الخطاب العربي بين السندان الرسمي والمطرقة الشعبية   
الجمعة 1427/8/15 هـ - الموافق 8/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)

 
ما مدى التوافق بين خطاب الأنظمة العربية وخطاب شعوبها خاصة بعد التحولات السياسية التي أحدثتها هزة 11 سبتمبر/أيلول؟ وهل بينت الحرب على لبنان كنموذج المدى الواسع الذي يفصل بين خطاب كليهما؟ ولماذا ظهر هذا التباعد واضحا خلال الحرب على لبنان دون غيرها من الأزمات العربية الراهنة رغم تعدد هذه الأزمات؟  أهو الرهان الأخير للشعوب على عجز وانفصام الأنظمة العربية عن الواقع وعن التوافق مع رغبات الشعوب أم لأن الشعوب العربية قد سئمت أخيرا ذلك التخاذل الرسمي وأدركت, من خلال المثال الذي ضربه حزب الله, أن الشارع العربي يجب أن يأخذ القانون في يده؟  إذن هل ستغير الحرب على لبنان مستقبل العلاقة بين الشعوب العربية وأنظمتها كما غيرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 مستقبل العالم أم أن المطلوب من كليهما أن يغيرا فقط خريطة الشرق الأوسط؟
 
 
"
كشفت الحرب الأخيرة على لبنان ذلك التباعد الكبير بين الشارع العربي ونظامه السياسي الذي تمثل في نوعية الخطاب السياسي لكليهما وفي مواقفهما المعلنة
"
لم تكشف الحرب على لبنان شيئا جديدا لم تعرفه الشعوب العربية من قبل عن أنظمتها السياسية ولكنها في المقابل كشفت عن وجه جديد للشعوب لم تكن الأنظمة تعرفه، فقد كشفت هذه الحرب عن نضج الشعوب العربية مقابل حماقات بعض الأنظمة العربية وأخطائها المميتة وجريها خلف مصالحها الضيقة وكراسيها الآيلة للسقوط، كما أظهرت الحرب على لبنان الوعي التام في مواقف الشعوب العربية, التي رصت صفوفها بعضها خلف بعض وتغلبت على كافة النزاعات والخلافات الطائفية والمذهبية التي أثارتها وحاولت تعزيزها الأنظمة العربية.
 
كذلك أظهرت هذه الحرب عدم وعي الأنظمة لمسؤولياتها القومية وتأثير ذلك اللاوعي على استقرار المنطقة ككل, بينما أظهرت وعيا متناميا للشعوب العربية التي عادة ما تجمعها المحن العربية ولا تفرقها. 
 
فهل أخطأت إذن بعض الأنظمة العربية ومنها الملكيات العربية (المملكة العربية السعودية والأردن) في الدق على وتر الطائفية والمذهبية لتفريق كلمة الشعوب؟ وهل تسرعت بعض الأنظمة العربية في تصريحاتها الرسمية تجاه الحرب؟ وهل توقعت الأنظمة العربية أن تمنى المقاومة اللبنانية بهزيمة شنيعة كالهزائم التي كانت الجيوش العربية تمنى بها في مواجهاتها السابقة مع إسرائيل؟ وما رهانات الأنظمة العربية في هذه الحرب؟
بعض الأنظمة العربية كانت كما يبدو على اقتناع بأن الطائفية سوف تفرق كلمة الشعوب وتوحدها خلف النظام الحاكم. ولكن الحرب على لبنان كشفت العكس وهنا سقط قناع آخر من الأقنعة التي كانت تغطي وجه الأنظمة العربية، فالحرب على لبنان كشفت ذلك التباعد الكبير بين الشارع العربي ونظامه السياسي الذي تمثل في نوعية الخطاب السياسي لكليهما وفي مواقفهما المعلنة.
 
فبينما اختارت الشعوب الخطاب القومي المناصر للمقاومة الشعبية, اختارت الأنظمة الخطاب المتخاذل والخائر الداعي للسلام والاستسلام؛ وبينما وقفت جميع الشعوب العربية موقفا واحدا ظهرت تلك الفرقة والخلاف في مواقف الأنظمة العربية. 
 
من ناحية أخرى كشفت هذه الحرب عن تلك العلاقة الواضحة أحيانا والخفية أحيانا كثيرة التي تربط الكثير من الأنظمة العربية بالولايات المتحدة ومشاريعها وخططها السياسية الكبرى في الشرق الأوسط، فهذه الأزمة أظهرت للعيان ذلك الدور المرسوم بعناية لبعض الدول العربية لكي تقوم بلعبه معتمدة إما على موقعها الإستراتيجي وإما على دورها المؤثر في المنطقة. 
 
التوقيت الذي اختارته الأنظمة العربية والأسلوب التي اختارته لتعلن تأييدها لمشروع الشرق الأوسط الجديد أحدث صدمة في الشارع العربي.
 
ولم تتوقع الشعوب العربية وهي ترى دماء الأطفال والنساء تراق في لبنان وفلسطين أن توافق الأنظمة العربية على مشاريع استعمارية كهذه، كما ترفض هذه الشعوب أن يغذي الدم العربي قنوات وترع هذا المشروع الذي لا تري فيها سوى وصاية استعمارية جديدة على العالم العربي، فهذه الشعوب التي دفعت من قبل دماءها في سبيل تحرير أوطانها لن تقبل أن تقدم مكافأة للمستعمر، فلا غرو أن تعتبر الشعوب العربية مواقف أنظمتها خطيئة لا خطأ، فالخطأ يغتفر ولكن الخطيئة لا تغفر أبدا.
 
 
"
إن مواقف الشارع العربي قلبت كل الموازيين وأظهرت أن كلا من الولايات المتحدة والأنظمة العربية قد بنوا حساباتهم على أسس خاطئة
"
لقد أدركت الشعوب العربية أن الحرب على لبنان ما هي الا وسيلة لتحقيق مخطط الشرق الأوسط الكبير الجديد، ولذا أظهرت هذه الأزمة وعي وإدراك الشعوب العربية لعمق وتأثير المشاريع الأميركية وتأثيرها الواضح على مصالح الشعوب العربية الوطنية والقومية، فقد وقفت جميع الشعوب العربية ضد شرق أوسط  يضم بين جنباته الكيان الصهيوني, إما الأنظمة فقد أظهرت ميلا باتجاه السلام خاصة عندما تملى شروطه من قبل الولايات المتحدة.
 
لقد كشفت الحرب على لبنان الأبعاد الكبيرة والمرسومة لشرق أوسط يتعايش فيه العرب جنبا إلى جنب مع "إسرائيل", كما  كشفت عن عمق تواطؤ بعض الأنظمة العربية والدور المرسوم لها بعناية في تخطيط لخريطة جديدة للشرق الأوسط. فلا غرو أن تسارع الولايات المتحدة الأميركية فور الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان عن منح دولة عربية مساعدات مادية مباشرة تبلغ ربع مليار مكافأة لها على الدور المرسوم الذي قامت بتنفيذه بدقة أثناء هذه الحرب.
 
لقد كشفت الحرب على لبنان الكثير من المستور في تلك العلاقة الواهية التي تربط الشعوب العربية بأنظمتها والتي من المفروض أنها تمثلها وتتحدث باسمها. لقد وضعت هذه الحرب كل الحسابات بين الشعوب العربية وأنظمتها على الطاولة وآن الأوان لكي تفتح الشعوب كافة الملفات القديمة والجديدة. وهكذا يبدو واضحا أن المنطقة, كما صرحت وزيرة الخارجية الأميركية مقبلة على مخاض وولادة عسيرة ستكون نتيجتها مؤثرة. ولكن من الواضح أيضا أن نتيجة هذه الولادة العسيرة, كما قال السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله, لن تكون حتما لصالح بعض الأنظمة العربية. فكم من الكراسي سوف تتغير؟
 
لقد أظهرت الحرب على لبنان الكثير من الأخطاء السياسية العربية الرسمية كان رأسها موضوع الطائفية،  فرغم أن بعض المحللين السياسيين يرجع هذا الموضوع برمته كنتيجة لتأليب خارجي فإن سرعة تلبية هذا النداء من قبل بعض الأنظمة العربية جاءت لتعكس رغبة دفينة موجودة أصلا لدي الأنظمة لاستخدام هذا "الكارت" لتقوية كراسيها على حساب اللحمة الوطنية، لقد راهنت الولايات المتحدة على موضوع الطائفية كمؤثر كبير لإعادة تفكيك الشرق الأوسط وصياغته وخلقه من جديد, وكانت تعول كثيرا على مساعدة الأنظمة العربية. وقد أظهرت الحرب على لبنان استعداد الأنظمة العربية للتنازل والتضحية بمصالح وطنية وقومية مقابل مصالح خاصة. إلا أن مواقف الشارع العربي قلبت كل الموازيين وأظهرت أن كلا من الولايات المتحدة والأنظمة العربية قد بنوا حساباتهم على أسس خاطئة.

هل استوعبت الشعوب ما لم تستوعبه الأنظمة

"
كانت الأنظمة تظن أن البطالة والفقر والمساعدات الاقتصادية سوف تجعل الشعوب العربية تركع وتصرف النظر عن خيار المقاومة الشعبية، ولكن يبدو أن للشعوب العربية حسابات أخرى عجزت الأنظمة عن استيعابها
"
فقد كان من المتوقع أن تثير هذه النعرات المذهبية والعرقية فورا النفور الشعبي من المقاومة الإسلامية لحزب الله وتنجح في خلق تيارات شعبية تقوم بالتأليب ضدها, وبالتالي ترفع عن كاهل الأنظمة عبء التخاذل عن نصرة المقاومة، ولكن الشعوب العربية خيبت ظن الأنظمة كما خيبت مرارا ظن الولايات المتحدة، فقد تبين من اللحظة الأولى للعدوان أن الشعوب العربية على كافة مستوياتها الشعبية قد رأت في هذا العدوان عدوانا موجها للعالم العربي والإسلامي, عدوانا عنصريا موجها ضد كل القيم الإنسانية والحضارية وضد العالم المتحضر. كما رأت في المقاومة الشعبية لحزب الله مقاومة صادقة لرد الاعتبار للأمة العربية.  لذا لم تتوان هذه الشعوب لحظة عن تأكيد وقوفها إلي جانب المقاومة في لبنان ضد كل المخططات التي تهدف إلى تفكيك المنطقة وإعادة صياغتها بإضافات جديدة ومسوغات مقبولة من شعوب المنطقة. 
 
لم تكن الأنظمة العربية تدرك مدى استيعاب الشعوب العربية للمخططات الإمبريالية الكبرى ودورها في تحييد المنطقة. وكانت الأنظمة تظن أن البطالة والفقر والمساعدات الاقتصادية سوف تجعل الشعوب العربية تركع وتصرف النظر عن خيار المقاومة الشعبية. ولكن يبدو أن للشعوب العربية حسابات أخرى عجزت الأنظمة عن استيعابها. لقد سئمت الشعوب ذلك الإذلال الاقتصادي الغربي ورأت أن الوقت قد حان لتسوية الحسابات. كما سئمت الشعوب العربية مواقف الأنظمة المتخاذل التي انحصر تفكيرها فقط في تأكيد الولاء للولايات المتحدة. وهكذا نجحت الجهود الشعبية في الضغط على الأنظمة العربية وجعلها تغير مواقفها الرسمية تجاه الحرب في لبنان تماما كما ضغطت عليها في السنوات السابقة وجعلتها تحدث تغيرا في مواقفها من التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
 
لقد أحبطت الشعوب العربية كل مخططات الولايات المتحدة التي ظلت تنتظر منذ زمن طويل الفرصة السانحة لإحداث هذه الخلخلة السياسية الهائلة في الشرق الأوسط. فلا يمكن خلق شرق أوسط كبير دون إحداث زلزال سياسي يهدف إلى إزالة كافة أشكال الرفض والمقاومة الشعبية وكافة الطروحات القومية التي تقف حائلا دون ولادة شرق أوسط جديد وخريطة تتماشى مع الرغبات الأميركية لحدود أمنة ومستقرة لإسرائيل. ولا يمكن إعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة دون التمهيد لإحداث شرخ شعبي يتمثل في الفتن الطائفية والعرقية والتفرقة السياسية. لذا لم تتوان الولايات المتحدة في استخدام كافة الأساليب المتوفرة لديها لتمرير مشروعها العظيم، فمن الغزو والاحتلال المفتوح للعراق مرورا بوسائل الضغط المختلفة على الدول التي تستفيد من المساعدات الأميركية وانتهاء بالتهديد والوعيد لمن لا يقبل بهذا المشروع كانت الولايات المتحدة هي الراعي الرئيس لخريطة شرق أوسطية جديدة.
 
وكنتيجة للضغوط الأميركية رضخت الأنظمة العربية وأيدت مشروع الشرق الأوسط الكبير حيث رأى بعضها فيه بقاء لهم، ورأى البعض الآخر فيه فائدة ومصلحة مادية. ولكن أحداث لبنان كشفت ذلك الاستعجال الأميركي لوضع مشروع الشرق الأوسط الجديد قيد التنفيذ بسرعة قصوى. فمن الاستعجال إلى إزالة سلاح حزب الله, الذي تمثل مقاومته التيار الشعبي الرافض للوجود الإسرائيلي في المنطقة, إلى تحييد الدول المتعاطفة مع لبنان, كسوريا مثلا, إلى التهديد بسحق أي نظام يمكن أن تؤثر مواقفه السلبية على مشروع الشرق الأوسط الجديد, كإيران مثلا, كلها قضايا تداخلت لتزج بلبنان في حرب مفتوحة.
 
لقد كان الصمت العربي الرسمي في بداية الحرب على لبنان هو الثمن الذي تطلبه الولايات المتحدة من حلفائها الأنظمة العربية, أما في نظر الشعوب فكان الصمت يمثل الخطيئة الكبرى التي لا يغسلها سوى الدم. فلم يكف التنديد بالعدوان ولم يكف الشجب والندب ولا المظاهرات التضامنية لإظهار حسن النوايا والدعم تجاه قضية لبنان، فهذه الصيحات لم تحم دم الأطفال المراق في لبنان أو في العراق وفلسطين من الهدر اليومي. كما أن تحميل المسؤولية لإسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة لا يمكن أن يعفي العرب شعوبا وأنظمة من المسؤولية النهائية.  
 
لذا تحركت الشعوب العربية للمطالبة بمزيد من الدعم للبنان الذي كان يقف وحيدا في مواجهة العدو، فالحرب التي كان يخوضها هي حرب لأجل العرب جميعا وليست من أجل لبنان.
 
لقد أظهرت هذه الحرب ليس فقط انتصار المقاومة الشعبية في لبنان ولكن انتصار الشعوب العربية على سنوات من القمع الذي مارسته الأنظمة العربية وخرجت الشعوب من هذه الحرب مرفوعة الرأس. لقد حسمت الشعوب العربية الحرب على لبنان.
_______________
باحثة إماراتية وأستاذة جامعية لتاريخ الخليج العربي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة