العشائر العراقية ودورها السياسي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

عدنان ياسين مصطفى

يمكن القول إن تاريخ أي جماعة بشرية هو تعبير عن فعل الأنا الجمعي في سياقات ثقافية ذات سمة تراكمية، تورث اجتماعيا فتحدد ملامح هوية تلك الجماعة. وإذا كان علماء علم الاجتماع يقسمون المجتمعات إلى قسمين رئيسيين، المجتمعات الثابتة (Genuin Society) والمجتمعات النابتة (Casul Society)، حيث تنتمي البنية المجتمعية العراقية إلى الصنف الأول الذي يتسم بعمقه الأنطولوجي، ففيه مستويات من الوجود تحت ما يظهر على السطح، أبعد مما يبدو للعيان، كما عبر عنها عالم الاجتماع باسكر، وهذه المستويات التحتية ذات أهمية خاصة لأنها تستطيع أن تفسر ما هو باد لنا.

ولعل البنية العشائرية هي أحد أبرز المكونات الاجتماعية التي تفرض بوجودها مؤثرات قادرة على التحكم بصيغة العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، وذلك من خلال صياغتها لسلوكيات تلزم الأفراد الإقرار بها والتمسك بمبادئها، وهو ما يطلق عليه الوقائع الاجتماعية. وقد أسهمت قوانين الجغرافية والتاريخ في تأطير تلك الوقائع الاجتماعية بقوانين تتحكم بنشوئها وصياغتها، وفرضت عليها وضعا لا يمكن الخروج منه، وهو العيش في إطار مجموعة من القوميات والأجناس المتنوعة أنتروبولوجيا شكلت بمجملها نسيجه الاجتماعي.


تميز المجتمع العراقي بتعددية القبائل والقوميات والأديان. هذه التعددية أفرزت تعددية ثقافية وعقلية وبالنتيجة تعددية في السلوكية الاجتماعية والسياسية

لقد تميز المجتمع العراقي بتعددية القبائل والقوميات والأديان، هذه التعددية أفرزت تعددية ثقافية وعقلية وبالنتيجة تعددية في السلوكية الاجتماعية والسياسية.
لقد شكلت قوانين الجغرافية حدودا تبلورت فيها وحدات اجتماعية يطلق عليها القبيلة تقوم بتنظيم العلائق بين أفرادها، وتتمتع بسمات وأفكار مترابطة كسلة متماسكة، ترسم صورة القبيلة كمؤسسة اجتماعية متكاملة ذات مبادئ أساسية متفق عليها، حيث اتسمت القبيلة العراقية بشيوع العقل الجمعي، الكل لأجل الكل، والفرد يدافع عن الآخرين لأنه عضو في الجماعة ولأنه مكفول بالدفاع عنه من قبل الآخرين، فضلا عن شيوع التضامن الآلي، إذ لا يوجد مجال للتفكير والتردد في الدفاع عن القبيلة، إلى جانب ما اتسمت به من سلوكيات مقرونة بالحذر واليقظة والانتباه والجدية في أحيان كثيرة.

وعلى الرغم مما يراه البعض من أن العراق في مطلع القرن العشرين "لم يكن شعبا واحدا أو جماعة سياسية واحدة" فهو بالإضافة إلى عدد كبير من الأقليات "كانوا يشكلون مجتمعات متمايزة ومختلفة رغم تمتعهم بسمات مشتركة. والواقع أن هذا القول نصف الحقيقة، فالعراق كان جزءا من الإمبراطورية العثمانية، ولم تكن فيه سلطة سياسية وطنية، أما شعبه فقد كان موحدا على درجة كبيرة، ولعل أوضح مثال على اشتراك العراقيين بمختلف فئاتهم وطبقاتهم في مواجهة الاحتلال الإنجليزي للعراق (1904–1918). وحالة المقاومة التي وصلت ذروتها في ثروة العشرين وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور علي الوردي، أن ثورة العشرين كانت تعبيرا عن فعل جمعي شعبي لا يمكن أن يكون قد ظهر فجأة بل هو بالتأكيد تعبير عن تأريخ من مشاعر الانتماء تسبق ذلك الفعل. وكان العراقيون جميعا بمختلف فئاتهم وطبقاتهم يهتفون "يحيا الوطن". بل إن العرب (ذوي المجتمعات المتمايزة) كما وصفهم حنا بطاطو كانوا غالبا ما يتحدون في صراعهم ضد الدولة العثمانية، هذا بلا شك يجسد انتماء مشتركا إلى مجتمع واحد رغم وجود كيان مستقل.


ثورة 1920 كانت تعبيرا عن فعل جمعي شعبي لا يمكن أن يكون قد ظهر فجأة بل هو بالتأكيد تعبير عن تأريخ من مشاعر الانتماء تسبق ذلك الفعل

في إطار هذه المعطيات يبدو أن هوية الوطنية موسومة في وجدان وعقل وضمير جميع العراقيين، وكل الخطر في رأينا ليس في العشيرة بذاتها كوحدة اجتماعية أو حتى العشائرية، بل في بحث العشيرة في بعض الأحيان عن أمنها وعزتها في حضن الغريب الذي يجد فيها صيدا ثمينا لأطماعه واستغناء له عن شر القتال، بدل أن تبحث العشيرة عن ذاتها في الوطن عبر صيغ دستورية ووفاق يحفظ لها أمنها وحريتها وتطورها الثقافي وتشبثها في آن بالوطن الذي لا يمكنها من تحقيق سيادتها على نفسها إذا كان منتهكا، ولا يمكن تذوق الاطمئنان إذا كان قلقا.

وعلى الرغم مما تطرحه المتغيرات على الأرض من سلبيات، نجد اليوم الكثير من الوقائع والتأثيرات التي أسهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في وضع العشيرة العراقية لمفاهيم جديدة تفرز مفهوم المواطنة، وتبتعد عن مفاهيم العصبية الضيقة، مفتوحة على رحاب المجتمع الأرحب لتتحد مع مجموعات كبيرة من عشائر العراق نابذة خلافاتها، لتسعى لتقديم خدمات مجتمعية إنسانية، كإسهام البعض في حماية خطوط الأنابيب النفطية أو إصدارهم قرارات ضد من يرتكب جرائم بحق الناس، أو الإسهام في حل المشكلات الاجتماعية التي باتت تهدد كل بيت عراقي.

على صعيد آخر نجد أن رؤساء العشائر اليوم يساهمون بشكل فاعل في صياغة العملية السياسية، حيث تحتل العشيرة في ظروف الأزمات وغياب الكيان السياسي لسلطة الدولة الركن الأساسي في بلورة صورة المجتمع المدني بمفهومه الحديث، وقد تجسد هذا بشكل واضح فيما تلعبه العشيرة من دور في فرض آليات الضغط المجتمعي وخصوصا بعد سقوط النظام العراقي يوم 9 أبريل / نيسان 2003، فضلا عما تحقق من صور للتكافل الاجتماعي فيه.


تحتل العشيرة في ظروف الأزمات وغياب الكيان السياسي لسلطة الدولة الركن الأساسي في بلورة صورة المجتمع المدني بمفهومه الحديث

نقف هنا قليلا لنقول إن جدل التنوع لم يكن بالضرورة انقساميا، من حيث العلاقة مع الآخر (الأجنبي) على وجه الخصوص، لأنه تنوع ينطوي على تثاقف وتواصل، إنه تنوع يثري ثقافة الأمة، وخصوصا في ظروف الأزمات، حيث تمدنا قرائن التأريخ الحضاري في تاريخ العراق الحديث بشهادتين:

  • الأولى: المعارك التي حدثت في شمال العراق –كما في تلعفر- ضد الإنجليز أكدت مشاركة الأكراد والتركمان في الثورة مع أن الكيان السياسي للعراق لم يكن قد ظهر بعد.
  • الثانية: أن قبيلة شمر الجربة دافعت عن العراق ضد الغزو الإيراني، وساندت القوات المصرية في الشام ضد العثمانيين، وكان في جيش القبيلة مستشارون مصريون ولشيخها مراسلات مع محمد علي باشا.

ثمة حقيقة أخرى شهدها المجتمع العراقي تجسدت في نزوح أفواج كبيرة من أسر العشائر العراقية منذ منتصف القرن الماضي إلى المناطق الحضرية الكبيرة وخصوصا مدينة بغداد، وهذه الهجرة لم تزح الولاءات القديمة عن مواقعها، وبالرغم من أنها نمت على حسابها فهي قد تعايشت معها جنبا إلى جنب. وقد نمت بفعل هذه التطورات قوة اجتماعية جديدة في المجتمع الحضري تمتد في ولاءاتها عميقا في الريف العراقي على الرغم من أن أعدادا كبيرة انقسمت في المفردات اليومية لحياة المدينة.

وفي ظل التحولات المجتمعية السريعة التي يمر بها العراق على الأصعدة كافة، ما المطلوب من العشيرة؟ المطلوب هو أن تركز اهتماماتها لا على ما هو مرغوب فيه فحسب، بل على ما يمكن إنجازه عمليا في الواقع. ومن الطبيعي أن العشائر العراقية في عملها، كما في الخطوط السياسية الأخرى، إن اندفعت بتكريس البحث من أجل مصالح المجتمع فإنها في الوقت نفسه ترسي أسس دولة متماسكة.


الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تصبح العشيرة جزءا من المحتل أو تتحول إلى أداة للدولة وبالتالي تفقد وظيفتها كجزء فاعل من المجتمع المدني

وفي إطار هذه المسارات لابد أن نتذكر أن العشيرة كقوة متماسكة في وجه العوامل البشرية والطبيعية تعترضها أخطار. لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تصبح العشيرة جزءا من المحتل وتروج لمفاهيمه وسياساته، أو عندما تتحول الوحدة العشائرية إلى أداة للدولة وبالتالي تفقد وظيفتها كجزء فاعل من المجتمع المدني. كما يتجسد الخطر الآخر في العودة إلى الانقسامية من خلال تحويل القيادة العشائية من قيادة جماعية إلى قيادة فردية، أو عندما تتحزب العشيرة للطائفة أو الفئة على حساب الوطن، وكذلك عندما تدخل العشيرة في صراع مع العشائر الأخرى على حساب المواطنة لأسباب فردية كحالات القتل والثأر وغيرها. إلى جانب هذا وذاك فإن العشيرة كيان متجدد، وإن أخطر ما يواجهها اليوم عدم قدرتها على تطوير بنيتها الاجتماعية في مجتمع يدخل مرحلة الحداثة (حيث تكون المنزلة مكتسبة وليست منسوبة).

ختاما يمكن القول إنه إذا كان لهذا المجتمع الأصيل أن يبقى متماسكا في المستقبل وأن يحافظ على هويته مستقلة، فإنه سينظر إلى ثورة 1920 وحرب 1941 ووثبة 1948 وثورة 1958 وما يشهده المجتمع العراقي اليوم في مواجهة الاحتلال، على أنها مراحل في تقدم العراق باتجاه الانسجام الوطني، بالرغم من أن هذه المراحل لم تكن خالية من المظاهر الانقسامية. وتبقى حقيقة أساسية تمدنا بها قرائن التاريخ الحضاري وفلسفة التاريخ أن المجتمعات القائمة على التمايز (Heterogeneity) والتي تتألف حضاريا بفعل الاحتكاك تماما كما يفعل احتكاك الأسلاك السلبية والإيجابية فيشتعل الضياء.
_______________
أستاذ علم الاجتماع التنموي ورئيس وحدة البحث في مؤسسة بيت الحكمة ببغداد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة