الموقف الأميركي المستجد من القضية الفلسطينية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:34 (مكة المكرمة)، 16:34 (غرينتش)

*بقلم/ منير شفيق

منير شفيق
يمكن أن يقسم الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية -أو على تحديد أدق من القرارات الدولية والمواقف السياسية ذات الصلة- إلى مرحلتين أساسيتين، وبالطبع يمكن تقسيم كل مرحلة ضمن إطارها العام العريض إلى عدة مراحل من دون أن تفقد التداخل والتناغم.

- المرحلة الأولى
- المرحلة الثانية
- بعد هجمات سبتمبر/أيلول

المرحلة الأولى
تمتد هذه المرحلة من قرار التقسيم حتى بداية عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون. وقد اتسمت هذه المرحلة بموافقة الولايات المتحدة الأميركية رسمياً على القرارات الصادرة عن مجلس الأمن بعد أن تكون قد أرهقتها بالتعديل والتغيير والبحث عن جمل غامضة. ولكن الموقف الرسمي كان دائماً ضمن خطوطها العريضة وإن انتقل من قرار إلى قرار بحيث يكون الأخير هو المطروح في حينه والتراجع عن الإشارة إلى القرارات السابقة التي كانت تحمل توازناً ما بين مواقف الدول الكبرى والمواقف العربية الرسمية من دون أن تكون الدولة العبرية قد وافقت على أي منها لا سابقاً ولا حاضراً. ولعل أهم مثال هو قرار التقسيم لعام 1947 الذي لم تأخذ منه غير بنده المتعلق بإقامة دولة عبرية مع رفض قرارات مجلس الأمن المتعلقة بتنفيذه بعد حرب 1948/1949، أو المتعلقة بعودة اللاجئين. فكان ثمة اختلاف أو هامش بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي وهذا ما حدث مع القرارين 242 و338 حيث صوتت الولايات المتحدة إلى جانبه ولم يصدر عن الدولة العبرية موافقة عليهما.

على أن السمة التي صاحبت السياسات الأميركية خلال هذه المرحلة (أكثر من 45 سنة) كانت الجمع بين الموقف الرسمي والمناورة لحساب الموقف الإسرائيلي من أجل الحيلولة دون تطبيق القرارات الدولية. فعلى سبيل المثال استمر الموقف الأميركي يدعو إلى المفاوضات الثنائية المباشرة في كثير من حالات التهرب من تطبيق القرارات أو الضغط من أجل تطبيقها، وأحياناً كانت تتقدم بمشاريع للحل تعتمد على القرارات وأبلغها كان مشروع روجرز عام 1970 والذي قبلته مصر في حينه ورفضته الدولة العبرية رفضاً قاطعاً.

واستمر هذا الحال حتى في مؤتمر مدريد وما تبعه من مفاوضات ثنائية تحت الرعاية الأميركية أو المفاوضات المتعددة. وقد كان من الواضح أن رئيس وزراء الدولة العبرية الأسبق ذهب إلى مدريد غير راضٍ، علماً بأن الولايات المتحدة انتزعت له مبدأ المفاوضات المباشرة والتفاوض على أساس الفصل بين المسارات.

المرحلة الثانية
وتمتد هذه المرحلة من بداية عهد كلينتون إلى يومنا هذا. وقد حدث تغيير أساسي في الموقف الأميركي إذ أصبح متذيلاً تماماً لموقف المفاوض الإسرائيلي، ولم يعد من الممكن وضع اليد على هامش بسيط ولو شكلي بين الموقفين من الناحية السياسية. فقد وقفت وزارة الخارجية الأميركية في عهد كلينتون إلى جانب الموقف الإسرائيلي حتى في التفاصيل من جهة، إلى جانب دور الضاغط على الموقف الفلسطيني والعربي بلا توقف من جهة ثانية. ويقال إن نوعاً من التوتر وقع في عهد نتنياهو بين الخارجية الأميركية والخارجية الإسرائيلية، وقد فسّر البعض ذلك بأنه تعبير عن خلاف داخل الأطراف الصهيونية الأميركية نفسها وامتداداتها (حزب العمل والليكود).

المهم أن إدارة الرئيس الأميركي كلينتون في عهدها كانت شديدة الحرص على التنسيق مع الموقف الإسرائيلي، فلم تكن مستعدة لتقديم أية اقتراحات أو القيام بأية خطوات قبل أن تحصل على الموافقة الإسرائيلية المسبقة عليها. ولهذا لم يخطئ كثير من المعلقين السياسيين في العالم حين قالوا "بعدم وجود سياسة أميركية في المنطقة وإنما سياسة إسرائيلية تتبناها الخارجية الأميركية". ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان من الممكن أن تفشل التسوية حين ارتطمت بالخلاف على مائة متر أو أكثر في المفاوضات على المسار السوري، لأن الموقف الأميركي كان باستطاعته بقليل من الضغط والتمايز أن يفرض على باراك تجاوز هذا الخلاف، كما حدث في عهد جيمي كارتر الرئيس الأميركي الأسبق عندما ارتطمت المفاوضات المصرية الإسرائيلية عند نقاط أكبر بكثير وأضخم بلا جدال من المائة متر المذكورة. ولكن الإدارة الأميركية كانت متذيلة بصورة عمياء مما أفقدها قدرتها على التأثير والضغط إلا في اتجاه واحد فقط، وهذا يفسر الفشل الذي منيت به السياسات الأميركية في نهايات عهد كلينتون على المسار الفلسطيني كذلك.

اجتمع فشل مفاوضات كامب ديفد ومن بعدها مفاوضات طابا مع الانتصار المدوي الذي حققته المقاومة في جنوب لبنان بقيادة حزب الله وقد اضطر جيش الاحتلال إلى الانسحاب بلا قيد أو شرط، كما مع انفضاح الموقف الأميركي الإسرائيلي في المفاوضات من جهة التواطؤ بشأن السيادة على رقبة المسجد الأقصى وعلى القدس الشرقية، لتتشكل العوامل والعناصر من أجل اندلاع الانتفاضة الثانية/انتفاضة الأقصى. وكان ذلك في الشهرين الأخيرين من عهد بيل كلينتون الذي سارع إلى عقد القمة الرباعية في شرم الشيخ لوقف الانتفاضة والدعوة لتجديد المفاوضات. وقد انتهى بيان قمة شرم الشيخ ليصبح حبراً على ورق فاستمرت الانتفاضة وبدأت تتصاعد أعداد الشهداء والجرحى بسبب الردود الوحشية من جانب جيش الدولة العبرية. لعل أهم ما يجب أن يلحظ هنا أن اندلاع الانتفاضة كان إيذاناً بانتقال الشعب الفلسطيني إلى مواقع الهجوم، وكان هذا هو معنى الهبّة الشعبة العربية العارمة في تأييدها كذلك، بل حتى الموقف العربي الرسمي وجد نفسه مطالبا بأخذ مواقف سياسية هجومية في دعم الانتفاضة والمقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.

أما على الطرف الآخر من الصورة فقد شكل سقوط باراك ومجيء شارون مكانه وتأليف حكومة "وحدة وطنية" عمادها حزبا الليكود والعمل إعلاناً واضحاً عن السعي لإنقاذ الموقف الإسرائيلي الذي أخذ يتردى دولياً أمام تعاظم تعاطف الرأي العام مع الانتفاضة وارتفاع سقف الموقف العربي الرسمي وإن بقي دون طموح الجماهير، وكما عبر عن نفسه لاحقاً عبر مؤتمرات القمم العربية في القاهرة وعمان وبيروت والقمة الإسلامية في الدوحة وعدد من اجتماعات مجالس وزراء الخارجية العرب والمسلمين.

جاءت إدارة جورج دبليو بوش لتجد نفسها في مواجهة فشل السياسات الأميركية عربياً وازدياد الانفلات الدولي من الانقياد لها (مثلاً الدول الكبرى الأخرى أصبحت تطالب بنظام عالمي متعدد القطبية)، إلى جانب تعاظم حركة الاحتجاج ضد العولمة والسياسات الأميركية، وكان أبرزها ما حدث لبوش في جنوى بإيطاليا، أو للوفدين الأميركي والإسرائيلي في مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية حيث انسحبا معزولين بعد فشل كل الضغوط الأميركية لتغيير بند واحد في أجندة المؤتمر وهو إبعاد بحث علاقة الصهيونية بالعنصرية والدولة العبرية بالأباراتيد. ولهذا انشغلت إدارة بوش في صوغ إستراتيجية عالية جديدة لاستعادة نظام القطب الواحد في العالم. وقد اتهمت إدارة كلينتون بأنها فرطت -بسبب "رخاوتها"- بالمكتسبات التي حققتها في هذا الصدد إدارة بوش الأب السابقة، فمن جهة أحيت مشروع "حرب النجوم" والذي حمل اسم مشروع الدرع الصاروخي المضادة للصواريخ، ولوحت بالانسحاب من اتفاق الصواريخ البالستية بينها وبين الاتحاد السوفياتي في عام 1972، وتوترت علاقتها بالصين (حادث طائرة التجسس الأميركية التي أسقطتها الصين). ومن هنا قررت عدم الانشغال في موضوع التسوية والشرق الأوسط معتبرة أن سياسة كلينتون كانت خاطئة ومضرة بالمصالح الأميركية بسبب انخراطها اليومي في منطقة معقدة، وقد تخلت عن الاهتمام بالسياسات العليا الأهم. ولكنها من ناحية عامة حافظت على الانحياز للموقف الإسرائيلي من حيث إدانة العمليات الاستشهادية ووصم الانتفاضة بالعنف والإرهاب والسكوت عن العنف الإسرائيلي وأحياناً تسويغه باعتباره نوعاً من "الدفاع عن النفس". أما من جهة أخرى فلم تنتهج سياسات استفزازية ضد الدول العربية وحاولت الاستمرار في بناء الجسور وإن استثنت أن يلتقي جورج بوش بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وحصرت اللقاءات الفلسطينية الأميركية بما هو دون ذلك.


الموقف الأوروبي تراجع عن دعم الموقف الفلسطيني عندما شعر أن الانتفاضة والمقاومة تتهدد الدولة العبرية بهزيمة في الضفة الغربية وقطاع غزة من نمط ما حدث في لبنان
يمكن القول إن ما تقدم يلخص الموقف الأميركي من الانتفاضة والسلطة الفلسطينية والدول العربية، الأمر الذي أبقى آمال عدد من القيادات الفلسطينية والعربية في أن تعود إدارة بوش لطرح مشروع للتسوية أكثر توازناً من مواقف إدارة كلينتون. وقد أثبتت الوقائع أن الإدارة الأميركية لم تتدخل بكل ثقلها في فلسطين بسبب انشغالها في الوضع الدولي وصوغ إستراتيجية عالمية هجومية وليس لأنها بصدد التحضير لمشروع حل.

أما من جهة أخرى فيجب أن يلحظ هنا أن الموقف الأوروبي تراجع عن دعم الموقف الفلسطيني خطوة إلى الخلف عندما شعر أن الانتفاضة والمقاومة وتصميم الشعب الفلسطيني على دحر الاحتلال أخذ يتهدد الدولة العبرية بهزيمة في الضفة الغربية وقطاع غزة من نمط ما حدث في لبنان. ولهذا رأينا المواقف الأوروبية أخذت تلتقي أكثر مع المواقف الأميركية وحكومة الليكود والعمل من أجل إنهاء الانتفاضة وخروج الدولة العبرية بما يحافظ على ماء الوجه. وكان من ذلك نشاط المبعوثين الأوروبيين وبمباركة أميركية لم تعرف طوال عهد كلينتون أو قبله في عهد بوش الأب. لقد عبر وزير الخارجية شمعون بيريز عن الوضع بأكثر من مناسبة في الحديث عن "خطر يواجه وجود الدولة العبرية". ومثله فعل يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا حين أعلن أن أوروبا "لا تسمح بهزيمة إسرائيل" وذلك مع علمها أن ما كان مطروحاً لا علاقة له بتهديد "الوجود" وإنما بهزيمة الاحتلال، ولكن اعتبر ذلك مهدداً للوجود وفوق الاحتمال.

هذا ولم يختلف الموقف الروسي عن الموقف الأوروبي من زاوية الحديث عن وقف العنف من الطرفين والعودة إلى طاولة المفاوضات مع إدانة العمليات الاستشهادية وإبقاء العلاقات إيجابية مع حكومة شارون وعدم قطع الخيوط مع السلطة الفلسطينية أو الدول العربية.

الهجوم الأميركي على أفغانستان

بعد هجمات أيلول/سبتمبر
على أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 أحدثت تغييراً في الموقف الأميركي إزاء الفلسطينيين والعرب بعامة، وإن اقتصر ذلك في بداية الأمر على ما كان يتسرب في الإعلام الأميركي من هجوم على عدد من الدول العربية والمجتمعات العربية والإسلام. ولكن حاجة الإدارة الأميركية لحشد موقف عربي من أجل إنجاح حرب العدوان على أفغانستان وحاجتها إلى تهدئة فلسطينية دفعها إلى المناورة من أجل خدمة الغرض نفسه. وقد عبر عن ذلك إشارة الرئيس الأميركي بوش إلى أنه يفكر بإقامة دولة فلسطينية أو في حل بوجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية. وقد ذهبت عدة تحليلات إلى تضخيم هذه الإشارة العابرة أو الإشارة "الطعم" (لا جديد فيها حتى بالنسبة لسياسات إدارة كلينتون أو سياسات حزب العمل) فاعتبرت أن موقف إدارة بوش الجديد هام جداً وسيفتح آفاقاً عريضة أمام الفلسطينيين وذلك بالرغم من أن الغرض كان واضحاً وهو كسب الموقف العربي والفلسطيني من أجل تمرير الحرب على أفغانستان.

وقد أثبتت التجربة بعد "النجاح" الذي حققته الإدارة الأميركية في أفغانستان أن الحديث عن الدولة الفلسطينية كان مجرد طعم أو إيهام وخداع، فما أن تمكن الجيش الأميركي من تحقيق ما اعتبر "نجاحاً هائلاً" في حربه على أفغانستان حتى رأينا السياسة الأميركية تنتقل إلى مواصلة الحرب على الفلسطينيين والعرب ولتحقيق التماهي بينها وبين قيادتي الليكود والعمل تماهياً لم يسبق له مثيل ولا سيما من جهة العمل العسكري سواء أكان ذاك الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين أم كان من جهة الإعداد للحرب على العراق وحكمه بنظام أميركي متصهين كمقدمة لإحداث تغييرات بالقوة أو تحت التهديد باستخدام القوة في كل البلدان العربية والإسلامية ابتداءً من منطقة الخليج والمشرق بعد العراق وصولاً إلى أقصى المغرب.

عندما أصدر الرئيس الأميركي قراره بتجميد أرصدة "جمعية الأرض المقدسة" الأميركية في الولايات المتحدة أعلن أنه وسع الحرب العالمية التي بدأها في أفغانستان إلى فلسطين. وقد صحب ذلك إدراج حركتي حماس والجهاد في قائمة الإرهاب. وكذلك حزب الله، الأمر الذي يعني أن السياسة الأميركية انتقلت من الانحياز للموقف الإسرائيلي ودعم عمليات الجيش الإسرائيلي لتصبح طرفاً مباشراً في الصراع ضد الفلسطينيين والعرب عموماً، وإلاّ فما معنى الإعلان عن توسيع الحرب إلى فلسطين أو إدراج منظمات المقاومة في قوائم الإرهاب الذي أعلنت أميركا الحرب العالمية عليه؟

ولهذا عندما أرسل الجنرال المتقاعد أنتوني زيني إلى فلسطين حمل معه عشرات المطالب إلى الرئيس الفلسطيني بعضها يزيد على ما طالبت به حكومة شارون، فكان ذلك بمثابة انتقال من حالة الوسيط المنحاز للطرف الأخر إلى حالة الطرف المواجه مباشرة. وكانت تلبية تلك المطالب المعروفة باسم "قائمة زيني" تعني أن يقبل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالتحول إلى "أنطوان لحد"، والسلطة الفلسطينية إلى سلطة عميلة تحت الأمر. وقد جاءت جولة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إلى المنطقة وفشلت في إقناع أي من الدول العربية بالوقوف إلى جانب أميركا في الحرب على العراق لتعطي الضوء الأخضر لحكومة شارون بمحاصرة مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله والمضي بسياسة الاجتياحات حتى إعادة الاحتلال، وبالفعل أصبحت أميركا شريكة في الحرب التي تشن ضد الانتفاضة والشعب الفلسطيني ولكن المقاومة الأسطورية التي أبداها مخيم جنين ضد قوات الاحتلال إلى جانب مقاومة المدينة القديمة في نابلس ومحاصري كنيسة المهد والصمود الشعبي الفلسطيني العام حرك شوارع عواصم العالم كله -وليس فقط العواصم العربية والإسلامية- بتظاهرات التأييد للشعب الفلسطيني واستنكار السياسات الأميركية داخل الولايات المتحدة نفسها وكانت الهتافات على مسمع الرئيس الأميركي وهو جالس في مكتبه البيضاوي.

إن شهر أبريل/نيسان 2002 الذي شهد تلك المواجهات المسلحة في مخيم جنين ومناطق أخرى وشملت التظاهرات فيه أغلب مدن العالم أعاد المبادرة إلى الشعب الفلسطيني ووضع كلا من أميركا والدولة العبرية في المأزق خصوصاً بعد أن صدر قرار مجلس الأمن بتشكيل لجنة تقصي حقائق عن جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في جنين، الأمر الذي جعل قادة الجيش العبري يهددون باستقالة جماعية إذا جاءت اللجنة إلى المخيم. وهنا تحركت الإدارة الأميركية للمناورة بالضغط على بعض الدول العربية ومساومتها من أجل إقناع الرئيس الفلسطيني بالموافقة على "اتفاق فك الحصار" عنه والذي تضمن وضع الأمين العام للجبهة الشعبية وخمسة آخرين من القيادات تحت إشراف أميركي بريطاني في سجن أريحا، وكان مطلب زيني في السابق تسليمهم بلا قيد أو شرط لحكومة شارون. كان القبول الفلسطيني العربي بهذا الاتفاق وما تبعه من اتفاق "سيئ آخر" لحل "مشكلة" المحاصرين في كنيسة المهد مع المناداة بوقف العنف بمثابة النكسة لوضع فلسطيني عربي عالمي كان في حالة الهجوم، الأمر الذي أفشل الشارع ودفعه إلى البقاء في البيوت ما دام باب المواجهات قد أغلق وفتح باب المفاوضات.


عندما وجدت أميركا أن ضغط المواجهات من نمط مواجهة مخيم جنين عادت إلى الحرب على الفلسطينيين فوراً، وإذا بها تطالب على لسان الرئيس الأميركي بعزل عرفات والمجيء بسلطة أو قيادة فلسطينية أخرى
عندما وجدت أميركا أن ضغط المواجهات من نمط مواجهة مخيم جنين عادت إلى الحرب على الفلسطينيين فوراً، وإذا بها تطالب على لسان الرئيس الأميركي بعزل عرفات والمجيء بسلطة أو قيادة فلسطينية أخرى. أما الأسباب التي أوردتها من مثل المشاركة في الإرهاب والفساد أو مطالبتها بالإصلاح والديمقراطية فكانت بمثابة الغطاء لمواصلة الاجتياحات والاعتقالات الجماعية والاغتيالات وحصار الأحياء والمدن والقرى والمخيمات وصولاً إلى إعادة احتلال المناطق. وبهذا تكون السياسة الأميركية قد وصلت إلى حد التماهي الكامل مع كل ما كان يطالب به شارون ولم يكن قادراً على إقناع وزارته به.

أما من الجهة الأخرى فإن هذا التطور الذي هو بمثابة انقلاب في السياسة الأميركية قياساً بما كانت عليه في عهدي بيل كلينتون وحتى في أوائل عهد إدارة بوش يجب أن يرى ضمن الإستراتيجية الأميركية الأشمل إزاء البلاد الإسلامية عامة والعربية خاصة. وهنا يمكن القول إن ثمة تغييراً في تلك الإستراتيجية هو بمثابة انقلاب عن سابقاتها الأميركية طوال العهود الماضية، فقد اتجهت الستراتيجية الراهنة إلى استخدام القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها لتغيير الأنظمة والمجتمعات، فموضوع تغيير الأنظمة المحافظة أو الصديقة تقليدياً للغرب لم يطرح يوماً على الأجندة الأميركية، ناهيك عن المجتمعات نفسها بما يمس التعليم والثقافة والشؤون الاجتماعية والإسلام جملة. هذا ولا يخفي منظرو الإدارة الأميركية من أمثال روبرت كاغان وريتشارد بيرل ووليم كريستول وبول ولفوفيتز أن هدف التغيير المطلوب هو قيام دول ومجتمعات وفقاً للتصور الأميركي، الأمر الذي يتضمن الصهينة والقبول بالصهينة وهو ما يشمل حل القضية الفلسطينية على أساس الشروط الإسرائيلية بالكامل بما في ذلك المطالبات المتعلقة ببناء "الهيكل" وتهويد القدس وتصفية قضية اللاجئين أو أية حقوق أخرى في فلسطين، وذلك إلى جانب فتح الحدود العربية وإلغاء الخطوط الحمر أمام تغلغل النفوذ الصهيوني.

إن مثل هذه الإستراتيجية والسياسات الجديدة لا تترك جسراً موصولاً لعلاقات عربية أميركية وإنما ستفتح أبوابا للصراعات والصدامات والاهتزازات على مصاريعها لأنها تستهدف القضاء على الهوية والحقوق والمصالح العليا الفلسطينية والعربية ووضع ينير الاستعباد على الرقاب من جديد. أي سيكون هناك تهديد للوجود العربي الإسلامي من حيث أتى، الأمر الذي يقود إلى الفوضى والاضطراب والصراعات الخطيرة.
_______________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة