الرؤية الأميركية للدور السوري في لبنان   
الجمعة 1426/2/15 هـ - الموافق 25/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:05 (مكة المكرمة)، 12:05 (غرينتش)

نجيب الغضبان

ستتناول هذه المقالة بالتحليل الأسباب التي أدت إلى التحول في النظرة الأميركية، بعد عرض تاريخي للعلاقة بين واشنطن ودمشق، وأخيراً تقييم أبعاد هذا التحول.

واشنطن ودمشق: التلاقي في لبنان
التحول الأميركي تجاه سوريا
ما الذي تريده واشنطن؟

واشنطن ودمشق: التلاقي في لبنان

"
إدراك الرئيس السوري لحساسية المسألة اللبنانية بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي جعله يقبل ترتيبات أمنية مع الطرف الإسرائيلي، بوساطة أميركية في أغلب الأحيان

"

ل
م تكن الولايات المتحدة بعيدة عن التطورات السياسية في سوريا منذ استقلالها، فهناك أدلة على أن الدوائر الاستخبارية الأميركية باركت أول انقلاب عسكري قام به حسني الزعيم في عام 1949. 

ثم دخلت سوريا دائرة الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والغربي، بشكل مباشر أو من خلال محاولات القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، إلى أن نجح حزب البعث العربي الاشتراكي في السيطرة على الحكم عام 1963. 

ووصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا كان يعني من وجهة النظر الأميركية انحيازاً سورياً أكبر للكتلة الشرقية، لكنه لم يكن يعني بالضرورة أنه انحياز مبدئي، بقدر ما هو رد فعل للدعم الأميركي لإسرائيل خاصة بعد حرب عام 1967. 

وعندما نجح الجناح المعتدل في حزب البعث، بقيادة حافظ الأسد، من إزاحة الجناح اليساري الذي كان يقوده صلاح جديد، اعتبر هذا تطوراً إيجابياً من منظور واشنطن. 

بداية الاهتمام السوري بلبنان
من الجلي أن الاهتمام السوري بلبنان كان دائماً مرتبطاً بالتطورات الإقليمية، إضافة إلى الشعور العام في سوريا بأن لبنان قد اقتطع من سوريا الكبرى من قبل الاستعمار الفرنسي. 

ومع أن النظام السياسي الطائفي في لبنان كان بطبيعته أكثر انفتاحاً من الجارة السورية، كما كانت صحافته حرة في انتقاد الأوضاع العربية عموماً، فإن ذلك لم يكن يعني أن لبنان يشكل تهديداً أمنياً لسوريا. 

ومع انتقال بعض الفصائل الفلسطينية إلى لبنان، بعيد الحرب الأهلية في الأردن عام 1970، بدأ هذا الأمر يقلق سوريا خاصة مع قيام هذه الفصائل في نقل معركتها ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى الجبهة الشمالية، في الوقت الذي حاول فيه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تأكيد مبدأ استقلالية منظمة التحرير الفلسطينية عن النظم العربية، وهو ما أدى إلى اصطدامه مع القيادة السورية.

وبدأت في منتصف السبعينيات تتشكل الرؤية الإستراتيجية للرئيس الأسد والمتمثلة في تقوية مكانة سوريا إقليمياً وتركيز دورها الريادي في منطقة بلاد الشام.

وساهم في تقوية الدور السوري الإقليمي مشاركتها في حرب عام 1973، وتدفق الأموال النفطية التي مولت الجهود السورية باعتبارها من دول المواجهة.

كما كان الاستعداد السوفياتي لتسليح سوريا في إطار الحرب الباردة عاملاً في بناء القدرات العسكرية السورية. وعلى الرغم من العلاقة التي كانت تربط دمشق بموسكو فإن هذا لم يلغ فكرة التعامل مع واشنطن التي كانت تقود عملية التسوية التي أعقبت حرب أكتوبر/تشرين الأول.

ومع أن الرئيس الأسد كان قد قبل منذ عام 1974 قراري مجلس الأمن 242 و 338، فإن إسرائيل —مدعومة من وزير الخارجية الأميركي كيسنجر- لم تكن معنية بإيجاد تسوية شاملة مع جميع الأطراف، بقدر ما أرادت التوصل إلى طريقة تخرج بها مصر من دائرة الصراع وذلك بالتوقيع على اتفاقية سلام منفرد، وفي هذه الأثناء تفجرت الحرب الأهلية في لبنان.

سوريا طرف بموافقة واشنطن

"
حصلت القيادة السورية على ضوء أخضر من واشنطن لإنهاء التحدي الذي شكله الجنرال ميشيل عون لها في لبنان، مستغلة الدعم الذي تلقاه عون من النظام العراقي

"

شكلت الحرب الأهلية في لبنان تحدياً حقيقياً للرئيس الأسد، خاصة مع انحياز المقاومة الفلسطينية للقوات اليسارية والإسلامية في مواجهة الطرف الماروني. 

التهديد الذي شكلته الحرب الأهلية في لبنان لسوريا تمثل في أمرين:

  1. الأول تخوف القيادة السورية من انتقال الحرب الأهلية إلى سوريا التي تحكمها توازنات طائفية دقيقة.
  2. والثاني تخوف الرئيس الأسد من دخول إسرائيل إلى لبنان، بطلب من القوات المارونية التي بدأت تتراجع أمام القوات الإسلامية والفلسطينية. 

أمام هذا الواقع قرر الرئيس الأسد التدخل العسكري المباشر لوضع حد للاقتتال الطائفي في لبنان ولمنع إنزال هزيمة بالطرف المسيحي. وتم التدخل بغطاء عربي من الجامعة العربية وبقبول ضمني أميركي، خاصة أنه كان لصالح القوات المارونية في بداية الأمر. 

لكن التعقيدات اللبنانية فرضت على القيادة السورية تغيير تحالفاتها، بحيث أصبح أحد أهداف الوجود السوري تثبيت توازن قوى لا يسمح لأي من القوى المتنازعة بحسم المعركة عسكرياً لصالحها. 

إدراك الرئيس السوري لحساسية المسألة اللبنانية بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي جعله يقبل ترتيبات أمنية مع الطرف الإسرائيلي، بوساطة أميركية في أغلب الأحيان. وحتى عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان عام 1982، حاولت القيادة السورية تجنب معركة غير متكافئة مع القوات الغازية، الأمر الذي ترك القوات الفلسطينية واللبنانية الوطنية مكشوفة في مواجهة الآلة الحربية الإسرائيلية. 

وفضلت القيادة السورية فيما بعد الدفاع عن مصالحها من خلال حلفائها اللبنانيين، خاصة بعد أن قامت إسرائيل بفرض اتفاقية سلام على الحكومة اللبنانية عام 1983.  وبالفعل فقد نجحت الحكومة السورية وحلفاؤها اللبنانيون في إسقاط هذه الاتفاقية. 

هذا التصادم في المصالح الإسرائيلية السورية أثناء عقد الثمانينيات كان له أثره على الرؤية الأميركية للدور السوري باعتبار أن واشنطن كانت أقرب دوماً للطرف الإسرائيلي، لكن من دون أن يعني ذلك تدخلاً أميركياً مباشراً ضد سوريا، حتى عندما تمت مهاجمة قواتها من قبل حلفاء سوريا. 

دمشق وواشنطن: يدا بيد
ومن المفارقات أن يكون الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، الفرصة التي يتخذها الرئيس الأسد للانضمام إلى التحالف الذي قاده الرئيس جورج بوش الأب ضد صدام حسين. 

قرار الرئيس الأسد إرسال قوات سورية، ضمن قوات التحالف، حقق عدة أهداف. 

  • أولها أنه نجح في الخروج من العزلة الإقليمية التي كان فيها مع آواخر الثمانينيات. 
  • ثانياً حصلت سوريا على مساعدات مالية سخية من قبل السعودية والكويت مقابل هذا الموقف. 
  • وأخيراً حصلت القيادة السورية على ضوء أخضر من واشنطن لإنهاء التحدي الذي شكله الجنرال ميشيل عون لها في لبنان، مستغلة الدعم الذي تلقاه عون من النظام العراقي. 

وهكذا عادت المصالح السورية والأميركية إلى الالتقاء في الحالة اللبنانية، خاصة مع الترتيبات التي رعتها سوريا والسعودية والتي أثمرت في توقيع اتفاق الطائف عام 1989، لتضع بشكل رسمي نهاية للحرب اللبنانية.


التحول الأميركي تجاه سوريا

"
سواء كان لبعض الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية دور في اغتيال الحريري أم لا، فإن سوريا ستدفع ثمن جميع أخطائها في لبنان، خاصة تلك المرتبطة بسوء إدارة الأجهزة الأمنية للشأن اللبناني

"

ومع أن عقد التسعينيات بدأ بانطلاق عملية السلام التي شاركت فيها سوريا منذ اللحظة الأولى ورعتها واشنطن، فإن ذلك لم يكن ليتناقض مع دعم سوريا لحزب الله الذي قاد عملية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. 

الدعم السوري لحزب الله رافقته فكرة ارتباط المسارين السوري واللبناني، بمعنى أنه لا يمكن أن يتم التوقيع على اتفاق سلام منفرد لدولة من دون الأخرى. 

وبما أن القيادة السورية كانت قد اتخذت قراراً بعدم فتح جبهة مع إسرائيل من خلال الجولان المحتل، فقد وجدت في المقاومة اللبنانية ورقتها الرئيسية في الضغط على إسرائيل لاستعادة أراضيها المحتلة. 

ولم يكن هذا الأمر غائباً عن الإدارات الأميركية المتعاقبة التي لم تكن ترى فيه تهديداً لمصالحها طالما بقي الأمر ضمن هذا الإطار، وبقيت سوريا جزءاً من عملية التسوية السلمية المحددة بالقرار 242.

بداية التحول الأميركي
ولكن التحول الأميركي تجاه الدور السوري في لبنان بدأ يتبلور مع ربيع عام 2000، بفعل تطورات وعوامل عديدة. 

  1. أول هذه العوامل، الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.  فعلى الرغم من أن هذا الانسحاب جاء نتيجة للتكلفة العالية التي دفعها الجيش الإسرائيلي أثناء عقد التسعينيات، فإنه كان ذريعة لإسرائيل ولبعض الأطراف اللبنانية لتطالب بانسحاب سوري مماثل. 
  2. العامل الثاني تمثل في تنامي المعارضة المسيحية للوجود السوري في لبنان والتي اتخذت صورة التظاهرات الداخلية، خاصة بعد وفاة الرئيس الأسد واستلام ابنه بشار للحكم في سوريا.  والصورة الأخرى للمعارضة كانت الدور الذي لعبه الزعماء اللبنانيون في المنفى، خاصة ميشيل عون في إقناع الأوربيين والأميركيين بضرورة هذا الانسحاب. 

وعموماً، فقد استغلت الحكومة السورية بعض التطورات الإقليمية والدولية ومنها انفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية ووصول شارون للحكم في إسرائيل وأخيراً أحداث سبتمبر/أيلول عام 2001 كمبررات لتأجيل اتخاذ خطوات حاسمة بشأن الوجود العسكري والأمني، ما خلا بعض الخطوات الرمزية المتمثلة في إعادة انتشار بعض القوات السورية داخل لبنان.

أحداث سبتمبر: من ليس معنا ضدنا
ويمكن رد التغير في نظرة واشنطن للدور السوري في لبنان –بشكل  رئيسي- إلى الآثار التي تركتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على رؤية الإدارة الأميركية للمنطقة العربية، وبعد تبني إدارة الرئيس بوش الابن لإستراتيجية الحرب على الإرهاب، وخاصة بعد نجاح أصدقاء وحلفاء إسرائيل في واشنطن في تصوير المقاومة الفلسطينية واللبنانية على أنها شكل من أشكال الإرهاب. 

وكانت الحكومة السورية قد اعتقدت أن المعلومات الاستخبارية والأمنية التي قدمتها للحكومة الأميركية بعيد هجمات سبتمبر/أيلول، ستكون كافية لعدم التعرض لها ولمصالحها. 

لكن تطورات الحرب على الإرهاب وتحديد العراق على أنها الهدف الثاني لهذه الحرب، في وقت كانت فيه العلاقات السورية العراقية قد شهدت تطوراً ملحوظاً، دفعت إلى تناقض في المصالح بين البلدين. 

ومع مضي إدارة الرئيس بوش في الحرب على العراق، بدأت تلك الإدارة توجيه الاتهامات إلى سوريا بأنها لا تعارض هذه الحرب فقط، بل إنها تفتح حدودها أمام المقاومين و"الإرهابيين". 

ترافق هذا التطور مع قيام أصدقاء إسرائيل وحلفائها بربط المنظمات الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو وحزب الله بالإرهاب. 

وبفعل هذين العاملين، مقرونين بنشاط للوبي المسيحي اللبناني، أقر الكونغرس الأميركي قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان عام 2003. 

الاستخفاف السوري

"
تبني إدارة الرئيس بوش لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط كإحدى وسائلها الرئيسية في الحرب على الإرهاب يجعل من النظام السوري أحد أهم المرشحين لامتحان هذه الإستراتيجية

"

رد الفعل السوري المستخف بجدية التحول في الرؤية الأميركية للدور السوري ساهم بدوره في تدهور العلاقة بين واشنطن ودمشق. 

 فمع إصرار دمشق على التمديد للرئيس لحود مدة ثلاث سنوات، رغم معارضة أغلبية اللبنانيين ونصيحة باريس لدمشق بعدم المضي في الأمر، نقلت إدارة بوش ضغطها على سوريا مدعومة من الحكومة الفرنسية إلى مجلس الأمن، حيث نجحت في تمرير القرار 1559 الذي يدعو أحد بنوده إلى سحب الجيش السوري فورا من لبنان.

ثم جاءت عملية اغتيال رفيق الحريري كالقشة التي حسمت موضوع الوجود العسكري السوري في لبنان. 

ومع أن المنطق السياسي لا يؤيد أن يكون لسوريا أي مصلحة في اغتيال الحريري، فإن قيام المعارضة اللبنانية بتوجيه أصابع الاتهام لسوريا، والطريقة المرتبكة التي تعاملت بها سوريا والسلطة اللبنانية مع هذا الأمر لم يساعدا على إقناع العالم -وبالطبع واشنطن- ببراءتهما. 

وسواء كان لبعض الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية دور في اغتيال الحريري أم لا، فإن سوريا ستدفع ثمن جميع أخطائها في لبنان، خاصة تلك المرتبطة بسوء إدارة الأجهزة الأمنية للشأن اللبناني.


ما الذي تريده واشنطن؟

أما الولايات المتحدة فتريد من الحكم في سوريا تنازلات في كل الملفات: العراقية والفلسطينية واللبنانية بالتأكيد، وليست في معرض المفاوضة حول هذه الأمور، خاصة وأنها تعلم علم اليقيين أن أغلب الأنظمة العربية مستعدة للتنازل عن كل شيء، طالما كانت هذه التنازلات لا تؤثر على بقائها في الحكم. 

الأمر في الحالة السورية قد يكون أكثر تعقيداً، إذ أن طبيعة النظام التسلطية تجعله عرضة لارتكاب أخطاء فادحة كما برهن عليه في طريقة إدارته للشأن اللبناني مؤخراً، وهذا ما قد يفتح شهية الإدارة الأميركية لتبني موضوع تغييره، خاصة أنه لا يزال يحكم باسم الحزب ذاته —البعث- الذي تم اتخاذ قرار بحرمانه من المساهمة في الحياة السياسية العراقية. 

كما أن تبني إدارة الرئيس بوش لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط كإحدى وسائلها الرئيسية في الحرب على الإرهاب يجعل من النظام السوري أحد أهم المرشحين لامتحان هذه الإستراتيجية. 

النظام في سوريا أمامه فرصة تاريخية، قد تكون الأخيرة، ليحصن نفسه ويزيد من مناعته ويحمي بلده من الانهيار وذلك بالاستقواء بشعبه، من خلال حل لم يجربه الحكام البعثيون، ألا وهو النظام الديمقراطي.



________________
أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا، الولايات المتحدة 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة