الانتخابات البحرينية.. قراءة في أجندة القوى السياسية   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:28 (مكة المكرمة)، 16:28 (غرينتش)

* بقلم/ عبد النبي العكري

رغم إجماع القوى السياسية في بداية المرحلة الجديدة التي دشنها تولي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم عام 1999 على ضرورة تفعيل الدستور واستئناف الحياة النيابية وإجراء انتخابات عامة في البلاد، فإن هناك انقساما عمودياً تجاه المشاركة في هذه الانتخابات التي ستجري يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

هذا الانقسام ليس ابن لحظته بل تعود خلفيته إلى التشكيلة التاريخية للقوى السياسية ومنطلقاتها الأيديولوجية وخطوطها السياسية. صحيح أن هناك تحولات مهمة جرت لبعض هذه القوى، وظهرت قوى جديدة في الساحة، وصحيح أيضا أن الجمعيات السياسية الأساسية مستندة إلى قوى سياسية متجذرة في المجتمع وقديمة الوجود، لكنه من الملاحظ أن هذه القوى شهدت تحولات حاسمة في ظل الشرعية التي تمتعت بها بعد أن كانت تعمل تحت الأرض.

والموقف من الانتخابات مرتبط أشد الارتباط برؤية هذه القوى للقضايا المطروحة محلياً وعربياً ودولياً، فلنحاول أن نقوم بقراءة نقدية للأطروحات السياسية والفكرية للقوى السياسية الفاعلة في المجتمع البحريني (اليسار، الإسلاميون، الليبراليون).

- موقف اليسار
- موقف الإسلاميين الشيعة
- موقف الإسلاميين السنة
- موقف الليبراليين

موقف تيار اليسار


تسببت الخلافات بين التيارات اليسارية وما رافقها من حملات متبادلة بين الطرفين حول المسؤولية عن انفراط عقد اليسار، في ابتعاد العديد من العناصر المستقلة كما دفع ذلك تيار البعث إلى الاستقلال وتشكيل تنظيم خاص به أطلق عليه "جمعية التجمع القومي الديمقراطي"

تعود جذور اليسار في البحرين إلى فترة الخمسينات عندما ظهرت جبهة التحرير الوطني التي صدر عنها أول بيان يحمل الخطوط العريضة لبرنامجها في عام 1963، وتلتها الجبهة الشعبية في البحرين التي كانت جزءا من الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي. وقد مثلت جبهة التحرير الوطني الخط الشيوعي التقليدي في حين مثلت الجبهة الشعبية الخط الماركسي الذي خرج من رحم التيار القومي. من هنا كان هناك افتراق في رؤية كل منهما للعديد من القضايا كما كان بينهما اتفاق أحياناً على بعض القضايا الأخرى مثل الموقف من النظام والوحدة الخليجية والعربية وفلسطين، والبرلمان، والموقف من الخلاف داخل الحركة الشيوعية، والعلاقة مع التيارات الأخرى الدينية والقومية محلياً وعربياً.

بالنسبة للانتخابات البرلمانية فقد اتفقت الجبهتان على مقاطعة المجلس التأسيسي الذي وضع دستور دولة البحرين عام 1973، في حين اختلفتا حول المشاركة في أول انتخابات برلمانية يوم 10/12/1973، فبينما شاركت جبهة التحرير الوطني وشكل نوابها وأصدقاؤها ما عرف بكتلة الشعب (8 نواب) قاطعت الجبهة الشعبية هذه الانتخابات ونددت بالمجلس المنتخب، لكن حل المجلس الوطني في 26/8/1975 وحملة التنكيل بالجبهتين جمعتهما مرة أخرى في صيغة تحالف مع حزب البعث، رغم أن هذا التحالف لم يمنع من المنافسة في المنظمات الجماهيرية المحظورة مثل اتحاد العمال، واتحاد الطلبة، ومنظمة السلام والتضامن والجمعيات القائمة في البحرين (الأطباء، المحامين.. إلخ)، وكذلك التنافس في مجال العلاقات مع القوى الخليجية والعربية والدولية ومنتدياتها ومنظماتها.

وإثر تداعيات حرب الخليج الثانية تقاربت التنظيمات أكثر وشكلت لجنة تنسيق كان يؤمل أن تكون بداية لدمج الجبهتين خصوصاً في ضوء المراجعة الجذرية لكلتيهما إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المعسكر الاشتراكي، لكن ذلك لم يتحقق، وبقيت لجنة التنسيق هذه متواضعة حتى قررت الجبهتان إنهاءها عام 1998.

ورغم اتفاق الجبهتين على ضرورة التحالف مع القوى المعارضة الإسلامية الشيعية فقد كانتا مختلفتين في مدى هذا التحالف وتكتيكاته. وبينما شاركت الجبهة الشعبية في المساومات حول ميثاق العمل الوطني لم تدخل جبهة التحرير الوطني في ذلك، وإن اتفقت الجبهتان في دعوة أنصارهما إلى التصويت بنعم.

التعاطي مع المشروع الإصلاحي
على امتداد ثلاث سنوات كانت تجري في البحرين لقاءات بين ممثلي الجبهتين لتشكيل تنظيم واحد، لكن الأوضاع الأمنية والخلافات بينهما لم تسمح بذلك. وبعد حدوث الانفراج الأمني جرى إحياء مشروع "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي يضم إلى جانب الجبهتين العناصر الديمقراطية الأخرى. وتبنت الجبهة الشعبية بقوة مشروع التجمع وتقدمت بوثيقة مكتوبة عنه، في حين تحفظت عليه جبهة التحرير.

فبينما أكدت الجبهة الشعبية أن يكون التجمع الوطني الديمقراطي علنيا مفتوحاً لجميع التيارات والشخصيات الديمقراطية (شيوعية ويسارية، ناصرية، بعثية، مستقلة.. إلخ)، رفضت جبهة التحرير الوثيقة -وإن اتفقت على المبدأ- وأصرت على ضرورة أن تصوغ الجبهتان وثيقة مشتركة ثم يجري عرضها على الآخرين، على أن يتم دمج الجبهتين أولاً ثم يجري إدخال الآخرين في التجمع.

لكنه في ظل التطورات المتسارعة التي كانت تشهدها البلاد والاستقطابات الجارية حينها، فقد بادرت الجبهة الشعبية بترتيب لقاءات تضم بعض كوادرها وكوادر مستقلة أخرى وبدأت في مناقشة مشروع التجمع لإقراره، لكنه وأمام رفض النظام بشكل قاطع لتشكيل تنظيمات سياسية وموافقته على قيام جمعيات سياسية فقط، فقد جرى البحث مجدداً لتشكيل جمعية موحدة لليسار.

من هنا انطلقت عملية تأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي ولكن بدعوة المؤسسين بصفتهم الفردية وليس بكونهم ممثلين لقوى سياسية، وحدث تجاذب بين الجبهتين في هذا الخصوص، وجرت عملية صياغة الوثائق وتشكيل اللجنة التحضيرية التي رأسها المرحوم جاسم فخرو (مستقل) وجرى الإقرار بالمبدأ مع الأخذ في الاعتبار تمثيل التيارات الثلاثة (الشعبية، التحرير، المستقلين).

لكن المفاجأة جاءت في خضم التحضير لإعلان الجمعية وذلك بقيام جبهة التحرير ومناصريها بعقد اجتماع تأسيسي "لجمعية المنبر التقدمي الديمقراطي"، وأضحى واضحاً افتراق الجبهتين مرة أخرى حيث استقرت الجبهة الشعبية وبعض المناصرين والبعثيين والمستقلين في "جمعية العمل" واستقرت جبهة التحرير في" المنبر التقدمي".


اتخذت جمعية المنبر التقدمي موقفا برغماتيا تجاه القضايا الخلافية، فرغم تحفظاتها على دستور 2002 والقوانين المترتبة عليه فإنها أكدت أولوية العملية السياسية على الاعتبارات الحقوقية التي تتمسك بها الجمعيات الأربع ولذا قررت مبكراً خوض الانتخابات البرلمانية
وإلى جانب ذلك حدث خلاف داخل تيار الجبهة الشعبية ذاتها فقد تبلورت مجموعة يقودها المحامي عبد الله هاشم، تطرح رفض صيغة جمعية العمل وتصر على إحياء تنظيم الجبهة الشعبية، وفي ذات الوقت تدافع عن استمرار عناصر جبهة التحرير في جمعية العمل رغم تشكيلهم لجمعيتهم الخاصة. وقد ظهر هذا الخلاف في انتخابات جمعية العمل وانتهت بفوز تيار الأغلبية الداعية إلى حركة ديمقراطية جديدة، وقد عهدت مجموعة عبد الله هاشم إلى الانشقاق عن جمعية العمل وتشكيل "جمعية التجمع الوطني الديمقراطي".

لقد تسبب هذا الافتراق وما رافقه من حملات متبادلة بين الطرفين حول المسؤولية عن انفراط عقد اليسار في ابتعاد العديد من العناصر المستقلة عن الجمعيتين. بالطبع لا يمكننا القول إن جمعية المنبر هي جبهة التحرير وإن جمعية العمل هي الجبهة الشعبية، فقد تغيرت المنطلقات والقناعات والظروف والبرامج والشعارات، ولكن تبقى الوشائج التي تربط التنظيم القديم بالجديد وآثار الماضي على الحاضر.

ومع الانتخابات البلدية يومي 9 و16/6/2002 جرى استقطاب لمختلف الجمعيات، وتشكل ما يشبه التحالف الانتخابي الديمقراطي (الجمعيات الثلاث)، في مواجهة جمعية الوفاق الوطني (التيار الإسلامي الشيعي) وتحالف الجمعيات والشخصيات الإسلامية السنية، حيث جرى تبادل الدعم بين التيارين السني والشيعي ضد مرشحي التيار الديمقراطي الذي لم يفز بأي مقعد بلدي.

وتأسيسا على نهج سابق في التحالفات فإنه بعد أشهر معدودة من لقاءات ضمت الجمعيات الثلاث (التيار الديمقراطي)، افترقت المواقف من جديد بشأن دستور فبراير/ شباط 2002 وما ترتب عليه من نظام مجلسي النواب والشورى وبشأن الترتيب لإجراء الانتخابات البرلمانية. فقد تحالفت جمعية العمل مع جمعية التجمع القومي واقتربتا من الجمعيتين الإسلاميتين الشيعيتين (الوفاق والعمل الإسلامي) لتشكل الجمعيات الأربع تحالفاً معارضاً لدستور 2002 ومراسيم القوانين المترتبة عليه، ومقاطعا للانتخابات القادمة.

وجرت صياغة الموقف الموحد في بيان 3/9/2002 ثم جرت مأسسة هذا التجمع في صيغة لجنة تنسيق من قياديي الجمعيات الأربع ولجان متخصصة، وتم وضع برنامج مشترك مؤقت لمقاطعة الحملة الانتخابية والانتخابات حتى 24/10/2002.

من ناحية أخرى اتخذت جمعية المنبر التقدمي موقفا برغماتيا تجاه تلك القضايا، إذ رغم تحفظاتها على دستور 2002 ومسألة إضعاف السلطة التشريعية المنتخبة فإنها أكدت أولوية العملية السياسية على الاعتبارات الحقوقية التي تتمسك بها الجمعيات الأربع ولذا قررت مبكراً خوض الانتخابات النيابية.

من هنا وجدت جمعية المنبر نفسها تلتقي مع الجمعيات الأخرى التي تؤيد المشاركة في الانتخابات مع تباين في موقفها تجاه الدستور والعملية الإصلاحية برمتها. وهذه الجمعيات هي: جمعية التجمع الوطني (يسارية) وجمعية الوسط القومي الإسلامي (وسطية) وجمعيتا المنبر الإسلامي والشورى (دينية سنية) وجمعية الميثاق (محسوبة على النظام الحاكم) وجمعية المنتدى الثقافي (ليبرالية).

موقف التيار الإسلامي الشيعي


بعد سنوات من القطيعة بين الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين والمعارضة اليسارية، جرى منذ عام 1985 التوصل إلى مواقف مشتركة انصبت على المطالبة بوضع حد للقمع ومصادرة الحريات والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وظل الخلاف قائماً حول الدستور ومحوريته لليسار وهامشيته للجبهة
تعود جذور هذا التيار إلى حركة التجديد والتنظير التي أطلقها السيد محمد باقر الصدر. وكان هذا التيار ممثلاً في المجلس الوطني بثلاثة نواب (الشيخ عيسى قاسم والشيخ عبد الأمير الجمري والسيد عبد الله المدني الذين شكلوا الكتلة الدينية)، ودخل في صراع مرير -بتأييد من النظام- مع التيار اليساري (الشعبية والتحرير والبعث).

ورغم اتفاق الكتلة الدينية مع كتلتي نواب الشعب (يسار) ونواب الوسط (تجار) على رفض مرسوم بقانون تدابير أمن الدولة والذي أدى إلى حل المجلس الوطني عام 1975، فإنه سرعان ما استعاد تناغمه مع الحكم في مواجهة اليسار خصوصاً بعد مقتل السيد عبد الله المدني في نوفمبر/ تشرين الثاني 1976 وما تبع ذلك من حملة تنكيل ضد الجبهة الشعبية.

والحقيقة أن هذا التيار ومؤسساته الدينية حظي بالرعاية الرسمية لإضعاف اليسار. ثم جاء انتصار الثورة الإسلامية في إيران ليتبلور تيار سياسي إسلامي شيعي معاد للغرب وحلفائه المحليين، فبرز الافتراق بين الاتجاه المعارض في هذا التيار من استمرار الاتجاه التقليدي المتحالف مع النظام. ومثلما حدث في ساحات أخرى فقد ظهرت تنظيمات شيعية كالفطر وبعضها امتداد لإيران، تم سحق معظمها وبقي في الساحة تنظيمان هما حزب الدعوة والجبهة الإسلامية.

الجبهة الإسلامية
تعرضت الجبهة الإسلامية لضربة قوية في ديسمبر/ كانون الأول 1980 إثر ما قيل إنها محاولة انقلابية واضطر العديد من قياداتها وكوادرها للهروب إلى الخارج، وجرى نفي ذوي الأصول الإيرانية إلى إيران، فرتبت الجبهة أوضاعها على أساس بقاء القيادة والتوجيه في الخارج.

حزب الدعوة
وأما حزب الدعوة فقد تلقى أيضاً ضربة ساحقة عام 1984، حيث جرى اعتقال العشرات من كوادره وإغلاق جمعية التوعية الإسلامية وإجبار قائده الشيخ عيسى قاسم بالمغادرة إلى إيران ضمن تسوية تقضي باعتزاله العمل السياسي.

حركة أحرار البحرين الإسلامية
بادرت مجموعة من كوادر حزب الدعوة المقيمين في بريطانيا عام 1985 إلى إعادة النظر جذرياً في أسلوب العمل والبنية التنظيمية والبرنامج فأسست "حركة أحرار البحرين الإسلامية". واستند هؤلاء إلى إقامة مجموعة قيادية صغيرة تشكل العقل المفكر والقائد للحركة يلتف حولها أنصار وتيار في الخارج والداخل عن طريق شبكة اتصالات حديثة وسرية، وبدون إيجاد رابط تنظيمي بينهم.

طرحت هذه المجموعة عودة العمل بالدستور وإطلاق الحريات العامة وإنهاء التمييز الطائفي أي العمل ضمن خط إصلاحي للنظام وليس انقلابيا عليه كحزب الدعوة. واستفادت المجموعة من حرية العمل والتحرك في بريطانيا والغرب عموماً، وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والتي انخرطت فيها البحرين لكونها مركزا مالياً وخدماتياً، لتأمين المعلومات أولاً بأول لتقوم بدورها بإصدار توجيهاتها العامة لجمهورها ونشراتها وتعميمها في البحرين وخارجها.

وقد ثبتت نجاعة هذا التوجه بحيث تماهت حركة أحرار البحرين مع الشارع الشيعي وعلماء الدين، دون أن تتمكن السلطة من الإمساك بخيوطها أو العثور على المسؤولين عن هذا العمل. وهذا من أهم عوامل صمود الانتفاضة طوال الفترة بين 1994-1999، وانتظام إصداراتها ("صوت البحرين" بالعربية والإنجليزية وبياناتها اليومية وموقعها الإلكتروني "VOB") التي كانت توزع وتشاهد بكثافة في البحرين.

وضمن هذا التوجه انفتحت حركة أحرار البحرين على قوى اليسار (الجبهة الشعبية وجبهة التحرير) رغم الخلاف بينهما وإلى حد ما مع (الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين) رغم الخلاف الفقهي ضمن التيار الإسلامي الشيعي. في سياق هذا التحالف المعقد كان كل من أحرار البحرين والجبهة الشعبية أقرب إلى بعضهما فعملا بانسجام، وقد انعكس ذلك لاحقاً في التحالف بين جمعية العمل وجمعية الوفاق الوطني الإسلامي رغم التعرجات والارتدادات.

ظلت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين إلى حد ما بخطها المتشدد في ضرورة الإطاحة بالنظام وإقامة جمهورية إسلامية على أنقاضه، وبعد سنوات من القطيعة مع المعارضة اليسارية جرى منذ عام 1985 التوصل إلى مواقف تحركات مشتركة انصبت على المطالبة بوضع حد للقمع ومصادرة الحريات والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وظل الخلاف قائماً حول الدستور ومحوريته لليسار، وهامشيته للجبهة.

ومع انطلاق العهد الجديد دخلت الجبهة الإسلامية في مشروع "جمعية الوفاق الإسلامية" جنباً إلى جنب مع حركة الأحرار ومجموعة المبادرة والشخصيات الدينية والمدنية الشيعية، لكن التكتلات القديمة عادت إلى التبلور وتمثل ذلك في عدم انتخاب أي من قيادات الجبهة في قيادة الوفاق، مما حدا بتيار الجبهة إلى التجمع مرة أخرى وإن متأخراً لتشكيل "جمعية العمل الإسلامي
" (تحت التأسيس) التي تلتقي في طرحها المرحلي مع الجمعيات الثلاث الأخرى التي أضحت تعرف "بجمعيات المقاطعة الأربع".

موقف التيار الإسلامي السني


في ظل المشهد السياسي البحريني المعقد لا يمكن أن نركن إلى تصنيفات تقليدية مثل اليسار والليبرالي والإسلامي. فالانقسام العمودي حول المشروع الإصلاحي والدستور والانتخابات قد شق هذه التجمعات وقامت تحالفات جديدة لا تستند إلى التصنيف السابق
يتكون هذا التشكيل من تيار الإخوان المسلمين التاريخي القديم المتمثل في جمعية الإصلاح الاجتماعي بفروعها في عدد من مدن البحرين، وتيار السلف "المتشدد" الذي ظهر على يمين الإصلاح الاجتماعي ومركزه جمعية التربية الإسلامية، والتيار "المعتدل" وغير المؤطر المتمركز في الجمعية الإسلامية.

وقد ظل هذا التيار غير مسيس ومواليا تقليديا للحكم ويحظى بتأييد ودعم السعودية، وتمكن من خلال إمكانياته وتقديمه للمساعدات الاجتماعية والتثقيف والتعليم الديني أن يسيطر على الشارع ويكتسح مناطق مثل المحرق التي كانت تعتبر معقلاً لليسار. ولكن بعد انطلاق مسيرة الإصلاح وبروز القوى السياسية واليسارية والإسلامية إلى السطح، سارعت مجموعات التيار الإسلامي السني إلى تأطير نفسها والعمل على تسييس قواعدها. وتبلورت الجمعيات الإسلامية السنية في الجمعيات التالية:

  1. جمعية المنبر الإسلامي استنادا إلى جمعية الإصلاح (تيار الإخوان المسلمين).
  2. جمعية الأصالة الإسلامية استنادا إلى جمعية التربية الإسلامية (تيار السلف).
  3. جمعية الشورى الإسلامية استنادا إلى الجمعية الإسلامية (تيار معتدل).
  4. جمعية الوسط القومي الإسلامي (تجمع بين الناصرية والإسلامية).

موقف التيار الليبرالي

يتشكل هذا التيار من خليط من التكنوقراط والتجار والمثقفين الذين انحدر بعضهم من الحكم، وبعض شخصياته من كبار المسؤولين أو مسؤولين سابقين. ويتمثل هذا التيار في:

  • جمعية الميثاق الوطني، وهذه محسوبة على الحكم وملتصقة به.
  • جمعية المنتدى الثقافي، وهي جمعية نخبوية لا تعتبر نفسها جمعية سياسية وتحاول أن تلعب دور الموفق ضمن التيار العلماني، ولكنها أمام استحقاق الانتخابات النيابية اضطرت للانحياز إلى جانب المشاركين في مواجهة المقاطعين.

خلاصة المشهد
لا شك أن مشهد القوى السياسية في البحرين رغم صغر هذا البلد مساحة وسكاناً مشهد معقد، وذلك عائد إلى قدم العمل السياسي في البلاد وتنوع تركيبته السكانية قومياً ومذهبياً، وتجاذب تأثيرات المحيط (إيران والسعودية والعراق) وانخراط البحريين المبكر ليس فقط في التنظيمات السياسية (هيئة الاتحاد الوطني 54-1955) وإنما في التنظيمات الخليجية والقومية والإسلامية.

وقد كان للتاريخ العاصف الذي مرت به البلاد قبل الاستقلال وبعده والصراع المحتدم حتى مؤخراً بين النظام وتغير الظروف المحلية والإقليمية والعربية والدولية، كان له أثر في تعددية وتعقيد المشهد السياسي.

في ظل هذا المشهد لا يمكن أن نركن إلى تصنيفات تقليدية مثل اليسار والليبرالي والإسلامي، فالانقسام العمودي حول المشروع الإصلاحي والدستور والانتخابات قد شق هذه التجمعات وقامت تحالفات جديدة لا تستند إلى التصنيف السابق.

هل ستستمر هذه التحالفات إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية بناء على الموقف من هذه الانتخابات أم سيرتب على تنافس القوى المشاركة وخارطة المجلس النيابي تحالفات أخرى؟ هذا ما ستظهره الأيام القادمة.
_______________
* باحث سياسي بحريني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة