الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني: إلى أين ؟   
الخميس 28/2/1426 هـ - الموافق 7/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:30 (مكة المكرمة)، 9:30 (غرينتش)

عبد الحسين شعبان

في التاسع من أبريل/نيسان 2005 يكون عامان قد انقضيا من احتلال العراق. الحرب المحسومة النتائج سلفا لم تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع، فقد بدأت بالقصف الأميركي صباح يوم 20 مارس/آذار وانتهت باحتلال بغداد، وبذلك لم ينته النظام الذي حكم العراق طيلة 35 عاما فحسب بل انتهت وأسقطت الدولة العراقية بحل مؤسساتها العسكرية والأمنية بعد تدمير بنيانها التحتي ومرافقها الحيوية ومنشآتها الاقتصادية وامتدت يد الهدم لتصل إلى المتاحف والمكتبات والجامعات ودور العلم وغيرها.

العودة إلى المرجعيات التقليدية
"
اتخذت بعض القوى الطائفية والإثنية مكانها في "التركيبة الجديدة" مشكلة صورة لعراق قديم انهار ولعراق جديد لم ينهض بعد

"
بغياب مرجعية الدولة ومؤسساتها عاد العراقيون وربما اضطرارا إلى مرجعيات تقليدية، كانت موجودة من قبل لكنها لم تكن بديلا عن الدولة ذات البعد الشمولي، مثل المرجعية الدينية والمذهبية والعشائرية والمناطقية والجهوية والعائلية وغيرها، لدرجة أصبح التشظي في المرجعيات وغياب مرجعية مؤسسية موحدة هو الشكل الذي يعبر عن واقع حال مرير، إذ اتخذت بعض القوى الطائفية والأطراف الإثنية مكانها في"التركيبة الجديدة" التي لم ترغب في مبارحتها أو الاستغناء عن امتيازاتها، خصوصا أن حكم الاستبداد وفيما بعد الاحتلال لم يترك لهم خيارات أخرى. هكذا تشكلت ملامح صورة ربما مضببة لعراق قديم انهار ولعراق جديد لم ينهض بعد!

وفي الأول من مايو/أيار من العام نفسه أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش انتهاء العمليات الحربية الأساسية في العراق، واعترفت قوات الاحتلال بمسؤولياتها كقوة احتلال، وذلك في تصريح خاص للرئيس الأميركي في 8 مايو/أيار تمهيدا لصدور القرار 1483. وفي 22 من الشهر نفسه عام 2003 صدر القرار 1483 الذي "شرع" الاحتلال عندما اعترف بالأمر الواقع وذلك بكون القوات التي قيل إنها جاءت "لتحرير" العراق أصبحت بموجب هذا القرار قوات احتلال تنطبق عليها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقاها لعام 1977.

مرّ العراق خلال العامين الماضيين من الاحتلال بثلاث مراحل. وإذا كانت المرحلة الأولى من الاحتلال قد شهدت حكما مباشرا بواسطة الحاكم العسكري الأميركي للعراق الجنرال جي غارنر، فإن المرحلة الثانية شهدت حكما أميركيا ولكن بمشاركة شكلية من جانب قوى عراقية. واتسمت المرحلة الثانية التي دامت نحو عام بتحديد صورة العراق النمطية التي جرى رسمها من جانب الدوائر السياسية والإستراتجية الأميركية والغربية عموما منذ أكثر من عقد ونيف من الزمان.

المرحلة الثانية اتسمت بقيادة حاكم مدني أميركي للعراق ذاع صيته وتندر العراقيون "بسجاياه" أعني به بول بريمر الذي كان حاكما بأمره، كما أطلق عليه بعض السياسيين ممن كانوا قريبين من المشهد السياسي بمن فيهم بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي الذي عينه هو ذاته. شهدت هذه المرحلة فساداً مالياً وإداريا وخضوعاً وضعفاً من جانب الجهات العراقية التي تعاملت مع المحتل، حتى أصبح القول إن الحكومة الانتقالية الأولى والثانية "حكومة لكنها لا تحكم" أمرا واقعا، وليس مبالغة أو اتهاماً زاده حال الفوضى والانفلات الأمني وأعمال إرهاب، ناهيكم عن اتساع أعمال مقاومة المحتل. بول بريمر الذي جاء ليؤسس صورة العراق المستقبلية ويعد مثل الرئيس بوش بحلول نعيم الديمقراطية وربيع الحرية، حاول تكريس الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني عبر تركيبة مجلس الحكم الانتقالي، وذلك بتوزيع محاصصات ونسب على الفئات المختلفة مما أثار تداعيات وإشكالات قديمة - جديدة بخصوص الطائفية السياسية وتبعاتها في الماضي والحاضر.


افتعال الطائفية المجتمعية
إذا كانت الطائفية السياسية المعاصرة قد وجدت ضالتها منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921، حيث حاولت السلطات الحاكمة التعكز عليها أحيانا لبسط نفوذها وهيمنتها، من خلال قوانين الجنسية وبخاصة القانون رقم 42 لعام 1924 الذي سن قبل تشريع الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي) 1925 والقانون رقم 43 لسنة 1963 وما تبعه من قرارات تمييزية لمجلس قيادة الثورة منذ عام 1968 وما بعده، أدت فيما أدت إليه إلى تهجير نحو نصف مليون عراقي خصوصا خلال الحرب العراقية – الإيرانية وما بعدها، (طبقا للقرار 666 الصادر في 7 أيار/مايو 1980)، فإن هذه الطائفية السياسية أريد لها أن تتحول إلى طوائفية مجتمعية، لعلها أشد خطرا من الطائفية السياسية ذاتها، أو هي الوجه السيئ الآخر لها على أقل تقدير.

وفي كلا الحالين ولدى كلا الفريقين حيث أصبح الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني شديدين وخاصة خلال حكم بريمر -بما في ذلك التمترسات المذهبية "الشيعية السنية" والخلافات الكردية التركمانية بخصوص "كركوك" وكذلك بعض الاستقطابات العربية الكردية حول حدود الفيدرالية والاصطفافات المسيحية والكلدو آشورية وغيرها- يمكننا أن نستعير تعبير عالم الاجتماع العراقي الكبير الراحل علي الوردي، عندما وصف مثل هذه الطائفيات والطوائفيات بأنها طائفية بلا دين، لأن المتدين الحقيقي والمقصود به هنا المؤمن لا يمكنه أن يكون طائفيا، فالدين الإسلامي مثل كل دين ينبذ الطائفية والتمذهب، أما وجود المذاهب المختلفة فإنما يدل على تعددية واجتهاد وتنوع وليس تمترسا واحترابا وكراهية.

في خدمة إسرائيل
عربة أميركية وعلم كردي في كركوك.. مشهد للاستقطاب الإثني
المرحلة الثانية من الحكم الأميركي سعت لتقديم العراق وفقا للصورة الأميركية التي اشتملت عليها عشرات الدراسات والبحوث والمقالات في المراكز البحثية والإستراتجية الأكاديمية والسياسية. هذه الصورة قسمت العراق وخاصة منذ عقد ونصف من الزمان، ولعل الأمر يمتد أبعد من ذلك خلال الحرب العراقية الإيرانية التي أريدت "أسلمتها" بعد اعتبارها حربا عربية فارسية، بل هي حرب إسلامية إسلامية، ولكنها سنية شيعية وذلك لادعاء أن إسرائيل ليست هي مصدر الصراع والشر في المنطقة بل إن هناك حروبا خيضت في المنطقة لم تكن إسرائيل طرفا فيها. وتذهب هذه الدراسات والأبحاث لتأكيد وجهتها حين تقول: إن ربع القرن الماضي خير دليل على ذلك. وتضرب أمثلة على هذه الحروب بالحرب العراقية الإيرانية التي دامت 8 سنوات 1980 – 1988 وغزو القوات العراقية للكويت في 2 أغسطس/آب 1990. وبعدها حرب قوات التحالف ضد العراق 1991، والحرب الشاملة على العراق عام 2003 حتى احتلاله بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل وضلوعه في الإرهاب الدولي.

هكذا أريد القول إن إسرائيل "الحمل الوديع" ليست هي وحدها مصدر التوتر والحروب والتوسع، بل هناك دول أخرى مثل إيران وسوريا وبالطبع جميع أطراف حركة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي خصوصا بعد احتلال العراق هي التي يمكن أن تمثل عنصر التهديد الأساسي الذي يغذي الإرهاب، وليس الاحتلال والتنكر للحقوق.

وبعد حرب قوات التحالف على العراق 17 يناير/كانون الثاني 1991 التي انتهت بهزيمة القوات العراقية وانسحابها من الكويت واضطرار العراق للتوقيع على قرارات مجحفة ومذلة خصوصا القرار 687 حيث وصلت فيما بعد إلى نحو 60 قرارا (كلها صدرت بعد غزو الكويت) فرضت نظاما قاسيا للعقوبات وحصارا دوليا جائرا استمر 13 عاما، صور العراق باعتباره مجموعة إثنيات وطوائف ومذاهب، بل إنه مجموعة أقليات لا يوجد فيها شيء غالب وذلك في محاولة للتركيز على نظرة تجزيئية، تقسيمية، تفتيتية، عند تناول المكون الأساسي للمجتمع العراقي من زاوية طائفية وإثنية وليس من منظور شمولي للمواطنة العراقية في دولة موحدة.

وهكذا أصبح الحديث عن الملاذ الآمن Save Heaven باعتباره يخص الكرد، ثم جرى الحديث عن حماية "الشيعة" في الجنوب، (خط العرض 36 وخط العرض 32) أما الحديث عن السنة فكان يتسم بنوع من الاتهام سلفا بانسابهم إلى الحكم السابق بكل شروره.


توسيع دائرة التشظية
"
الحكومات السابقة تجاوزت على حقوق الأقليات ناهيكم عن تجاوزها على حقوق الإنسان مما عزز بعض الاتجاهات الانعزالية والتي زادت منها تركيبة بريمر

"
التشظي في رسم صورة العراق وتكويناته لم يشمل الشيعة والسنة والكرد فحسب، بل أخذ الحديث يكثر عن تكوينات وأقليات أخرى مثل التركمان والكلدو آشوريين وغيرهم من الأديان الصغيرة كاليزيدية والصابئة.

وإذا كان الموزائيك العراقي مصدر إثراء وقوة واجتماع للعراق على مدى تاريخه السابق والمعاصر، فإن تلبية حقوق الجميع مسألة أساسية ولا يمكن تجاوزها وفقا لمعايير ومنظومات حقوق الإنسان، إلا أن الصورة الغربية استهدفت شيئا آخر أرادت له أن ينغرس في الواقع الحالي، حيث اللهث وراء الامتيازات والتدافع والإلغاء بهدف الحصول على أكبر قدر من المكاسب، حتى وإن جاءت على طبق المحتل.

المجتمع العراقي الذي أريد الحديث عن مكوناته قسم تقسيمات غريبة، فإذا أرادوا الحديث عن الكرد يتم الحديث عنهم كقومية وهذا أمر مشروع، فهم مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي والعراق، ولا يمكن استقرار وتقدم العراق دون حل القضية الكردية حلا سلميا ديمقراطيا وإنسانيا عادلا بالاعتراف لهم بحق تقرير المصير واختيار الصيغة الملائمة لعلاقتهم بالشعب العربي شقيقهم الأكبر في العراق سواء كانت الفيدرالية أو غيرها.

أما إذا أريد الحديث عن العرب فيتم عبر التمذهب والطائفية، فهم سنة و شيعة وليسوا عربا يجمعهم الشعور بالانتماء العروبي والوطني والقومي. وهنا نعيد استذكار أن الشيعة ليسوا عربا فحسب بل فيهم الكرد وبخاصة "الفيلية" وبعض التركمان، والسنة كذلك أيضا.

يمكنني القول: إن العراق وفقا لتقسيمات قومية وإثنية يتألف من عرب وهم يشكلون غالبية سكان العراق (حوالي 80%) وقد طبعوا هويته التاريخية والمعاصرة، وكرد وهم قومية ثانية اعترفت لهم الدساتير العراقية منذ عام 1958 بجزء من حقوقهم بكونهم "شركاء في الوطن العراقي" (دستور عام 1958) وكون العراق يتألف من قوميتين رئيسيتين هما العربية والكردية (دستور عام 1970) وهم يطالبون حاليا بضمانات أكبر طبقا لصيغة الاتحاد الفيدرالي، بدلا من صيغة الحكم الذاتي السابقة عام 1974. كما يتألف من قوميات أخرى أصغر مثل التركمان والكلدو آشوريين.

العراق إذن يتألف من العرب وهم القومية الكبرى والكرد وهم القومية الأساسية الثانية، إضافة إلى التركمان والكلدو آشوريين وغيرهم، وبدون ضمان الحقوق القومية للأكراد والحقوق الثقافية والإدارية للتركمان والكلدو آشوريين وغيرهم لا يمكن الحديث عن التآخي القومي والإثني في العراق خصوصا أن الحكومات السابقة تجاوزت على حقوق الأقليات ناهيكم عن تجاوزها على حقوق الإنسان، مما عزز بعض الاتجاهات الانعزالية التي زادتها تركيبة بريمر.

أما إذا أردنا تقسيم العراق على أساس ديني، فهو مؤلف من مسلمين (حوالي 95%) من السكان ويشكل الإسلام الهوية الغالبة للمجتمع العراقي، كما يتألف من مسيحيين كجزء من النسيج العراقي لعبوا دورا مهما في تاريخه المعاصر، ويزيديين وصابئة وديانات صغيرة أخرى. ويعتبر الإسلام فيه مكونا أساسيا منذ أكثر من 1400 سنة، وقد شكل العراق مركزا للحضارة العربية الإسلامية. إن ضمان حقوق الأقليات الدينية وطمأنتها سيساهم في لحمة المجتمع العراقي بدلا من تشجيع بعض النزعات الضيقة، خصوصا أن حقوق الأقليات تعرضت في الماضي للتجاوز والهدر السافر أحيانا.

حسب تقديري هذه هي الصورة العراقية الواقعية لعراق موحد جامع، وليس مفترضا بمعنى عرقيات وبلدات ومناطق وطوائف وإثنيات، وإن كان الاعتراف بالتمايز والخصوصية مسألة مهمة، إذ إن تلبية الحقوق الخاصة هو رفد وتعزيز لحق المواطنة، الجامع للحقوق العراقية خصوصا بإقرار مبدأ المساواة الذي لا غنى عنه للمواطنة الكاملة وغير المنقوصة طبقا لمواثيق حقوق الإنسان.

مرحلة تكريس الهواجس الطائفية
التوزيع الإثني والطائفي زاد من حدة المصاعب السياسية
المرحلة الثالثة يمكن اعتبارها المرحلة الأميركية الدولية بمشاركة "عراقية". وقد كان في مقدمتها سن قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت في 8 مارس/آذار 2004 وتسليم "السلطة" إلى العراقيين في 30 يونيو/حزيران وصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 الذي أكد على دور القوات المتعددة الجنسيات ولكن بقيادة أميركية، وهيأت هذه المرحلة لإجراء الانتخابات في 30 يناير/كانون الثاني 2005.

اتسمت هذه المرحلة بقلق وهواجس من الأطراف المختلفة، الأطراف التي حصلت على امتيازات طائفية، تحاول تكريسها سواء عبر الشارع أو في انتخابات غير شاملة وناقصة ولكنها قانونية لأنها أجريت ضمن قرار مجلس الأمن رقم 1546 وقانون إدارة الدولة العراقية، لكنها لم تكن انتخابات تتمتع بالشرعية الكاملة بسبب مقاطعتها في بعض المحافظات ومن جانب بعض القوى والفئات وكذلك الانتقادات الشديدة للقانون الانتخابي وعدم تمثيل المحافظات وبعض التجاوزات والاعتراضات.

أما القوى الممانعة والرافضة فإن بعضها يريد تحسين مواقعه، ويبدو أنه لا يهتم كثيرا بجدولة الانسحاب وإنهاء الاحتلال وإيجاد بدائل عن الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني، عبر حوار وطني ومصارحة ومصالحة، يمكن أن تكون عبر الأمم المتحدة وبإشرافها إضافة إلى جهات عربية ودولية تمهيدا لإنهاء الاحتلال.


المرحلة الثالثة للاحتلال الأميركي شهدت مقاومة للاحتلال من جهة وأعمال عنف وإرهاب وتفخيخ للسيارات وقطع للرؤوس وجز للأعناق، جعلت الولايات المتحدة والقوات المتعددة الجنسيات تعيش ظرفا صعبا خصوصا الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها بشريا وماديا. فحتى الآن لم تستطع إحكام قبضتها على الوضع العراقي الذي ما زال معوّما، وكانت التعقيدات التي رافقت تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات العامة الأخيرة أحد مظاهر ذلك.

التوزيعات الإثنية والطائفية هي التي أعاقت إعلان تشكيل وزارة لفترة طويلة وربما ستواجه الوزارة اعتراضات كثيرة، لا من القوى الممانعة والمعارضة بل من القوى الموالية والمؤيدة بحيث تجعل مهمتها عسيرة لكونها لا تمثل كامل الطاقم الذي تعامل مع الاحلال ناهيكم عن عدم تمثيلها لفئات وقوى مانعت واحتجت أو عارضت المشاركة منذ البداية، وهي تيارات واسعة.

التوزيع الاإني والطائفي سيشكل هما رئيسيا للحكومات القادمة. صحيح أنه غير منصوص عليه، لكنه سيشكل عرفا يصبح من الصعب تجاوزه، ولعل الوضع اللبناني يمثل صورة صارخة للمحاصصة الطائفية. كل ذلك سيزيد الاحتقان الطائفي والإثني وسيعظم من حالة التشظي وضعف المواطنة، وإحلال المرجعيات المحلية الجزئية الصغيرة محل الهوية العراقية والوطنية العراقية العنصر الجامع للوحدة الوطنية. أعتقد أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الأساسية في الوقت الحاضر عن تكريس هذه الظاهرة وتعميمها بفعل إلغاء مؤسسة الدولة بما فيها القوات المسلحة وشرطة مكافحة الجريمة وحرس الحدود وشرطة النجدة وغيرها. ولعل التمييزيات السابقة والتعكز على الطائفية السياسية أحيانا كانت وراء التمترس الطوائفي الذي لم يكن بمعزل عن دعم خارجي دولي وإقليمي.

ختاما أقول: إن حل مشكلة التمييز ونبذ الطائفية السياسية وإلغاء الاضطهاد القومي يساهم في تعزيز وتعميق الشعور الوطني والانتماء للعراق كوطن وليس طائفة أو مذهب أو قومية أو إثنية أو عشيرة أو منطقة، وإن كان ذلك يحافظ على الخصوصية ولا يلغيها بل يجعلها في تفاعل في إطار المواطنة العراقية المتعددة والمتنوعة والتي هي عنصر قوة وليست عنصر ضعف. فالمواطنة بحاجة إلى مواطنين أحرار وإلى مجتمع مدني بحده الأدنى يتجاوز الولاءات الطائفية والمذهبية والإثنية والدينية والعشائرية والجهوية، ويستوعبها في علاقة المواطنة وقيمها من دون أن يعني ذلك أن حلا سحريا للمشكلات والصراعات المعروفة سينتهي أو يزول. وبهذا المعنى عندما نتحدث عن شروط الديمقراطية فإنما نتحدث عن شروط مواطنة في الدولة الحديثة وقانون موحد ودستور جامع، لا على أساس ديمقراطية الطوائف والإثنيات والحصص والنسب والتقسيمات البعيدة عن جوهر المواطنة بالمعنى المعاصر.



_______________
باحث إستراتيجي ومفكر عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة