الأمازيغية بالمغرب.. رؤية حزب العدالة والتنمية   
الأحد 26/10/1426 هـ - الموافق 27/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)

سعد الدين العثماني

ظروف النشأة
الأمازيغية وحزب العدالة والتنمية
نحو نظرة متوازنة ومنصفة

شهد موضوع الأمازيغية بالمغرب بروزا منذ حوالي عقدين من الزمان في سياق التحولات المتسارعة التي يعيشها متفاعلا مع التطورات العالمية، تطورات العولمة وما فتحته من نقاش حول التعدد الثقافي واللغوي ونهوض عدد من المكونات الثقافية والعرقية طالها التهميش من قبل. وقبل أن نتوقف عند محددات الموقف الذي نقترحه من المسألة الأمازيغية، نستعرض أولا مسار نشأة الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب. 

ظروف النشأة

"
بعد انتشار الوعي القومي العربي الحديث بالمغرب تولد رد فعل طبيعي ومشروع لدى الأمازيغ بالاعتزاز بالانتماء الأمازيغي
"

يقوم بعض الكتاب بربط ظهور الحركة الثقافية الأمازيغية بالمحاولات الاستعمارية القديمة بزرع التفرقة بين "العرب والبربر" في المغرب. صحيح أن سلطات الحماية الفرنسية قد راهنت إبان مرحلة الاستعمار على سلخ الأمازيغ عن وطنيتهم وعن عقيدتهم. وهكذا بدأ منظروه مبكرا العمل على وضع يقوم على تقابل حاد بين أمازيغ المغرب وعربه. أذكر هنا مثلا بنص واحد فقط من النصوص الغزيرة في هذا المجال، وفيه يقول السيد دومونبيين R. Gaude froy Demombine في كتابه "العمل الفرنسي في مجال التعليم" وهو يصف السياسة الفرنسية بالمغرب: "وفي سنة 1923 فقط أصبحت لنا سياسة بربرية في مجال التعليم، وتقوم هذه السياسة أساسا على إجراء فصل مصطنع للسكان البربر عن السكان العرب ..."(1)

لكن الأمازيغ كانوا أول من قاوم هذه السياسة الاستعمارية، كما قاومها مجموع الشعب المغربي بتحريض من علمائه ونخبه السياسية. لذلك كان مآلها الفشل الذريع.

أما الحركة الثقافية الأمازيغية فهي حديثة النشأة. فإذا استثنينا بعض المحاولات الفردية فإن أول جمعية ذات تأثير أنشئت للاهتمام باللغة والثقافة الأمازيغيتين هي "الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي"، وكان ذلك سنة 1967. وهي جمعية لها بلاء حسن في الموضوع، ولا يزال لها وزنها وإسهامها فيه. وتنبع جذور نشأة الحركة الثقافية الأمازيغية -في رأينا- من واقع المجتمع المغربي ذاته، وذلك نتيجة عدد من الأسباب نذكر هنا أهمها.

  1. أولا: ضعف -وأحيانا غياب- الاهتمام باللغة الأمازيغية وثقافتها وأهلها. وهو ما يظهر من مكانتها المحدودة جدا في التعليم والإعلام وبرامج الثقافة الرسمية. وهو أمر تكرس بعد الاستقلال سنة 1956 تأثرا بالدعوات المسيطرة آنذاك على الساحة العالمية والإقليمية. وذلك مثل الماركسية التي هي أممية بطبعها مهمشة للأقليات والثقافات. وقد كان التيار اليساري ذا صولة في المغرب طيلة تلك الفترة. وينطبق الأمر نفسه على التيار القومي العربي الذي كان لفكره تأثير مقدر على نخب المرحلة أيضا.
  2. ثانيا: وجود مظاهر التهميش المادي والاجتماعي للمناطق ذات الأغلبية الأمازيغية بالمقارنة مع باقي المناطق. وهو ما تبرزه المقولة المعروفة بأن هناك مغربا نافعا ومغربا غير نافع. صحيح أن الأمر يتعلق بامتيازات لسكان المركز ونخبه على حساب الهوامش والمناطق النائية، وهي مناطق منها ما ينطق بالعربية أيضا، لكن الأغلب الساحق منها ينطق بالأمازيغية.
  3. ثالثا: لكنَّ هناك سببا آخر ثالثا هو انتشار الدعوة إلى القومية العربية الحديثة في القرن الماضي. فقد غزت السوق المغربية كتابات ومجلات تمجدها، وتبناها بعض السياسيين. وتحولت لديهم إلى "انتماء" وإلى أيديولوجيا تعبوية في مقابل قوميات أخرى. فتولد رد فعل طبيعي ومشروع بالاعتزاز بالانتماء الأمازيغي،

    ولسان حال الكثيرين يقول: الإسلام دينا جامعا نعم، أما القومية المفروضة فلا.

إن هذه الأسباب لا تمنع من الاعتراف بأن بعض الجهات حاولت أن تقوم بتوظيف أيديولوجي للمسألة الأمازيغية. لكن

وجودها لا يمنع من الاعتراف بالجوانب الإيجابية للإحياء


الثقافي واللغوي الذي بوشر منذ حوالي عقدين من الزمان.

الأمازيغية وحزب العدالة والتنمية

"
تضم الحركة الإسلامية بالمغرب عددا كبيرا من ذوي الأصول الأمازيغية، وأغلبهم ينطقونها بطلاقة والكثير منهم يتبوأ مواقع قيادية فيها
"

على الرغم من أن موضوع الحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية كان حاضرا لدى الحركة الإسلامية في المغرب، وخصوصا أنها بعيدة عن أي توجه قومي عروبي، لكن بلاءها في الموضوع لا يمكن أن يكون مثل جمعيات أو جهات متخصصة. كما أنها لا يمكن أن تجاري -باحترافية- دفاع الحركات الحقوقية المتخصصة عن حقوق الإنسان، على الرغم من أنها تتوق لتقوم بدور رئيس في ذلك. إلا أن هذا المعطى لا يمنع من الإقرار بأنه من الضروري باستمرار العمل على تطوير اهتمام الحركات السياسية عموما والحركة الإسلامية بالخصوص بموضوع حيوي مثل هذا وفق مقاربة متكاملة تروم الإنصاف والتوازن، وإسهاما في تحصين الوحدة الوطنية وتمتين البنيان الاجتماعي. ويتأكد هذا إذا علمنا أن الحركة الإسلامية تضم بين أعضائها عددا كبيرا من ذوي الأصول الأمازيغية، وأغلبهم ينطقون بها سليقة وبطلاقة. كما أن كثيرين منهم يتبوؤون اليوم مواقع قيادية فيها.

ولقد كانت بداية الاهتمام طيلة عقد الثمانينيات بانتشار فرق فنية تنشد بالأمازيغية في بعض مدن منطقة سوس من قبل جمعيات تابعة لجمعية الجماعة الإسلامية آنذاك (أصبح اسمها حركة الإصلاح والتجديد سنة 1991 ثم حركة التوحيد والإصلاح سنة 1996). ثم قام طلبة جمعية الجماعة الإسلامية في نفس الفترة، وخاصة بجامعة ابن زهر بأغادير، بتأسيس فرقة فنية أمازيغية. وبدأ رفع شعارات طلابية باللغة الأمازيغية حول القضية الفلسطينية كما تم تشجيع البحوث الجامعية لفهم أبعاد الظاهرة، وأصدر الجمع العام الطلابي في صيف 1991 توصية داخلية تقضي بالتعاطي الإيجابي مع البعد الثقافي. 

أما في عقد التسعينيات فقد نضجت المسألة أكثر بتنظيم مهرجانات ثقافية أمازيغية في منطقة الأطلس المتوسط. وأصدرت مجلة الفرقان ذات العلاقة بحركة التوحيد والإصلاح عددا خاصا في موضوع "الحركة الأمازيغية بين الذات والاستلاب"، وتم الانفتاح فيه على عدد من نشطاء الحركة الأمازيغية وكذا مخالفيهم، وقدم الأبعاد المميزة للموقف الحركي الإسلامي بالمقارنة مع مواقف التيارات القومية أو الأمازيغية، ويمكن اعتباره بمثابة التأطير النظري لخيار التعامل الإيجابي.

ولما دخل حزب العدالة والتنمية مرحلته الجديدة بانتماء أعضاء من حركة التوحيد والإصلاح، تعززت المواقف الإيجابية السابقة والمعروفة لمؤسسه الدكتور عبد الكريم الخطيب بالحضور المستمر للدفاع عن الحقوق الثقافية الأمازيغية في أدبياته وعمله السياسي والبرلماني، وخصوصا الأسئلة الكتابية والشفوية والمناقشات البرلمانية الموجهة للحكومة. ودافع بقوة عن توسيع حضور الأمازيغية في التعليم والإعلام والساحة الثقافية. لكن بقيت نقطة ضعف تتمثل في عدم حسم الحزب لحد الساعة موقفه حول التنصيص على الأمازيغية في الدستور، وهو مطلب للحركة الثقافية الأمازيغية، على الرغم من أن الدكتور عبد الكريم الخطيب -الرئيس المؤسس للحزب- كان قد اتخذ منذ

حوالي عشر سنوات موقفا واضحا يدعو إلى الإسراع بذلك.

نحو نظرة متوازنة ومنصفة
"
يجب عدم مناقضة خطاب تنمية الأمازيغية مع ما هو عربي أو إسلامي، لأن حقيقة الأمازيغ عبر التاريخ أنهم أول المدافعين عن الإسلام
"

أما من الناحية التصورية فإننا نرى أن الموقف الأصوب يروم بناء نظرة متوازنة ومنصفة تقوم بالأساس على المعالم التالية:

  • إن الإحياء اللغوي والثقافي ومعالجة التهميش التي تعانيه الأمازيغية في مجالهما أمور لا ينبغي أن يتحفظ عليها أحد، بله أن يعارضها، ورغم أنه قد تمت فيه منذ عقود من الزمن جهود مشهودة ومشهورة، فإن المشوار لا يزال طويلا. فتكريم الإنسان الأمازيغي لا يتم إلا بإحياء لغته وثقافته، لا بمصادرتهما، ضمن منظور التكريم العام للإنسان.

    كما أن إحياء التراث الثقافي الأمازيغي هدف مشروع، بوصفه إرثاً حضارياً للمغرب ولكل المغاربة، ومن مكونات ذاكرتهم التاريخية، وحتى تكون الأمازيغية رافدا من روافد النهوض الحضاري في المغرب. فالاعتراف بالمكونات اللغوية والثقافية في أي شعب وبلد وإفساح مجال الفعل والتفتح لها، شرط أساس لبناء مستقبل يملك القدرة على مواجهة التحديات. وإن أخذ هذا الأمر بالجدية اللازمة هو الذي يمكن أن يجعله عنصرا من عناصر الوحدة والتوافق، لا عاملا من عوامل التوتر والتفرق.

    لكن بالمقابل يجب عدم تقديم قضية تنمية الوضع العام للأمازيغية ضمن خطاب يناقض كل ما هو عربي أو إسلامي، لأن حقيقة الأمازيغ عبر التاريخ أنهم أول المدافعين عن الإسلام، وأول من نشر العربية في المغرب وفي مناطق أخرى شاسعة من أفريقيا الغربية. وما ذكرى طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين والمهدي بن تومرت وأبي الحسن اليوسي وعبد الكريم الخطابي والمختار السوسي... والآلاف من العظماء والعلماء على امتداد القرون الماضية إلا دليل على ذلك.

    وإذا كان الأمازيع قد عرفوا طيلة تاريخهم الطويل بحب الحرية والتعلق بها، وبدفاعهم المستميت عن حقوقهم حتى سموا بذلك، لأن اسم "أمازيغ" يعني الحر، فإن مجيء الإسلام أضاف إلى ذلك عناصر أخرى جعلت المغرب يعرف نهضة حضارية متواصلة واستقلالا سياسيا عبر تاريخه. ومن هنا جاءت دول المرابطين والموحدين والمرينيين التي كان مؤسسوها أمازيغ أقحاحا. كما أن المجتمع الأهلي الأمازيغي عرف العديد من المبادرات والإبداعات في مختلف مناشط الحياة، تخدم نشر الإسلام وتعليمه داخل المغرب وخارجه.
  • "
    الثقافة المغربية هي نتاج التفاعل المستمر بين الإنتاج المعرفي والفكري المكتوب باللغتين العربية والأمازيغية

    "
    إن موقف الإسلام من التعدد اللغوي والثقافي واضح بين. فهو ليس دينا يسعى لمحو خصوصيات الشعوب وإبادة ثقافتها، بل العكس فهو يحترمها ويغني مضامينها بعقيدته ومبادئه وقيمه السامية. وقد امتن الله تعالى في القرآن الكريم على عباده بذلك التعدد اللغوي والثقافي، واعتبره آية من آياته التي تستحق الشكر: "واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات لقوم يشكرون"، "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" وهذا اعتراف صريح بوجود اختلافات بين البشر على أساس اللغة واللون. ولا يمكن للشرع أن يطلب من تلك الشعوب أن تتخلى عن خصوصياتها، فذلك متعذر في الواقع، وكل ما هو كذلك يدخل فيما لا طاقة للإنسان به: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به." وجعلت الآية القرآنية للعلاقة بين الشعوب أساسين اثنين:
    • التعارف هدفا للتنوع ومقصدا له وهو إقرار ضمني بالتعدد اللغوي والثقافي.
    • التقوى مقياسا للتفاضل فيما بينها: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، بدل التفاضل على أساس العرق أو اللون أو غيرهما. وفي هذا أيضا إقرار للمساواة في الحقوق الإنسانية والثقافية والسياسية.
      وأيضا فإن اعتزاز الإنسان بلغته وثقافته وتاريخه وعاداته أمر فطري، وتآلف بني لغة أو قومية معينة فيما بينهم أمر معتاد في عالم البشر بسبب القرابة أو المخالطة أو سهولة التفاهم أو العادات المشتركة. وليس شيء من ذلك بمستنكر شرعا إن لم يكن تناصرا على ظلم أو بغي، وإن سلم من التعصب. لكل هذا لم يتعارض اعتناق شعوب عديدة للإسلام مع احتفاظها بلغتها وثقافتها حية، بل ازدادت حياة وحيوية بالإسلام، وازدادت الدعوة الإسلامية قوة بها، وذلك مثل ما وقع للغات الفارسية والتركية والكردية والأوردية وغيرها.
  • إن الثقافة المغربية هي نتاج التفاعل المستمر بين الإنتاج المعرفي والفكري المكتوب باللغتين العربية والأمازيغية، وكل منهما أسهم فيه بنصيب. ومن العلماء والكتاب الأمازيغ من كتبوا باللغتين معا بصورة خلاقة. وعلى عكس ما يظن البعض فإن الإنتاج الأمازيغي المكتوب يضم عددا من فروع المعرفة مثل التاريخ والطب والأدب والمستقبليات، وليس فقط العلوم الدينية. لكن أغلبه مع الأسف الشديد غير مطبوع.

هكذا نأمل أن تتوازن النظرة إلى الأمازيغية، من دعاتها ومن المتخوفين منها، ويتم الابتعاد عن كل عامل يعوق وحدة الأمة، أو يوجد الشقوق التي تكرس اختراق صفوفها وبالتالي هيمنة عدوها عليها.
_______________

الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية

الهوامش:

1 - انظر هذا النص والعديد من النصوص المماثلة لدى: عبد العالي الودغيري، الفرنكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب، منشور ضمن كتاب (العلم)، السلسلة الجديدة، رقم 7، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1993.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة