آثار القدس   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:16 (مكة المكرمة)، 16:16 (غرينتش)


تعد مدينة القدس بكل ما فيها آثارًا تاريخية للمسلمين والمسيحيين والإنسانية، وتضم إلى جانب المساجد والكنائس والأديرة مدارس ومنازل وقبابا وأسبلة، وأهم آثارها هو المسجد الأقصى الذي بني قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة، وهو ثاني مكان للعبادة بعد المسجد الحرام في مكة. والقدس هي أكثر الأماكن قدسية عند المسيحيين، ولهم فيها كنيسة القيامة التي بنيت في القرن الرابع الميلادي. وفيما يلي حديث عن أهم الآثار في المدينة المقدسة:

أولا: المسجد الأقصى
هو المسجد الذي أسري بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام إليه. والقصة وردت في القرآن في سورة الإسراء {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}.

وهو أيضاً أولى القبلتين حيث صلى إليه المسلمون سبعة عشر شهراً قبل أن يؤمروا بالتحول شطر المسجد الحرام، كما أنه ثالث الحرمين أهمية بعد الحرمين المكي والمدني.

وبالإضافة إلى ذلك فقد ظل المسجد الأقصى على مدى قرون طويلة مركزاً هاماً لتدريس العلوم ومعارف الحضارة الإسلامية، ومركزاً للاحتفالات الدينية الكبرى، ومكانا لإعلان المراسيم السلطانية وبراءات تعيين كبار الموظفين.

عمر بن الخطاب والأقصى
وعندما جاء الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة إلى القدس وتسلمها من أهلها في اتفاق مشهور بالعهدة العمرية، قام بنفسه بتنظيف الصخرة المشرفة وساحة الأقصى، ثم بنى مسجداً صغيراً عند مسرى النبي ومعراجه. وقد وفد مع عمر العديد من الصحابة منهم أبو عبيدة عامر بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وأبو ذر الغفاري.

الأمويون والأقصى
كان اسم المسجد الأقصى قديماً يطلق على الحرم القدسي الشريف وما فيه من منشآت أهمها قبة الصخرة التي بناها عبد الملك بن مروان عام 72هـ/691م مع المسجد الأقصى والتي تعد واحدة من أروع الآثار الإسلامية، ثم أتم الخليفة الوليد بن عبد الملك البناء خلال فترة حكمه التي امتدت من عام 86 ـ 96هـ / 705 -714م.

ويختلف بناء المسجد الحالي عن بناء الأمويين، حيث بني المسجد عدة مرات في أعقاب زلازل تعرض لها على مدى القرون الماضية، بدءًا من الزلزال الذي تعرض له أواخر حكم الأمويين عام 130هـ/747م ومروراً بالزلزال الذي حدث في عهد الفاطميين عام 425هـ/1033م.

أبعاد وأطوال
يبلغ طول المسجد الأقصى من الداخل 80م وعرضه 55م، ويضم سبعة أروقة -رواق أوسط وثلاثة أروقة من جهة الشرق وثلاثة من جهة الغرب- ترتفع هذه الأروقة على 53 عموداً من الرخام و49 سارية من الحجارة.

وفي صدر المسجد قبة، كما أن له أحد عشر باباً، سبعة منها في الشمال وباب في الشرق واثنان في الغرب وواحد في الجنوب.

آبار وأسبلة
يوجد في ساحة الأقصى الشريف خمسة وعشرون بئراً للمياه العذبة، ثمانية منها في صحن الصخرة المشرفة وسبعة عشر في فناء الأقصى، كما توجد بركة للوضوء. وأما أسبلة شرب المياه فأهمها سبيل قايتباي المسقف بقبة حجرية رائعة لفتت أنظار الرحالة العرب والأجانب الذين زاروا المسجد، إلى جانب سبيل البديري وسبيل قاسم باشا. 

مآذن وقباب
وللمسجد الأقصى أربعة مآذن، والعديد من القباب والمساطب التي كانت مخصصة لأهل العلم والمتصوفة والغرباء، ومن أشهر هذه القباب قبة السلسلة، وقبة المعراج، وقبة النبي.

أروقة ومزاول
أما بالنسبة للأروقة فأهمها الرواق المحاذي لباب شرف الأنبياء، والرواق الممتد من باب السلسلة إلى باب المغاربة. كما يوجد به مزولتان شمسيتان لمعرفة الوقت.

حريق المسجد الأقصى
يأتي حريق المسجد الأقصى في إطار سلسلة من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية منذ عام 1948 لطمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس، ففي يوم 21/8/1969 قطعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية المياه عن منطقة الحرم، ومنعت المواطنين العرب من الاقتراب من ساحات الحرم القدسي، في الوقت الذي حاول فيه أحد المتطرفين اليهود إحراق المسجد الأقصى.

واندلعت النيران بالفعل وكادت تأتي على قبة المسجد لولا استماتة المسلمين والمسيحيين في عمليات الإطفاء التي تمت رغماً عن السلطات الإسرائيلية، ولكن بعد أن أتى الحريق على منبر صلاح الدين واشتعلت النيران في سطح المسجد الجنوبي وسقف ثلاثة أروقة. وادعت إسرائيل أن الحريق بفعل تماس كهربائي، وبعد أن أثبت المهندسون العرب أنه تم بفعل فاعل، ذكرت أن شاباً أسترالياً هو المسؤول عن الحريق وأنها ستقدمه للمحاكمة، ولم يمض وقت طويل حتى ادعت بأن هذا الشاب معتوه ثم أطلقت سراحه.

منظر لحريق المسجد الأقصى

استنكرت معظم دول العالم هذا الحريق، واجتمع مجلس الأمن وأصدر قراره رقم 271 لسنة 1969 بأغلبية أحد عشر صوتاً وامتناع أربع دول عن التصويت من بينها الولايات المتحدة الأميركية، والذي أدان إسرائيل ودعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها تغيير وضع القدس. وجاء في القرار أن "مجلس الأمن يعبر عن حزنه للضرر البالغ الذي ألحقه الحريق بالمسجد الأقصى يوم 21/8/1969 تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، ويدرك الخسارة التي لحقت بالثقافة الإنسانية نتيجة لهذا الضرر".

وذكّر بيان مجلس الأمن الدولي بقرارت الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة ببطلان إجراءات إسرائيل التي تؤثر في وضع مدينة القدس، وبتأكيد مبدأ عدم قبول الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري، ونص على أن "أي تدمير أو تدنيس للأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في القدس، أو أي تشجيع أو تواطؤ للقيام بعمل كهذا يمكن أن يهدد بشدة الأمن والسلام الدوليين".

وأضاف المجلس أن تدنيس المسجد الأقصى يؤكد الحاجة الملحة إلى منع إسرائيل من خرق القرارت التي كان المجلس والجمعية العامة قد أصدراها بخصوص القدس، وإلى إبطال جميع الأعمال والإجراءات التي اتخذها لتغيير وضع المدينة المقدسة. ودعا إسرائيل إلى عدم إعاقة المجلس الإسلامي الأعلى في القدس عن أداء مهامه، بما في ذلك طلب المجلس مساعدات من الدول ذات الأغلبية المسلمة للقيام بعمليات ترميم وإصلاح الأماكن الإسلامية في القدس.

ردود فعل إسلامية
عم الغضب الدول العربية والإسلامية، واجتمع قادة هذه الدول في الرباط يوم 25/9/1969 وقرروا إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي ضمت في حينها 30 دولة عربية وإسلامية، وأنشأت صندوق القدس عام 1976، ثم في العام التالي أنشأت لجنة القدس برئاسة العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني للمحافظة على مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية ضد عمليات التهويد التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلية.

حفريات إسرائيلية تحت الحرم
تعد الحفريات التي تقوم بها جماعة أمناء الهيكل تحت المسجد الأقصى من أهم الأخطار التي تحيق به، وقد بدأت هذه الحفريات منذ عام 1967 تحت البيوت والمدارس والمساجد العربية بحجة البحث عن هيكل سليمان، ثم امتدت في عام 1968 تحت المسجد الأقصى نفسه، فحفرت نفقاً عميقاً وطويلاً تحت الحرم وأنشأت بداخله كنيساً يهودياً. ولقيت هذه الحفريات استنكاراً دولياً واسع النطاق، فعلى سبيل المثال أصدر المؤتمر العام الثامن عشر لليونسكو قراره رقم 427/3 الذي يدين فيه إسرائيل لاستمرارها في حفرياتها وعبثها بالطابع الحضاري لمدينة القدس عموماً وللمسجد الأقصى على وجه الخصوص.

ثانيا : مسجد قبة الصخرة
لمسجد القبة تاريخ ديني عريق كما تتحدث المراجع التاريخية، فقد اتخذ إبراهيم عليه السلام عنده معبداً ومذبحاً، وهي التي أقام عندها يعقوب عليه السلام مسجده بعد أن رأى عموداً من النور فوقها، ونصب خيمة الزمان أو الاجتماع التي أنشأها موسى عليه السلام في التيه، وبنى داود عليه السلام عندها محرابه، وشيد سليمان عليه السلام عندها المعبد العظيم المنسوب إليه، كما عرج الرسول صلى الله عليه وسلم من فوقها إلى السماء في رحلة المعراج.

والهيئة الحالية لمسجد قبة الصخرة تمت في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وهو بذلك يعد من أجمل المباني الأثرية، وقد استوعبت في تصميمه وزخرفته الفنون التشكيلية الإسلامية والتراث الإنساني الفني. وبسبب تميز بناء المسجد وجماله فإنه الأكثر انتشاراً وتداولاً في موضوع القدس، حتى صار يرمز إلى القدس أكثر من المسجد الأقصى، ولم يعد كثير من الناس يميزون بين المسجدين.

ثالثا: المصلى المرواني
يقع مسجد المصلى المرواني في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، وكان يطلق عليه قديماً التسوية الشرقية من المسجد الأقصى.

ويتكون المصلى المرواني من ستة عشر رواقاً، وتبلغ مساحته 2775 متراً مربعاً، وخصص زمن عبد الملك بن مروان كمدرسة فقهية ومن هنا اكتسب اسم المصلى المرواني. وفي أثناء الاحتلال الصليبي لبيت المقدس استعمله الصليبيون اسطبلا للخيول ومخزناً للذخيرة وأطلقوا عليه اسم إسطبلات سليمان، وأعاد صلاح الدين الأيوبي فتحه للصلاة بعد تحرير بيت المقدس.

وبالنسبة للسقف الحالي للمصلى فإنه يعود إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، أما الأعمدة والأقواس الموجودة في المصلى فإنها تعود إلى عهد عبد الملك بن مروان، وأعيد افتتاحه للجمهور بعد عمليات ترميم عام 1996.

رابعا: حائط البراق
وهو الحائط الذي يحيط بالمسجد الأقصى من الناحية الغربية، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من الحرم المقدسي، وسمي بهذا الاسم لأنه المكان الذي ربط عنده الرسول صلى الله عليه وسلم براقه ليلة الإسراء والمعراج. ويسميه اليهود حائط المبكى لاعتقادهم أنه من بقايا هيكلهم الذي لم يعثر له غلى أثر حتى الآن.

خامسا: الأوقاف الإسلامية
من العقارات الموقوفة على الحرم المقدسي دار الأيتام الإسلامية، وتكية خاصكي سلطان، بالإضافة إلى خان سلطان وعدد آخر من الحمامات والدكاكين.

كنيسة القيامة

سادسا: الآثار المسيحية
تعتبر كنيسة القيامة التي بنتها الملكة هيلانة عام 325م من أهم الأماكن المقدسة للديانة المسيحية في مدينة القدس. ويأتي القبر المقدس كثاني أشهر الأماكن المسيحية في القدس، يضاف إلى ذلك عدة كنائس لكل منها ذكرى دينية مثل كنيسة السيدة العذراء في جبل الزيتون، وكنيسة مار يوحنا خارج كنيسة القيامة، وكنيسة الملاك ميخائيل الملاصقة للقبر المقدس. أما الأديرة فأشهرها دير السلطان، ودير مار أنطونيوس شمال شرقي كنيسة القيامة، ودير مار جرجس في حارة الموارنة.

وبالنسبة للمدارس المسيحية المهمة توجد المدرسة القبطية في القدس، ثم كلية الشهيدة دميانة للبنات التي تقدم خدماتها التعليمية حتى المرحلة الثانوية.

هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى كما تصورته جماعة أمناء الهيكل
سابعا: هيكل سليمان المزعوم

الهيكل عند اليهود هو بيت الإله ومكان العبادة، وباعتراف اليهود البدو الرحل أنفسهم أنه لم يكن لديهم مكان عبادة مقدس ثابت منذ عصر موسى إلى عصر النبي سليمان، بل كانت لوحات الوصايا العشر توضع في تابوت كان يعرف باسم تابوت العهد، هذا التابوت خصصت له خيمة عرفت بخيمة الاجتماع، ترحل مع اليهود أينما رحلوا.

وجاء تأسيس الهيكل ليكون المكان المفضل لوضع تابوت العهد، وليكون بيتاً لرب اليهود نتيجة تأثر اليهود بالحياة الحضرية في مدينة القدس. وشيد سليمان الهيكل على قطعة أرض غير معلومة في القدس، بل لا يوجد دليل -كما يقول الأثريون- على أن الهيكل الثاني شيد في موضع الهيكل الأول.

وتاريخ بناء الهيكل في القدس هو تاريخ تحول عبادة إسرائيل البدوية المتجولة إلى العبادة القربانية المركزية.

وتعد قضية إعادة بناء الهيكل واحدة من أهم القضايا المثارة بين اليهود الذين ينقسمون إلى صهاينة وغير صهاينة، فغير الصهاينة يعارضون فكرة العودة وبالتالي إعادة بناء الهيكل، في حين يعتبرها الصهاينة قضية محورية، وتوليها المنظمات الصهيونية المتطرفة اهتماماً شديداً جعلت معه هدم الآثار الإسلامية الموجودة في الموقع من أهم أهدافها. وعلى رأس هذه المنظمات "أمناء جبل الهيكل" التي يمولها المليونير الأميركي المسيحي الأصولي تيري رازنهوفر، والتي جعلت بناء الهيكل هدفها الأساسي، وأنشأت لذلك مدرستين تلموديتين بالقرب من حائط البراق لتدريب مائتي طالب على شعائر العبادة القربانية وهي الشعائر الخاصة بالهيكل.

وإحدى هذه المدارس "معهد جبل الهيكل" (يشيفات هبايت) وظيفتها الأساسية التعجيل ببناء الهيكل. وقامت هذه الجماعة بوضع حجر الأساس للهيكل الثالث عام 1989 في احتفال تحت إشراف رئيس الجماعة غرشوم سالمون. ويساند جماعة أمناء جبل الهيكل بعض أعضاء المؤسسة الدينية في إسرائيل.

ويرى المسيحيون الأصوليون أن بناء الهيكل هو الشرط الأساسي للعودة الثانية للمسيح، وهم ينظرون إلى قيام إسرائيل عام 1948 تأكيداً لنبوءات التوراة حول نهاية العالم وإحلال مملكة جديدة مع المجيء الثاني للمسيح بعد عودة اليهود إلى الأرض المقدسة، وانتظرت المسيحية اكتمال خطة الرب بعد تأسيس إسرائيل.
ـــــــــــــ
المصادر:
- البنك الفلسطيني للمعلومات
- القدس مفاهيم يجب إيضاحها، حسام الدين خليل
- الموسوعة الفلسطينية، المسجد الأقصى، المجلد الرابع.
- التهويد الثقافي والإعلامي لمدينة القدس، د. خالد عزب، بحث مقدم لندوة القدس العالمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة