ورقة إصلاح الداخل السوري والتدخل الأميركي   
الجمعة 1426/2/15 هـ - الموافق 25/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:59 (مكة المكرمة)، 11:59 (غرينتش)

 

 برهان غليون

أميركا ومشروع الإصلاح
المعارضة والمشروع الأميركي

تعمق إدراك الحاجة إلى الإصلاح والدعوة له بشكل أكبر بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتولي ابنه بشار الحكم. وساهم خطاب الرئيس الجديد نفسه في بث الأمل بوجود إرادة إصلاحية عندما اعترف في حديثه لأول مرة بالمشاكل التي تعاني منها البلاد وطلب من الشعب مساعدته على إيجاد الحلول لها وتكلم عن نفسه بوصفه مواطنا كالآخرين لا مالكا لهم. 

وقد عزز الأمل في الإصلاح اعتقاد قطاعات واسعة من النخبة السورية بصدق نوايا الرئيس الجديد وفتوته واطلاعه على ما يجري في العالم وفي أوروبة خاصة وتأثره به وعدم انغماسه في الفساد أو انخراطه في عملية تقاسم المغانم التي قضت على سمعة الطاقم السياسي الحزبي والحكومي السابق وأجهزت على صدقيته.

لكن الشعور بخيبة الأمل في الإصلاح من داخل النظام لم يتأخر كثيرا في الظهور مع تعثر الإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي أقرها النظام ودفن حملة مكافحة الفساد قبل البدء فيها والقضاء العنيف على ظاهرة المتنديات الفكرية التي نشأت بعد استلام بشار الأسد السلطة وإيداع العديد من قياداتها السجن واستمرار تعقب أجهزة الأمن للآخرين والتنكيل بهم. 

وهكذا، قبل أن تعلن الولايات المتحدة سياستها الجديدة في الشرق، كانت السلطة قد نجحت في تبديد رصيد الأمل الذي بعثه خطاب الرئيس وأعادت المجتمع السوري من جديد إلى  بيت الطاعة وأخضعته لمنطق الحكم الأمني والحرب المعلنة عليه من قبل الأجهزة.

والواقع أنه ما كان لمبادرة الإصلاح الأميركية أن تستحوذ على انتباه الجمهور العربي في سورية أو في غيرها، لو لم تأت في ظرف انعدم فيه الأمل تماما في أي إصلاح داخلي. وهكذا عزا الجمهور لهذه المبادرة أهدافا لم ترسمها لنفسها ولا قدمت أي خطة لتحقيقها وفي مقدمها مسألة الديمقراطية.


أميركا ومشروع الإصلاح

"
من أجل إضعاف موقف المقاومة العراقية، لم تجد الدعاية الأميركية بديلا لإضفاء الشرعية على نشاطها في العراق سوى ربط مشروعها لبسط نفوذها الاستعماري الجديد بمسألة الديمقراطية والحرية

"

وينبغي القول إن واشنطن لم تتحدث عن أي مشروع للإصلاح في البلاد العربية قبل أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وقد تمحور أول مشروع حول التنمية والمرأة والمعرفة ولم يتطرق كثيرا للمسائل السياسية.

ولم يتحول الحديث الضعيف عن ضرورة الإصلاح إلى مشروع أو مبادرة أميركية ثم أميركية أوروبية إلا على أثر المصاعب التي واجهتها الحملة العسكرية الأميركية على العراق عام 2003 واصطدامها بحاجز المقاومة المسلحة العنيفة.

فمن أجل إضعاف موقف هذه المقاومة التي تستمد شرعيتها من الدفاع عن الاستقلال السياسي والثقافي والهوية وفي سبيل قطعها عن محيطها العربي والإسلامي، لم تجد الدعاية الأميركية بديلا لإضفاء الشرعية على نشاطها في العراق سوى ربط مشروعها لبسط نفوذها الاستعماري الجديد في المنطقة بمسألة الديمقراطية والحرية. 

وشكلت الأخيرتان في العقود الثلاثة الماضية من دون شك الهاجس الرئيسي للنخب العربية وللطبقات الوسطى، ولم تنفع أي جهود لا في الحكم ولا في المعارضة في تعبيد الطريق إليهما. 

وقد زاد تركيز الدعاية الأميركية على مسألة الديمقراطية والحرية بمناسبة حملة الانتخابات الثانية التي أعطت الرئيس جورج بوش ولاية رئاسية جديدة.

وقد استخدم الرئيس الأميركي شعار نشر الديمقراطية في البلاد العربية من أجل إيجاد مبررات أخلاقية لحربه في العراق التي أصبحت تثير اعتراضات قوية من قبل الرأي العام الأميركي بسبب تكاليفها البشرية والمادية الكبيرة.

كما حاول من خلاله رد الاعتبار لسياسته الدولية التي اتهمت من قبل حلفاء واشنطن بالتهور والانفرادية والتسلطية واللجوء المفرط للقوة العسكرية. 

تقاطع الإصلاح مع واشنطن
ومن هنا، ومنذ البدء لم تشعر القوى الديمقراطية السورية بأن هناك تقاطعا بين برنامجها وما تطرحه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. 

ولكنها، على العكس من ذلك، شعرت بأن هناك محاولة أميركية للالتفاف على الحركة الديمقراطية العربية الأصيلة واستثمارها لتحقيق مآرب ليس لها علاقة أبدا بالدفاع عن حقوق الفرد العربي وحرياته الأساسية.

فالمشروع الأميركي الحقيقي الوحيد كما هو واضح من سياسة واشنطن في المشرق العربي كافة وليس في فلسطين والعراق فحسب هو انتزاع المنطقة من أيدي نظام عربي إقليمي مهترئ تنظيميا وسياسيا وفكريا لإدراجها في منظومة الإستراتيجية الأميركية العالمية.

وليس للشعارات الديمقراطية من دور هنا سوى تغليف هذا المشروع بغلاف رقيق من الشعارات المحببة إلى الشعوب العربية التي اكتوت خلال عقود بنار الظلم والقهر والإرهاب الداخلي.

إن ما تريده الولايات المتحدة هو دفع المواطن العربي باسم ديمقراطية موهومة إلى مقايضة الوطنية العربية وبرنامجها القائم على تعزيز التعاون والاندماج العربي وتأكيد استقلال المنطقة عن النفوذ الأجنبي ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي والسيطرة الخارجية الغربية، ببرنامج استعماري جديد قائم على مفهوم الشرق أوسطية الكبيرة أو الموسعة.

وذلك ليؤسس سياسيا وإيديولوجيا لتكريس التجزئة العربية واستبدال الحلم العربي الوحدوي بالتبعية المشتركة للولايات المتحدة وقبول الحمايات الخارجية، ويجعل من الاندراج في السوق الاقتصادية الدولية والتعاون مع إسرائيل قاعدة العمل في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الرفاه في المنطقة. 

ومن الواضح أن تحقيق البرنامج الاستعماري الجديد يصطدم بشكل مباشر مع أي برنامج ديمقراطي فعلي بقدر ما يقوم على نزع سيادة الشعوب والحيلولة دون ممارستها حقها في تقرير مصيرها وفرض الوصاية عليها. 

إن ما تدعو إليه المبادرة الأميركية ليس شيئا آخر في الواقع سوى استبدال وصاية النخب الحاكمة الاستبدادية -التي أصبحت مصالحها تتعارض جزئيا أو كليا مع أهداف الإستراتيجية في بناء الإمبرطورية العالمية- بوصاية أميركية.

وليس هناك أي مجال لأن تتماشى التبعية التي يتطلبها الالتحاق بالإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط مع إقرار التعبير الحر عن إرادة الشعوب العربية الذي تتضمنه الديمقراطية والذي يهدد برفض السيطرة الأميركية بالدرجة ذاتها التي تخشاه بها النخب الاستبدادية المحلية.

الديمقراطية ليست مطلبا أميركيا
ومن هنا وبالرغم من الضجيج الكبير الذي تثيره الإدارة الأميركية حول الديمقراطية لم تجعل واشنطن حتى هذه اللحظة، ولا غيرها من العواصم الكبرى من الانتخابات التشريعية أو الرئاسية النزيهة والتنافسية منطلقا أو أساسا للإصلاح المزعوم.

ولم تطالب السلطات القائمة لا في مصر ولا في السعودية ولا في أي دولة عربية أخرى، ومن باب أولى في سورية، بتنظيم مثل هذه الانتخابات كشرط مسبق للتعاون او التعامل معها أو دعمها في تحقيق الإصلاح الاقتصادي أو الإداري.

بل إن الإدارة الأميركية لا تتحدث عن الديمقراطية، حتى بمعناها الشكلي كواجهة لتعددية فارغة من المضمون، بلغة واحدة ولا تطبق المعايير نفسها على جميع بلدان المنطقة.

فهي لا تطالب بتحقيق مزيد من الإجراءات الديمقراطية، أي بتحسين الواجهة التعددية وتوسيع دائرة المشاركة الانتخابية لامتصاص نقمة بعض فئات الطبقة الوسطى والتقليل من الغش والتزوير الفاضح في الانتخابات، إلا الدول العربية التابعة أصلا لمنطقة نفوذها مثل مصر والمملكة العربية السعودية.

أما في البلدان التي تعتبر أنها لم تدخل في دائرة نفوذها كليا بعد مثل ليبيا وسورية فأولوياتها هنا ذات طبيعية إتراتيجية محضة. فهي لا تطالب إلا بتصفية النزاعات الوطنية العربية، حتى تلك الرمزية منها، من دون إثارة أي مشكلة بالنسبة للإبقاء على نظام العسف المطلق القائم.

وهذا هو بالضبط ما يطلبه الأميركيون من سورية. فهم لا يكفون عن تكرار أن عليها التمثل بما قامت به ليبيا. ولم يتحدث مسؤول أميركي واحد عن تغيير نظام حزب البعث القائم أو حتى عن إجراء انتخابات نزيهة ومن باب أولى عن تداول السلطة بل حتى عن توسيع دائرة المشاركة الشعبية في الحكم على مثال ما تطلبه من مصر والمملكة السعودية.

ولم يصدر أي بيان جدي لإدانة سياسات القمع أو للدفاع عن معتقلي الحركة الديمقراطية السورية في سبتمبر 2001. كما لم يكلف مسؤول أميركي سياسي واحد نفسه الالتقاء بأي قطب من أقطاب المعارضة السورية الديمقراطية أو دعوته لأي حوار.

إن كل ما يطلبه الأميركيون من النظام السوري هو التخلي عن أسلحة الدمار الشامل ووقف دعم عمليات المقاومة العربية في فلسطين أو العراق أو لبنان والتطبيع مع إسرائيل من دون مقابل والتعاون الأمني معها ومع واشنطن، أي باختصار التخلي عن ما تبقى من أصداء بعيدة لبرنامج البعث الوطني العربي القديم ورفع الراية أمام الإدارة الأميركية.


المعارضة والمشروع الأميركي

"
إن برنامج المبادرة الإصلاحية الأميركية في سورية وليبيا هو برنامج المصالح الإستراتيجية فحسب، أي التفاهم والتعاون الأمني الواسع بين النظام القائم من جهة وحكومات واشنطن وإسرائيل من جهة ثانية

"

ومن هنا لا أعتقد أن المعارضة الديمقراطية السورية قد استفادت أو أنها يمكن أن تستفيد من الضغط الأميركي المتواصل، لأنه ينصب بالضبط على الجوانب التي تلقى إجماعا عند الراي العام السوري، والتي يستخدمها النظام كتغطية إيديولوجية لسياساته القمعية.

أي الضغط على مسائل الخيار العربي ودعم المقاومة وتوفير وسائل الدفاع والحماية الوطنية بأسلحة تملك الحد الأدنى من الصدقية والحفاظ على الاستقلال الوطني.

وهذا هو الذي دفع ببعض المسؤولين السوريين إلى القول إن على أميركا أن تدرك أن النظام أقرب إليها في مواقفه من المعارضة. وهذا صحيح.

وهو ما يفسر كذلك مقاطعة واشنطن لهذه المعارضة وللشعب السوري عموما وعدم اتخاذ أي موقف يدعم كفاحه الديمقراطي، لا في الماضي ولا في الحاضر.

إن برنامج المبادرة الإصلاحية الأميركية في سورية وليبيا هو برنامج المصالح الإستراتيجية فحسب من دون براقع ولا أصباغ، أي التفاهم والتعاون الأمني الواسع بين النظام القائم من جهة وحكومات واشنطن وإسرائيل من جهة ثانية ولا شيء آخر.

وهذا هو السبب أيضا في أن المعارضة الديمقراطية السورية تجد نفسها على مسافة واحدة من النظام الذي يضطهد شعبه ومن المبادرة الأميركية التي تريد أن تجرد هذا الشعب نفسه من أسلحته المحدودة في مواجهة إسرائيل وتفرض عليه الانصياع والاستسلام الوطني بعد أن فرض عليه النظام الاستسلام السياسي والاجتماعي والمدني وحرمه من كامل حقوقه وحرياته.

وهي تدرك أن تغييب الشعب السوري ومنعه من ممارسة حقه في تقرير مصيره هو نقطة الالتقاء الحقيقية والرئيسية بين نظام الاستبداد الذي لا يزال مقبولا أميركيا كقاعدة للعمل ونظام السيطرة الخارجية الأميركية والإسرائيلية الذي تريد واشنطن فرضه في المنطقة الشرق أوسطية.

وكما أدركت المعارضة الديمقراطية السورية منذ زمن بعيد أن أكثر ما أساء لبرنامج الوطنية العربية ونزع عنه الصدقيه كان الربط بينه ونظام السلطة الاستبدادية الفئوية، فهي تدرك أيضا اليوم أن أكثر ما أساء ويسيء للقضية الديمقراطية في سورية وغيرها من الدول العربية هو ربطها بالعدمية الوطنية والقومية وجعلها بديلا للانتماء العربي أو لاسترجاع السيادة والحقوق الوطنية في الأراضي المحتلة.

وهو ما تهدف إليه الإدارة الأميركية التي تلوح بالديمقراطية لتنتزع السيادة، أي حق الشعوب العربية في التصرف بالمسائل الإستراتيجية وما يساهم في تقرير مستقبلها ومصالحها العليا والبعيدة، تماما كما لوحت السلطة الاستعمارية القديمة بالكتاب المقدس لتنتزع الأرض وملكيتها من الفلاحين السود الفقراء ولتحولهم إلى عبيد.

لكن ذلك لن يغير من إستراتيجيات الحركة الديمقراطية ولن يدفعها إلى المساومة على استقلالها وحرية مبادرتها تجاه الولايات المتحدة وأي دولة أخرى وتجاه النظام الأمني القائم معا.

وهي ستستمر في وضع رهانها على الشعب وتوعيته وتعبئته في سبيل ثورة ديمقراطية سلمية تلغي تغييب الإرادة الشعبية وتضع حدا للعسف الداخلي والخارجي في الوقت نفسه.

وهي لا تعتقد أن التفاهم الأميركي المحلي على إقامة نظم أمنية معدلة، ذات واجهة تعددية شكلية تخفي حقيقة السلطة الفئوية التابعة والمصالح الأجنبية شبه الاستعمارية المتحالفة معها، سوف يثني المجتمعات العربية عن الاستمرار في طريق الكفاح الديمقراطي وعن القدرة على بلورة الرد الشعبي المناسب على إستراتيجيات العزل والتهميش والتلاعب والتغييب المختلفة التي تطورها نظم الاستبداد الداخلية ومنظومات السيطرة الاستعمارية الخارجية معا.

وهي تؤمن بأنه ليس أمام الشعوب خيار آخر سوى العمل بجميع الوسائل وتحت أي ظروف من أجل انتزاع حقها في الحرية والمساواة أي من أجل انتزاع إنسانيتها، وأن ما نعيشه في العالم اليوم وفي المشرق العربي بشكل خاص ليس انتصار مشروع تجديد أسس النظام الاستعماري الاستبدادي القائم ونجاحه في استعادة سيطرته المحلية والإقليمية.

ولكن بالعكس حشرجة هذا النظام وتخبطه في محاولات يائسة لإنقاذ نفسه بعد أن فقد الكثير من مرتكزاته ومبررات وجوده.



_______________
أستاذ علم الاجتماعي السياسي في جامعة السوربون

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة