المعارضة الكويتية.. أداؤها.. نجاحاتها.. إخفاقاتها   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

إحدى جلسات مجلس الأمة الكويتي ويظهر في الصورة بعض أقطاب المعارضة

د. عبد الرزاق الشايجي

تكثر في الشارع السياسي الكويتي تعبيرات النائب الحكومي أو الصحيفة الحكومية، ويبدو أن تداول هذه المفردات يعكس حالة من عدم الرضا لمن يتبعون النهج الحكومي أيا كان نوعه، يقابلها إعجاب كبير بالأصوات المعارضة.

ويمكن رصد هذه الحالة السياسية سواء في ندوات بعض الدواوين أو عبر الحضور المكثف للجماهير في مجلس الأمة عند مناقشة أحد الاستجوابات.

وإن كانت الاستجوابات أداة دستورية للنائب في مساءلة الحكومة نتابعها في كل برلمانات العالم، فإن للاستجواب في مجلس الأمة الكويتي نكهة خاصة، فهو يحظى باهتمام إعلامي لا يقل عن الاهتمام باستقالة أو إعادة تشكيل أي حكومة، ولا ينبع هذا الاهتمام إلا من الانتماء إلى تيار المعارضة بغض النظر عن توجهه سواء أكان إسلاميا أو ليبراليا.

وتاريخ المعارضة في الكويت نشأ مع استقلالها ولازم وجودها كدولة مستقلة منذ 1962، فقد شهد المجلس التأسيسي ولادتها وإن ظلت متفرقة أو يمكن تصنيفها بالمعارضة العشوائية السياسية.


عكس الواقع في الكويت نظاماً سياسياً من ملامحه موجات الصدام التي تحدث أحيانا بين كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية منذ أول تجربة برلمانية عام 1938 التي شهدت حل المجلس التشريعي نتيجة الاختلاف بين الحاكم والمجلس على الصلاحيات والسلطات

ولادة المعارضة
بين مد وجزر سارت المعارضة، وقد بلغ الأمر ذروته في 1976 حين حل مجلس الأمة لتشهد الدواوين الولادة الفعلية لقوى المعارضة التي ظلت متفرقة ولكنها مجتمعة على انتقاد الخطوات الحكومية بشكل أفرز تنظيمها لا سيما مع بروز أكبر قوى المعارضة وهي المعارضة الإسلامية في 1981 والتي باتت تشكل منذ ذلك العام وحتى اليوم هاجساً للحكومة تعمل له ألف حساب سواء بدعم مرشحين منافسين للمرشحين الإسلاميين، أو الدفع بأكبر عدد من الحكوميين ليظل القرار في يد الحكومة اعتماداً على أعضائها والموالين لها.

بولادة المعارضة الإسلامية في 1981 بدأ مجلسا 1996 و1999 يشهدان نوعاً من المعارضة وهي القبلية والتي ما زالت تؤكد أنها تتفاعل مع النسيج المجتمعي حيث تلعب القبيلة الدور الجوهري في تحديد وتسمية المرشحين في انتخابات المجلس البلدي او مجلس الأمة.

بروز المعارضة على هذا النحو وارتباطها بالمجالس النيابية منذ استقلال الكويت أدى إلى عناصر مهمة هي:

  1. بروز تكتلات سياسية وإطلاق مسميات عليها رغم أن الكويت لا تعترف أو تقر أو تسمح بنظام التحزب.
  2. وجود خطاب إعلامي قوي ينادي بحرية إشهار الأحزاب وهذا الخطاب كان إفرازاً لتعدد التكتلات السياسية بين إسلامية وليبرالية ثم مستقلة وقبلية.
  3. بروز أسماء شخصيات فعالة ارتبطت أسماؤها بأنها معارضة سواء إسلامية أو ليبرالية.

ومع بروز قوى المعارضة وتعامل الخطاب الإعلامي بمسمياتها، برزت ظاهرة التناصر السياسي بين المعارضة والمعارضة، سواء عن طريق التربص ببعضهما بعضا داخل مجلس الأمة، أو الهجوم المتبادل في وسائل الإعلام. ورغم أن الحكومة هي المستفيد الأول من حالة تناحر المعارضين، فإنها لا تمانع في مد يدها أحيانا لدعم تيار على حساب آخر.

أداء المعارضة
باستثناء بعض المعارك الصحفية أو ما يجري في الندوات داخل الدواوين لا تبرز قوة المعارضة في الحياة السياسية الكويتية إلا عبر الاستجوابات التي تحظى باهتمام إعلامي يرى كثير من المراقبين أنه اهتمام مبالغ فيه على اعتبار أن جميع برلمانات العالم تشهد استجوابات مماثلة ولا ينشر نص الاستجواب كما تنشره الصحف الكويتية، ولا يعقد المؤيدون والمعارضون للاستجواب عشرات الندوات لتوضيح وجهة نظرهم مثلما يحدث في الكويت.

وقد شهدت الحياة النيابية استجوابات مهمة منها استجواب الإسلاميين للشيخ سعود الناصر الصباح وزير الإعلام الذي أدى إلى سقوط الحكومة، كذلك استجواب التكتل الشعبي لوزير المالية الليبرالي يوسف الإبراهيم الذي أدى إلى استقالة الوزير، كما تسبب استجواب النائب الشيعي عباس الخضاري لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد الكليب "السفير الكويتي لدى القاهرة حالياً" إلى استقالة الحكومة أيضاً.

وفي المقابل هناك استجوابات فشلت فشلاً ذريعاً ومنها استجواب ناصر الروضان، واستجواب النائب الشيعي حسين جوهر لوزير التربية د. مساعد الهارون، واستجواب النائب الشيعي حسين القلاف لوزير الشؤون الاجتماعية طلال العيار، واستجواب النائب الليبرالي عبد الله النيباري لوزير شؤون مجلسي الوزراء والأمة ضيف الله شرار.

نجاحات المعارضة


  1. باستثناء بعض المعارك الصحفية أو ما يجري في الندوات داخل الدواوين لا تبرز قوة المعارضة في الحياة السياسية الكويتية إلا عبر الاستجوابات التي تحظى باهتمام إعلامي يرى كثير من المراقبين أنه اهتمام مبالغ فيه
    إسقاط مرسوم يمنح المرأة حقوقها السياسية، وقد سقط المرسوم بموافقة 21 صوتا ومعارضة 41 في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 1999.
  2. التصويت على منع الاختلاط بالجامعات الخاصة بموافقة 29 ومعارضة حكومية بلغت 25 مع امتناع نائب عن التصويت.
  3. التصويت على مشروع قانون دعم العمالة وعلاوة لخمسة أولاد حيث وافق عليه المجلس بأغلبية 33 صوتا ومعارضة 23 وامتناع نائب واحد.
  4. التصويت على تجنيس ألفي شخص سنوياً بموافقة 31 صوتا واعتراض ثمانية وامتناع أربعة، وذلك في جلسة 18 يونيو/ حزيران 2001.
  5. التصويت على السقف المفتوح لعلاوة الأولاد في 27 يناير/ كانون الثاني 2003 حيث وافق عليه 28 وعارضه 17، وفي 15 أبريل/ نيسان 2003 وافق 35 نائبا على قانون منح العلاوة لسبعة أولاد وهو ما تعتبره المعارضة أحد أهم إنجازاتها على صعيد القضايا المحلية.

إخفاقات المعارضة
ومقابل نجاحات المعارضة التي تمثلت في تمرير عدد من القوانين على غير رغبة الحكومة، أو إسقاط الحكومة "مرتين" أو استقالة بعض الوزراء، فهناك إخفاقات عديدة لها منها:

  1. فشلت المعارضة في الحصول على الأغلبية عند التصويت على اقتراح قانون لتعديل قانون المعاشات التقاعدية في 20 يونيو/ حزيران 2001 بفارق ثلاثة أصوات.
  2. فشلت عند التصويت على قانون زيادة سن تقاعد المرأة إلى 45 عاماً، حيث تمكنت الحكومة من الحصول على 37 صوتاً مقابل 18 للمعارضة.
  3. فشلت في تمرير اقتراح قضى بزيادة معاشات المتقاعدين 100 دينار حيث تمكنت المعارضة من الحصول على 26 صوتاً مقابل 27 ضد الاقتراح.
  4. وإزاء التظاهرات اللبنانية وما جرى في الشارع اللبناني طالبت المعارضة بسحب الوديعة الكويتية من مصارف لبنان، لكنها فشلت في الحصول على الأغلبية بصوت واحد، حيث بلغت أصوات المعارضة 19 مقابل 20 دعمت وجهة نظر الحكومة الرافض لسحب الوديعة.
  5. وكتفاعل مع تداعيات الحرب على العراق، اقترحت المعارضة ربط قروض صندوق التنمية الكويتي بشروط، ولم تحظ المعارضة إلا بـ24 صوتاً مقابل 28 ليسقط الاقتراح ويمثل أحد إخفاقاتها.

أسباب الإخفاق

محطات النجاح والفشل برزت كمعالم في السنوات الأخيرة بعد ظهور ملامح تجمعات سياسية إسلامية أو ليبرالية أو قبلية، ويمكن القول إن المعارضة الكويتية ستظل تراوح مكانها ما لم تتحول هذه التجمعات إلى تنظيمات سياسية
بخلاف عدم تنظيم المعارضة وعدم وجود إطار سياسي يجمع المنتمين إلى تيار واحد واستمرار ظاهرة المعارضة لأسباب شخصية، هناك أمر مهم ساهم في وجود شروخ في جدار التجربة الديمقراطية منها واقع النظام السياسي الذي يعتبر من الأنظمة المعاصرة القليلة التي تنطبق عليها النظرية التقليدية في تطور نظام الحكم، وقد تطور هذا النظام عبر موافقة مجتمعية مكنت السلطة الحاكمة (الأسرة) من تحقيق استقرار سياسي طويل الأمد لاقتناع الكويتيين بأهمية استمرار حكم "أسرة الصباح" ضمانا للاستقرار في المجتمع. وإجمالاً يمكن إرجاع أسباب هيمنة السلطة التنفيذية إلى العوامل التالية:

  1. التحالف التاريخي بين كل من السلطة الحاكمة والنخب التقليدية ومن أهمها النخب التجارية والقبلية، فقد لجأت النخبة الحاكمة إلى مباركة هذا الاقتران الذي نتج عنه تحقيق حد أدنى من الديمقراطية داخل هذه الشرائح عبر ما أسماه البعض "بالديمقراطية القبلية" التي عكست الانتخابات الفرعية في الكويت أحد أبعادها والتي جُرّمت بقانون وعادت في هذه الانتخابات بقوة.
  2. أسهم الإنفاق الحكومي في تعاظم مركزية السلطة الحاكمة وضمان هيمنتها على صنع القرار.
  3. لجأت السلطة الحاكمة في كثير من الأحيان إلى محاولة احتواء المعارضة وعقد تحالفات مؤقتة معها على حساب القوى الأخرى بما يضمن لها اليد الطولى في إدارة دفة الأمور.
  4. حرصت الأسرة الحاكمة على أن يتولى أفرادها وزارات السيادة وعدداً من المناصب الهامة، وفي سبيلها لتحقيق ذلك استندت إلى آليتين:

الأولى: عدم الفصل بين ولاية العهد ورئاسة الوزراء، فرغم عدم نص الدستور الكويتي على هذا الجمع فإن الواقع السياسي فرض الجمع بين المنصبين مع ما يعنيه ذلك من رجحان كفة السلطة التنفيذية خلافاً للمنطق الدستوري الذي يؤكد التوازن بين السلطات.
الثانية: تغليب الوزارة غير البرلمانية -أي تلك التي لا يكون معظم أعضائها من أعضاء البرلمان المنتخب- على الوزارة البرلمانية.

ولعل في متابعة مسيرة العمل السياسي وتقليب صفحات التجربة الدستورية في الكويت ما يلقي مزيداً من الضوء على هذا الخلل، فقد عكس الواقع نظاماً سياسياً من ملامحه موجات الصدام التي تحدث أحيانا بين كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية منذ أول تجربة برلمانية عام 1938 التي شهدت حل المجلس التشريعي نتيجة الاختلاف بين الحاكم والمجلس على الصلاحيات والسلطات.

أسباب إخفاق المعارضة لا تعني ركون المعارضة الكويتية واستسلامها للواقع الذي وجدت فيه، لأنه بالنظر إلى تاريخ الحياة البرلمانية نجد أن فترات الركود السياسي تعقبها حالات من تصاعد الانتقادات بما يدفع بالحكومة إلى حل مجلس الأمة، وقد طرح حل مجلس 1999 غير مرة في ظل تصاعد الظروف الإقليمية حول الكويت وإصرار بعض النواب على استجواب بعض أعضاء الحكومة، وإن كانت تهديدات الحكومة بالحل لم تصل إلى حد التنفيذ فإن المراقبين يتوقعون مجلس أمة وصفوه بـ"المصيري" انطلاقاً من أمرين:

أولاً: قضايا شعبية متراكمة لها تداعيات كثيرة على الوضع الداخلي مثل الإسكان والتوظيف.
ثانياً: الظروف الدولية المقبلة التي من بينها مطالبة الولايات المتحدة باعتماد نموذجها الرأسمالي، وعدم منح الشركات الكويتية ميزة عند التقدم للمشروعات الاستثمارية، ووقف السياسات التمييزية ضد المرأة، والسعي نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهذه القضايا من شأنها الدفع لجهة تأزم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وإذا كانت محطات النجاح والفشل برزت كمعالم في السنوات الأخيرة بعد ظهور ملامح كتل سياسية إسلامية أو ليبرالية أو قبلية، فإن المعارضة الكويتية ستظل تراوح مكانها ما لم تتم بلورة هذه التكتلات في تنظيمات سياسية.
_________________
كاتب ومحلل سياسي كويتي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة