997 ولكنه لم يشارك في انتخابات 1999 دعما لحزب ديمقراطية الشعب آنذلك. هذا الحزب هو حزب الشعب الديمقراطي (DEHAP) الذي أنهى تشكيلاته في 63 محافظة. وقد أصدرت لجنة الانتخابات العليا بأهلية الحزب لخوض الانتخابات القادمة، غير أنها قررت بعدم أهلية مراد بوزلاق زعيم حزب ديمقراطية الشعب للترشيح لعضوية البرلمان. وكان من المتوقع أن يقود بوزلاق حزب الشعب الديمقراطي في هذه الانتخابات. كما أعلن حزبان يساريان آخران هما الحزب الديمقراطي الاشتراكي (SDP) وحزب العمل (EMEP) إلى جانب حزب ديمقراطية الشعب (HADEP) بأنهما يؤيدان حزب الشعب الديمقراطي (DEHAP) بزعامة محمد عباس أوغلو.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن أصوات حزب الشعب الديمقراطي في ازدياد بالنسبة للانتخابات السابقة إلا أنه من الصعب أن يجتاز الحاجز الانتخابي، رغم تصريحات قياداته بأن الحاجز لن يشكل عقبة بالنسبة لهم. ففي انتخابات 1995 كان الحزب في المركز الثاني بالمنطقة الجنوبية الشرقية، وفي المركز الرابع بالمنطقة الشرقية، وفي المركز السابع عامة، بينما ارتفعت أصواته في انتخابات 1999 ففاز بالمركز الأول في المنطقة الجنوبية الشرقية، والمركز الثاني في المنطقة الشرقية، ولم يتغير موقعه العام فكان في المركز السابع.


كان للقبض على عبد الله أوجلان الدور الرئيسي في تشكيل خارطة انتخابات 1999، أما في انتخابات 2002 فسوف يشكل الخارطة عنصران أساسيان: الاقتصاد والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

إذا تمكن حزب الشعب الديمقراطي من اجتياز نسبة 10% في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 فلا شك أنه سوف يحصل على عدد جيد من المقاعد البرلمانية في المحافظات الشرقية. ولكن إن بقي تحت الحاجز فسوف يكسب المقاعد حزب آخر تجاوز الحاجز.

هناك انتقادات توجه إلى حزب الشعب الديمقراطي، أولها يجب عليه أن يتخلص من صفته كحزب يمثل الأكراد فقط، بل عليه أن يقدم نفسه كحزب يمثل جميع الشعب ويطلب أصوات الجميع. كما عليه أن يتخلص من أفكاره الشيوعية الأيديولوجية ويسعى إلى توسيع دائرة ناخبيه. وعليه أيضا أن يصرح بشدة بأنه لا يمثل الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، أي عليه أن يزيل ظل الحركة الإرهابية من فوقه، لكي يحظى بثقة الشعب التركي.

ورغم أن بعض القيادات قد صرحوا بذلك وادعوا أنهم لا يريدون سوى المشاركة في النشاط السياسي إلا أن مظاهرات الحزب تنقلب في كثير من الأحيان إلى اجتماعات تعاد فيها شعارات وأعلام وأحلام حزب العمال الكردستاني. ولهذا السبب لم يجرؤ أي حزب من الأحزاب الكبيرة يمينيا أو يساريا على عقد تحالف مع حزب الشعب الديمقراطي خشية أن يتعرض لانتقادة حادة.

يقول المراقبون إن سعي المواطنين الأكراد إلى تأييد حزب الشعب الديمقراطي إنما ينبع بالدرجة الأولى من شعور الغضب ورد الفعل للدولة بسبب الإهمال والضياع والسياسات الخاطئة التي انتهجتها في المنطقة طوال السنوات الماضية. ويؤكد الخبراء أن 20% فقط من الناخبين في المناطق الشرقية يؤيدون حزب الشعب الديمقراطي بإيمان، و20% يرفضونه، أما الـ60% الباقون فهم يدلون بآرائهم لهذا الحزب نقمة على إهمال الأحزاب الأخرى وسياسات الدولة.

ومن الخطأ بمكان الاعتقاد بأن جميع المواطنين الأكراد قد خرجوا على الحكومات التركية وشاركوا في العمليات الإرهابية أو أيدوها أو أرادوا إقامة دولة كردية مستقلة في شرقي الأناضول. فأهل المنطقة قد سئموا الحرب والدمار والهجرة ولا يريدون الآن سوى الاستقرار والحرية والاستثمار وتحسن الأوضاع الاقتصادية. وإذا تمكن أي حزب من الأحزاب من تقديم مطالبهم فسوف يميلون نحوه بالتأكيد، طبعا بعد أن تعود الأمور في المنطقة إلى وضعها الطبيعي من الاستقرار والهدوء التام والثقة المتبادلة، وذلك يحتاج إلى وقت.

فقد أدرك حتى الأكراد الذين خرجوا إلى الجبال من خلال التجارب القاسية أن المواجهة العسكرية ليست هي الحل، كما أنه ليس من الممكن مواجهة القوات المسلحة التركية المتدربة. إن أكثر الشباب ينتقدون آراء حزب الشعب الديمقراطي الأيديولوجية، ويطلبون تعليما وعملا وخلاصا من البطالة.

ومن الجدير بالذكر أن الأحزاب السياسية الأخرى عندما ترشح أعضاءها في المنطقة تلجأ إلى اختيارهم من الأكراد، لأنها تعرف أنها لن تتمكن من الحصول على الأصوات إن لم تفعل ذلك. كما تقوم بترشيح بعض أعضائها الذين يعودون إلى جذور كردية من محافظات أخرى خارج المنطقة الشرقية، مثل أنطاليا وإستنبول وأنقرة. ومن ثم يمكننا القول إن نسبة أعضاء الأكراد الذين يتم ترشيحهم في جميع الأحزاب تبلغ 35%-40%، وهذا عدد ليس بالقليل. إذن يتم تمثيل الوجود الكردي في البرلمان عبر الأحزاب الأخرى أيضا ولا ينحصر على حزب العمل الديمقراطي. ويجب الإشارة أيضا إلى نظام القبائل والعشائر الذي لا يزال قائما في المناطق الشرقية. فالحزب الذي يرشح عضوه من العشائر الكبيرة يضمن كمية كبيرة من الأًصوات. لذلك علينا ألا ننسى تأثير زعماء العشائر أيضا في العملية الانتخابية.

منذ ثلاث سنوات يسود المنطقة جو من السلام والهدوء والأمان. لقد انتهت المواجهات المسلحة وأخذت الحياة تدب في المنطقة. ورفعت الحكومة حالة الطوارئ وبدأت ترسل خدماتها المختلفة إلى هناك. أما الإصلاحات الدستورية التي قام بها البرلمان في الصيف الماضي بشأن منح حرية استخدام اللغات المحلية في الإذاعة والتلفزيون والتعليم والإعلام فذلك يعد خطوة جيدة في سبيل احتضان الدولة لمواطنيها الأكراد. علما بأن نقل هذه القوانين إلى حيز التطبيق لن يخلو من بعض المصاعب. ولكن لا بد أن تستمر الإصلاحات.

إن المشكلة العظمى الذي يواجهها المواطن الكردي في المنطقة هي الفقر والبطالة والأزمة الاقتصادية. الشباب يبحثون عن أعمال يقيتون بها عائلاتهم. ومن ثم عندما ترتفع عن رؤوسهم الضغوط التي تؤثر على إدلاء أصواتهم فسوف يلجؤون إلى الجهة التي تقدم لهم حرية ثقافية وحياة اقتصادية جيدة. فقد يفوز حزب الشعب الديمقراطي بأغلبية أصوات المنطقة في هذه الانتخابات أيضا كردود فعل أو بسبب ضغوط خارجية أو أشياء أخرى، إلا أن الصورة ستتغير في الانتخابات التالية حتما ويدلي الناخب بصوته للحزب الذي يقدم له مستقبلا أفضل.

لقد كان للقبض على عبد الله أوجلان الدور الرئيسي في تشكيل خارطة انتخابات 1999، أما في انتخابات 2002 فسوف يشكل الخارطة عنصران أساسيان: الاقتصاد والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
______________
* كاتب تركي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة