المشهد الثقافي في مصر بعد السلام مع إسرائيل   
الأربعاء 28/3/1430 هـ - الموافق 25/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 6:30 (مكة المكرمة)، 3:30 (غرينتش)

مصريون يؤيدون فلسطين ويرفضون التطبيع مع إسرائيل (الجزيرة نت-أرشيف)

مها إسماعيل

نصت اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل على "أن يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية".

وبعد ثلاثين عاما على توقيع المعاهدة تطرح عدد من الأسئلة نفسها، فإلى أي مدى نجحت إسرائيل في اختراق الثقافة المصرية، وكيف ينقسم المصريون أو يتفقون حول الموقف من التطبيع؟ وإلى أي مدى نجحت مصر في خلق ثقافة مقاومة للتطبيع؟

إسرائيل فى ثقافة المصريين
احتلت إسرائيل المركز الأول بين الدول المعادية لمصر، من وجهة نظر المواطن المصري حيث صنف 92% من المصريين إسرائيل على أنها دولة عدو أو عدو جدا، ولم تتخط نسبة المصريين الذين يعتقدون بإمكانية الصداقة مع إسرائيل نسبة 2%. وبالتالي يمكن القول إن الاتجاه الثقافي العام للشعب المصري رافض لأي نوع من التقارب مع إسرائيل(1).

موقف المثق
"
احتلت إسرائيل المركز الأول بين الدول المعادية لمصر، من وجهة نظر المواطن المصري حيث صنف 92% من المصريين إسرائيل على أنها دولة عدو أو عدو جدا
"
فين من التطبيع
ويمكن فهم موقف المثقفين بتناول الجدل حول التطبيع ومفهومه، ويمكن القول إنه لا يوجد اتفاق بين المثقفين المصريين على تعريف محدد لهذا المفهوم.

ولكن يمكن الاستناد إلى تعريف إجرائي استخدمته إحدى الدراسات لمفهوم التطبيع مع إسرائيل على أنه "يشمل كل اتصال رسمي أو غير رسمي أو تبادل تجاري أو ثقافي أو تعاون اقتصادي مع إسرائيليين رسميين أو غير رسميين. ويستثنى من ذلك العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية وما تقوم به السلطة الفلسطينية والفلسطينيون في الضفة والقطاع من اتصالات أو أي أنشطة أخرى نظراً للظروف الصعبة المفروضة عليهم"(2).

يمكن القول إن هناك اتجاهين أساسين داخل هذا الجدل حول التطبيع: اتجاه المؤيدين واتجاه الرافضين، وهناك ملاحظات عليهما:

  • يوجد استقطاب حاد بين المؤيدين والرافضين للتطبيع، وينطلقون من فرضيات مختلفة، فرافضو التطبيع يربطونه بمفاهيم الشرق أوسطية والتعاون الإقليمي، في حين يتجنب المؤيدون استخدام كلمة "تطبيع" أو الدعوة إليها صراحة ويستخدمون بدلا منها التمسك بالسلام وضرورة إنهاء الصراع.
  • مؤيدو التطبيع يرون أن المشروعين العربي والصهيوني واجها قدراً غير قليل من الانكسارات، وأنه يمكنهما التعايش الآن "بواقعية"، في حين يرى الرافضون أن الحق التاريخي في فلسطين للعرب وأنه يجب أن لا نكافئ المعتدي.
  • يرى المؤيدون أهمية الاستجابة للمتغيرات والظروف الدولية وقيم نبذ التعصب في حين يرى الرافضون أن هذه الوعود بالسلام والرفاهية وعود زائفة(3).

التلفزيون ناهض التطبيع
بالنسبة للتلفزيون المصري كأحد وسائل التثقيف المهمة داخل المجتمع المصري حتى وقت قريب، فيمكن القول إنه لعب دورا مهما في نشر ثقافة مقاومة التطبيع، خصوصا عبر الأعمال الفنية التي تناولت حرب أكتوبر/تشرين الأول وأنتجت في معظمها بعد توقيع اتفاقية السلام من مثل: رأفت الهجان، ودموع في عيون وقحة، والعميل 1001، والتي كانت في مجملها أعمالا ذات إنتاج جيد وتناسبت إلى حد كبير مع قيمة الحدث الذي تناولته.

"
حتى وقت قريب يمكن القول إن التلفزيون المصري لعب دورا مهما في نشر ثقافة مقاومة التطبيع
"
على عكس السينما المصرية التي لم تتمكن من تقديم موضوعين مهمين هما انتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973 والعلاقة مع إسرائيل بعد توقيع معاهدة السلام، فقد قدمت الحرب كلقطات أرشيفية وإنتاج فقير نسبياً، في حين قدمت قضية التطبيع مع إسرائيل بشكل سطحي تجاري مصطنع تدور في معظمها حول الجاسوسية والفتيات والإيدز(4)، رغم نجاح نفس السينما المطلق في تجسيد هزيمة عام 1967.

ويرى بعض المثقفين أن اتفاقية كامب ديفد أثرت سلبا على السينما المصرية، حيث أدى توقيع الاتفاقية إلى سحب الأموال العربية من سوق السينما المصرية مما ساهم في اتجاهها في تلك الفترة نحو التركيز  على الطابع التجاري أكثر من القيمة الفنية.

وعلى صعيد الأغنية المصرية يمكن القول إنه خلال تلك الفترة كان يوجد قدر جيد من "التراكم الغنائي" سواء المؤيدة للقضايا العربية أو الرافضة لإسرائيل.

ملاحظات بشأن التطبيع الثقافي
1- الحاجز بين الشعب المصري والإسرائيلي ما زال موجودا، فالمصريون لا يزالون يرفضون إسرائيل ويعتبرونها عدوا، والظروف مناسبة أكثر لأن يزداد هذا الحاجز ارتفاعاً.

2- يمكن القول إن محاولات إسرائيل اختراق الثقافة المصرية لم تنجح سواء عبر إنشاء المركز الأكاديمي الإسرائيلي أو محاولة المشاركة في مهرجانات السينما أو معارض الكتب، ليس فقط بسبب موقف المثقفين المصريين وإنما أيضاً بسبب نظام التعليم الذي ما زال يوفر بتقليديته ألية مهمة من آليات الحماية لثقافة المجتمع.

3- المثقفون المصريون فرضوا على راغبي التطبيع الثقافي مع إسرائيل أن يقوموا به خارج مصر إذا أرادوا وليس على أرضها.

4- لا يمكن القول إن الثقافة المصرية كونت تراكما لمقاومة التطبيع أو ما يمكن أن نسميه "ثقافة المقاومة"، وإنما ما نملكه هو إرث ثقافي من الماضي إذا لم يضف إليه فسيتآكل عبر الزمن.

5- كافة أشكال مقاومة التطبيع الثقافي التي تمت في مصر ذات طبيعة محلية بالأساس، ولم يتم بذل الجهد المناسب على الصعيد الخارجي وإشعارها بالخطر الثقافي سواء عبر المنافسة أو المواجهة.

6- تسارع تقنية الاتصالات والمعلومات وانتشار شبكات التعارف بين الشباب مثل الفيس بوك وغيره من المواقع، يجعل عملية التواصل مع الآخر أسهل وأكثر سرية، فلم يعد الشباب المصري بحاجة إلى أن يسافر إلى طابا أو ربما إسرائيل ليقابل شبانا أو فتيات إسرائيليات، بل أصبحوا أقرب بمجرد ضغطة زر.
_______________
باحثة مصرية

الهوامش:
1- سحر الطويلة، استطلاع رأي لقياس اتجاهات المواطنين نحو دول مختلفة، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار- بمجلس الوزراء المصري، سبتمبر/أيلول 2006.
2- د. محمد شومان، جدل التطبيع في الصحافة المصرية.. الأهرام نموذجا.. استقطاب حاد بين أنصار ومؤيدي التطبيع، جريدة الجزيرة، الرياض، عدد الاثنين 2 أبريل/نيسان 2001.
3- د. محمد شومان، المرجع السابق.
4- جريدة نهضة مصر، خيانة أكتوبر في السينما المصرية (ملف خاص)، يوم 4 يناير/كانون الثاني 2004، القاهرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة