الإعلام والهجرة غير الشرعية.. التباس تبرير تنميط   
الجمعة 1426/2/1 هـ - الموافق 11/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:41 (مكة المكرمة)، 10:41 (غرينتش)

 

مهاجرون غير شرعيين على قوارب الموت


عبد الوهاب الرامي

 

لا يمكن الحديث عن قضية الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا دون الوقوف في محطة التغطية الإعلامية لهذه الظاهرة، حيث أنه من المرات القليلة التي لا يكتفي الإعلام في تناوله لقضية مهمة كهده بدور توعوي كما درجت العادة ولكنه بصورة أو بأخرى يلعب دورا أمنيا.

 

في هاتين المقاربتين محاولة لإلقاء الضوء على ملامح المعالجة الإعلامية لقضية الهجرة غير الشرعية، وتقييم لأداء وسائل الإعلام تجاه هذه القضية من خلال النموذج المغربي كدراسة حالة.

 

وعن طريقة منهج تحليل المضمون لما تنشره وسائل الإعلام المغربية يمكن الحديث عن العناوين التالية في تناولها لظاهرة الهجرة غير الشرعية.

 

أولا: توصيف المعالجة

 

1- الهجرة غير الشرعية ظاهرة عابرة للحدود:

"
هناك التباس في الخطاب الإعلامي حول الهجرة غير الشرعية لكونه لا يستند إلى مرجعيات واضحة. حيث يركز الخطاب على اللاشرعية

"

وصف البلاغ الصادر عن مديرية الهجرة ومراقبة الحدود التابعة لوزارة الداخلية المغربية في أعقاب تحميل رئيس الحكومة المحلية لفويرتيبينتورا (الأرخبيل الإسباني لجزر الكناري) مسؤولية الهجرة غير الشرعية للمغرب  -إثر مصرع 13 مرشحا للهجرة غير الشرعية ينحدرون من أفريقيا جنوب الصحراء على سواحل جزر الكناري- أن ما صرح به رئيس الحكومة المحلية هو "مزايدات كلامية ذات بعد سياسي دنيء"، وأن الهجرة غير الشرعية "ظاهرة عابرة للحدود، وتستدعي تدخل كافة الشركاء والفرقاء في إطار المسؤولية الإقليمية المشتركة والمتضامنة".

 

2- على مستوى شبكات التهريب:

وبتناغم مع تصوير الهجرة غير الشرعية كظاهرة عابرة للحدود، تقدم الصحافة، المكتوبة منها خاصة، الموضوع مؤكدة على تشعبه على مستوى شبكات التهريب والجنسيات. وقد ذكرت الصحافة المغربية حالات عدة لأجانب متورطين في تهجير البشر منها إحالة المواطنة البرازيلية "إيزابيلا كريستياني" على المحكمة الابتدائية بفاس يوم 6 ديسمبر 2004، بتهمة انتحالها صفة مسؤولة بفرع شركة إسبانية، والمتاجرة في وثائق إدارية وعقود عمل وهمية لاستنزاف الشباب المغربي الحالم بالهجرة إلى أوروبا.

 

3- تحليل لمجموعات المهاجرين

إن الإعلام المغربي لايزال يرى المهاجر السري وفق منظور نمطي لا يراعي مواصفاته الجديدة المستندة إلى تزحزح في المعايير التقليدية.

 

الجنس: تغامر النساء الآن بحياتهن في نفس الظروف الصعبة التي يقدم فيها الرجال على الهجرة. وقد ذكرت صحيفة ABC الإسبانية في عددها الصادر يوم 23 يونيو 1999 أن الحرس المدني الإسباني اعترض قاربا على متنه 15 امرأة. والأكيد أن الهجرة النسوية خارج التجمع العائلي بدأت تنتعش مع منتصف الثمانينيات، وذلك من أجل تحسين معيشة النساء المهاجرات اللواتي هن في الغالب غير متزوجات.

 

"
كلما أثارت الصحافة موضوع الهجرة غير الشرعية تتحرك أجهزة الأمن لإلقاء القبض على المرشحين للهجرة أو المسؤولين عن شبكات التهريب الذين لامسهم الإعلام

"

السن: أصبح الأطفال القصَّر أكثر فأكثر من المرشحين للهجرة غير الشرعية، وهم يتسللون داخل الشاحنات المتوجهة إلى إسبانيا والحافلات والحاويات المحملة على البواخر بالموانئ. وحضورهم ملحوظ ببعض المدن الإسبانية. ولا يوحي لفظ الشباب اللصيق بالمهاجرين بتوصيفات اجتماعية معينة فهناك شريحة من المهاجرين الذين يقاربون الأربعين سنة ومنهم المتزوجون وكذلك ذوو أطفال.

 

المستوى الدراسي: أصبح المرشحون للهجرة غير الشرعية أكثر فأكثر من حملة الشهادات المهنية "وفي بعض الأحيان يقوم جامعيون مغاربة بمهن التجارة الدنيا على الشواطئ الإسبانية"، على حد قول الباحث المغربي محمد خشاني.

 

الانتماء الجغرافي: تذكر صحيفة "الأحداث المغربية" في عددها ليوم 23 ديسمبر 2004، أوقفت فرقة الهجرة غير الشرعية التابعة لمصلحة الاستعلامات العامة والتقنين بمدينة وجدة 664 شخصا من بينهم 600 من أفريقيا جنوب الصحراء، و55 جزائريا، و4 بنغاليين، و4 هنود، وسوري. ويتم تصوير المهاجر السري المغربي، عموما، على أنه طائش ومتهور، فضلا عن أنه يلوث صورة المغرب.

 

4- وهم الهجرة:

يؤكد الإعلام المغربي على وهم الهجرة الذي يهدهد المرشحين السريين وذلك من أجل تحسين ظروف معيشتهم، وغالبا ما يلوّح الإعلام بالموت كخاتمة محتملة بل محتومة لراكبي مغامرة الهجرة غير الشرعية، وهو أمر يعيه المرشح للهجرة غير الشرعية، إذ يبدو أن طالبي الضفة الأخرى أصبحوا يستأنسون دون توجس بالقولة المأثورة لديهم "قبر غريب ولا جيب فارغ". ولهذا تسارع الصحف إلى إصدار مانشيتات (عناوين عريضة) كلما جنح مركب للهجرة غير الشرعية في عرض البحر أو تم انتشال جثث طافية للمهاجرين غير الشرعيين (السريين).

 

5- البعد التراجيدي:

يبرز الإعلام المغربي كل مقومات الإثارة للنهايات المأساوية من أجل التدليل على وهم الهجرة، في مقابل تحقق الضرر. إذ يوظف بامتياز، قاموسا خاصا يدور حول مصطلحين وفكرتين أساسيتين هما الوهم والموت.

 

وغالبا ما يتم استخدام لفظ قوارب الموت بدلا من لفظ الـ"باتيرا"، التي تعني بالإسبانية، القارب الخشبي للتدليل أكثر على البعد التراجيدي، وفيه اتهام مضمر لشبكات التهريب باستغلال أحلام الشباب.

 

ونجد عددا من التعبيرات الأخرى التي توحي بمعان متغايرة من قبيل "الرحلة إلى المجهول"، و"جنة النعيم"، و"الحلم الأوروبي"، وكذلك الضحايا الذين يتحولون إلى "وجبات للأسماك أو الحيتان" أو "قرابين لسمك القرش".

 

6- تجريم شبكات التهريب:

"
لا يشكل موضوع الهجرة غير الشرعية في وسائل الإعلام المغربية مدخلا أساسيا للحديث عن الديمقراطية، ورصد التحولات السوسيو-اقتصادية والنفسانية التي يعيشها المواطنون خاصة تحت وطأة العولمة
"

تسعى وسائل الإعلام، وبشكل بارز، إلى تجريم شبكات التهريب، وتؤكد بصفة متواترة على المبالغ التي يسددها المرشحون للهجرة والتي تتراوح ما بين 1000 و2000 دولار أميركي للفرد الواحد، ويرتفع الثمن إلى حوالي 3000 دولار أميركي إذا كان العرض يشمل تسوية "الأوراق" عن طريق عقد عمل، بما يعني أن جشع المتاجرين في تهريب البشر هو في حد ذاته سبب قوي من أسباب الهجرة.

 

وتقدم الصحافة المهربين بوصفهم مجرمون حتى النخاع، ومستعدون للعصيان والتخريب، بل وسفك الدماء. "كل ليلة "تعويمة" (ليلة الإبحار حسب التعبير السائد جنوب المغرب) نجد دورية للقوات المساعدة فننتظر حتى تمر، ثم نتم عملنا. ونحن لدينا الهري والآلات الحادة وعددنا يفوق عددهم "على حد قول أحدهم ليومية "الأحداث المغربية"، عدد 24 ديسمبر 2004.

 

7- الإعلام ودور المُخبر:

يلاحظ أنه ما أن تثبر الصحافة موضوع الهجرة غير الشرعية من خلال استطلاعات أو تحقيقات حتى تتحرك جهات الأمن لإلقاء القبض على المرشحين للهجرة أو المسؤولين عن شبكات التهريب الذين لامسهم الإعلام. وتبدو آثار الإعلام جلية هنا وذلك لتخوف المسؤولين الأمنيين من أن يتهموا بالتواطؤ أو التخاذل بخصوص مكافحة الهجرة غير الشرعية كبرنامج وطني ذي أهمية خاصة.

 

فبعد انتهاء استطلاعين متزامنين بشمال المغرب (بمنطقتي بليونش وغورغو) عن المهاجرين غير الشرعيين المنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء سنة 2004 من طرف القناة المغربية الثانية 2M ويومية "الصباح"، سارت حملة من قوات الأمن لإلقاء القبض على الأفارقة المرشحين للهجرة إلى أوروبا. وقد حصل البرنامج المنفذ من قبل القناة الثانية عن المهاجرين الأفارقة على الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة لسنة 2004، في مجال الاستطلاع.

 

8- تغليب الجانب الإخباري:

تبدو تفاصيل القبض على المتهمين وترصد المهربين والمرشحين للهجرة غير الشرعية مغرية خاصة في الصحف المستقلة التي تميل إلى ذكر الملابسات التي تثيبر فضول القارئ، ويبدو هذا جليا من خلال التحقيقات التي تستعرض أفلام عمليات الدهم والتعقب.

 

9- الأبعاد اللاأخلاقية لتهريب البشر:

ورد في استطلاع ليومية "الأحداث المغربية"، ليوم الجمعة 24 ديسمبر 2004، إشارة إلى الممارسات اللاأخلاقية التي تترتب على الهجرة غير الشرعية للأفارقة السود الذين يعتبرون المغرب البوابة الرئيسة لتحقيق حلمهم بالهجرة "كل شيء ممكن في هذا المكان، فالمنظم سيده (يعني سيّد المكان)، فقد اصطحب إحدى المرشحات الإفريقيات للهجرة ومارس معها الجنس".

 

ثانيا: مظاهر الخلل في المعالجة

 

إن الغالب في تغطية الإعلام المغربي لموضوع الهجرة غير الشرعية هو اعتباره من وجهة النظر الأمنية. وذلك راجع أساسا إلى كثرة اعتماد المصادر الأمنية والقضائية وأصداء المحاكم من خلال المحاضر وغيرها، خاصة في ما يتعلق بعمليات الدهم في إطار مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتفكيك شبكات التهريب.

 

يسجل شّح في توظيف أشكال التحرير الصحفي وبخاصة في مادة الرأي (مقال التحليل مثلا) والأشكال الأخرى (الاستجواب، الاستطلاع، التحقيق) والاكتفاء بما تنقله وكالات الأنباء، دون إنجاز أعمال ميدانية داخل البلدان التي تتجه إليها الهجرة غير الشرعية.

 

"
يميل الإعلام المغربي إلى تكثيف خطاب الفاجعة، مكرسا الإحساس العام السلبي بأن الظاهرة مستفحلة ولا سبيل إلى كبحها في الأمد المنظور، بينما الإعلام الإسباني والغربي عموما يتخذ من المهاجر غير الشرعي ذريعة لتكريس فكرة الغزو البشري من الجنوب، رابطا الهجرة غير الشرعية بالإرهاب
"

هناك أسئلة منهجية يجب أن تثار إعلاميا حول  الهجرة الشرعية مثل: هل دواعي الهجرة الخروج من الفقر أم الاغتناء السريع أم البحث عن أجواء الحرية مع إمكانية تحقيق الذات بعيدا عن رقابة مجتمع ودولة المنشأ؟. إن مثل هذه الأسئلة هو ما يقرب جمهور الإعلام من الفهم الحقيقي للظاهرة. ويمكن في هذا الصدد تسجيل الملاحظات التالية:

  • تبدو الهجرة غير الشرعية مسوغا لصحف المعارضة لمناوشة الحكومة، ولكنها تقف عند هذا الحد ولا تتجاوزه لمسألة سياسة الدولة العامة.
  • إن خطاب وسائل الإعلام السمعية والبصرية ينحي باللائمة على ما يقدم عليه المهاجرون، مؤكدا، بشكل يكاد يكون حصريا، على ما يتعلق بصون الحياة دون الخوض في الظروف المنتجة لتصورات تعد بأن الجنة تحت أقدام أوروبا، وأن كل شيء يسترخص في سبيل هذه الجنة.
  • قلما تتم الإشارة إلى الهجرة الموسمية التي بدأت تنتعش منذ الستينيات من القرن الماضي، وذلك تلبية للطلب على اليد العاملة في قطاعات تحقق تشغيلا موسميا مثل الفلاحة، والبناء، والمطاعم والفندقة.
  • غياب المعالجة الشمولية: إذا أخذنا كنموذج مسألة التسويات المرحلية من زمن لآخر لوضعية المهاجرين السريين من طرف السلطات الإسبانية، فالملاحظ أنه لا يتم تحليلها بالشكل الكافي من طرف الصحافة، ولا يمكن في إطار عملية تحليل مسألة التسوية إسقاط فكرتين أساسيتين: الحاجة الاقتصادية الملحة لليد العاملة الرخيصة والطيعة والمستعدة للقيام بكل الأعمال مهما اعتبرت وضيعة من طرف المجتمع الإسباني، وعملية المراقبة والضبط من خلال الملفات المقبولة والمرفوضة في آن التي يتقدم بها أصحابها لتسوية أوضاعهم.

وهكذا يبدو أن الصحافة المغربية لم تتعامل بالشكل الكافي مع ظاهرة الهجرة لتجلية أسبابها ومراميها وأبعادها، مع استشراف آثارها. 



_____________

المعهد العالي للإعلام والاتصال، المغرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة