المشهد المصري.. معالم متناثرة   
الاثنين 1426/4/14 هـ - الموافق 23/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:44 (مكة المكرمة)، 8:44 (غرينتش)
 
 
أكثر من عشر مظاهرات يوميا، ونحو عشرين حزبا سياسياً ناشطاً، ومائة حزب تحت التأسيس، وفوق ذلك أكثر من ألف سياسي محترف ما بين نائب ووزير، ويغطي المشهد عشر صحف يومية ونحو خمسمائة صحيفة ودورية ما بين أسبوعية وفصلية، وقمران اصطناعيان وأربعون قناة تلفزيونية ومائتا محطة إذاعية وآلاف المواقع الإلكترونية. ومع ذلك فإن الكساد السياسي هو العنوان الرئيسي لما يجرى في مصر!  

يمكن التأصيل للمشهد الراهن في السياسة المصرية بنهايات شهر فبراير/شباط  2005 حين تفأجا المصريون بمبادرة رئاسية تقود إلى تحول ديمقراطي كبير في البلاد، فقد أصبح بمقدور المواطنين -للمرة الأولى- أن يختاروا رئيسهم من بين أكثر من مرشح.

"
الاقتصاد هو أساس غضب القطاع الأوسع في الرأي العام المصري، أما القضايا "العليا" الخاصة بالحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة وتطور الآلية الانتخابية في مصر، فهي أساس غضب قطاع أقل اتساعاً
"
وعلى الرغم من المزايا المؤكدة في مثل ذلك التعديل الدستوري الذي يقود إلى انتخابات رئاسية تعددية، غير ان حالة الترهل السياسي والفكري التي أعقبت المبادرة قد كشفت عن وهن شديد في الجسد السياسي المصري، وأصبح ذلك "التطور الصادم" أقرب إلى المثل الإنجليزي: احذر.. فقد تتحقق أحلامك!

إذ أدى ذلك الاقتراب المفاجئ من تحقيق الأحلام إلى حالة عامة من فقدان الاتزان، وامتد  "اللاتوازن" السياسي إلى حالة أوسع من عدم التوازن الثقافي والاجتماعي، وارتبكت المحاورات الرصينة في المنتديات السياسية المصرية بمثل ما ارتبكت المسامرات الاجتماعية في الريف والمدن على السواء.

وفي ترتيب وقائع الارتباك على أثر المبادرة الرئاسية يمكن تأمل المشاهد الثلاثة التالية:

المشهد السياسى يوم 25/2/2005: 
توزع الجدل السياسي في مصر قبل المبادرة الرئاسية بتعديل طريقة اختيار رئيس الجمهورية بين عدة رؤى:

1- رؤية رسمية ترى أنه لا تعديل للدستور في الوقت الراهن ولا في أي وقت، ذلك لأن الدستور لا ينبغي أن يخضع لضغوط سياسية وتحولات الحياة اليومية.
 
2- رؤية رسمية أخرى ترى أنه لا تعديل للدستور في الوقت الراهن، ولكن المجال مفتوح في وقت لاحق، وفي كل الأحوال لا تعديل قبل الاستفتاء المرتقب على الرئاسة 2005.

 3 – رؤية حزبية ترى ضرورة التعديل الشامل للدستور قبل الاستفتاء.

 4 - رؤية حزبية –هى الأوسع– ترى إرجاء التعديل إلى ما بعد الاستفتاء.  

 5 – رؤية فكرية ترى أن الأزمة لا تكمن في النص الدستوري والقانوني ولكنها تكمن في طبيعة النظام السياسي، وأزماته المتشابكة من شيوع الفساد وعدم الكفاءة والضعف الاقتصادي وتراجع المكانة وفقدان الأمل لدى قطاعات واسعة من المجتمع.. فضلا عن ارتفاع معدلات الجريمة والمخدرات وتفاقم ظاهرة الفهم الخاطئ للدين.

6 – رؤية متناثرة ترى أن المجتمع المدني قد خسر معركة التطور الديمقراطي، بل إن مؤسساته أصبحت جزءا مما ينبغي التخلص منه، وإن ضغوط الخارج ربما تكون ضمانة أفضل فى إحداث حراك سياسي واقتصادي.

المشهد يوم 26/2/2005:
فاجأ الرئيس مبارك الرأي الخاص والعام بمبادرته الرئاسية بتعديل المادة 76 من الدستور، ليصبح اختيار رئيس الجمهورية في سبتمبر/أيلول 2005 عن طريق الاقتراع الحر المباشر من بين أكثر من مرشح، مع وضع ضوابط تضمن جدية الترشيح من ضرورة الحصول على تزكية نسبة من أعضاء مجلس الشعب والمجالس المحلية، مع استثناء قادة الأحزاب السياسية الذين يتقدمون للترشيح في انتخابات 2005 من هذا الشرط.

"
المشهد السياسي بمصر يحمل الكثير من البؤس والقليل من اليأس، أو الكثير من المعالم المتناثرة لكنها في سبيلها إلى طريق

"
وقد استقبلت قطاعات الرأي العام المبادرة  الرئاسية بحفاوة، واكتسبت وصف "التاريخية" على المبادرة مصداقية واضحة في الداخل والخارج، وانتعش على أثرها سوق المال إلى أكثر من 8 مليارات جنيه في أول 15 دقيقة، كما أرتفع مؤشر البورصة بنسبة 6%. وأشار استطلاع للرأي العام أجراه مركز المعلومات في مجلس الوزراء إلى أن 80% من المواطنين سيشاركون في الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات القادمة. وكان واضحاً من طبيعة المبادرة أنها:
  1. جاءت من الرئيس مبارك لا من مجلس الشعب.
  2. جاءت المبادرة بعد أن أعلن قادة الأحزاب السياسية قبولهم تأجيل التعديل الدستوري الخاص باختيار الرئيس إلى ما بعد الاستفتاء.
  3. تصدر لترويج المبادرة والتماهي فيها عدد من الذين ظلت تصريحاتهم ورؤاهم حتى ساعات قليلة سابقة للتعديل معارضة تماما للفكرة، بل وطارحة لعشرات الأسباب التي تجعل من ذلك عملاً يفتقد الجدية وربما الوطنية معاً.

المشهد السياسي يوم 27/2/2005:
انتهى التهليل وبدأ التفكير.. وتوزعت ملامح التفكير على النحو التالي:
رأت المعارضة أن تعديل المادة 76 من الدستور غير كافية، ورأت أن تعديل المادة 77 من الدستور مرتبطة ارتباطاً وثيقاً. حيث تجيز المادة 77 إعادة انتخاب الرئيس "مددا أخرى " بدون حد أقصى. ورأى بعض الإصلاحيين أنه من الضروري العودة إلى النص السابق قبل تعديل مايو/أيار 1980 والذي كان يسمح بدورتين فقط.

 ورأى آخرون ضرورة تعديل المادة 82 من الدستور هي الأخرى ذلك أن عدم وجود نائب للرئيس حتى الآن هو وضع مخالف للدستور، ولكن تعيين نائب الآن لم يعد مرضياً بل يتوجب تعديل المادة 82 حتى يمكن انتخابه بالاقتراع الحر المباشر هو الآخر. 

ورأي ثالث يقول إن التعديل لا يعني الكثير، ففي ظل بقاء السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية وهى السلطات التي كفلها الدستور يعني بقاء نظام غير ديمقراطي، حيث يستأثر الرئيس –طبقاً لهذا الرأي– بـ 63% من مجمل السلطات.

ورأى حزب الوفد تعديل 22 مادة من الدستور. أما حزب التجمع فقد رأى أن مبادرة الرئيس تمثل استجابة لثلث المطالب الوطنية، إذ كان الهدف أن يكون انتخاب الرئيس حراً أو مباشراً، وقد تحقق، وأن يكون انتخابه لفترتين متتاليتين ولم يحدث، وأن تُقلص السلطات المخولة لرئيس الجمهورية ولم يحدث. ورأى الحزب الناصري أن التعديل غير كاف، والمطلوب دستور جديد، وأن الحزب الناصري مستعد للتخلي عن أفكاره بشأن نسبة الـ 50% من العمال والفلاحين بمجلس الشعب. 


لقد أظهرت المبادرة الرئاسية حجم التداعي في البناء السياسي خارج الحكومة، ومنذ الأيام الأولى للمبادرة وخطاب المعارضة يتجه إلى التأكيد على أن الخطوة لا معنى لها، وأنها غير كافية، وأنه ليس بمقدور الأحزاب أن تخوض انتخابات في ظل عدم وجود ضمانات كافية. والواقع أن بعض الضمانات التي طالبت بها الأحزاب لا تتوافر بالولايات المتحدة نفسها، وحتى الإشراف القضائي على الانتخابات ليس تقليداً ديمقراطياً يشار إليه في النماذج العالمية للديمقراطية.

الأحزاب السياسية.. دائرة اللامعقول  

يبدو الكثير من تعليقات المراقبين في هذا الشأن مثيرا للسخرية، فالكثير منها يدور حول ضرورة منح الأحزاب المزيد من الحرية ومعها حرية إطلاق الصحف والمؤتمرات والمظاهرات. والواقع أن الأحزاب المصرية في خريطتها القائمة لا تحتاج إلى تعديل حتى تتمكن من تحقيق واقع سياسي أفضل، ذلك أنها باتت تفتقد أسباب التطور، وربما يكون قاسياً القول إن إطلاق وصف "الحزب" على التجمعات السياسية الرائجة في السياسة المصرية هو إطلاق غير دقيق، فهي أقرب إلى منتديات فقيرة بلا منظرين أو ممارسين. وكثير من قاداتها ليسوا معروفين خارج منازلهم، ولا تحظى الصحف الحزبية في أغلبها بتوزيع يلفت الانتباه. 

"
عدد وفير من الحكوميين المحسوبين على التيار الوطني داخل النظام لديهم اعتراضات حاسمة على اتساع مساحة الفساد، ودور البيروقراط فى صنع السياسة، ودور السياسيين القدامى في دفع الأوضاع نحو الأسوأ

"
وقد أدى ذلك "الانحطاط الحزبي" إلى بزوغ الدور السياسي للمؤسسات غير السياسية كالنقابات المهنية ونوادي هيئات التدريس بالجماعات والجماعات المحجوبة عن الشرعية، بل وامتد ذلك إلى النوادي الرياضية على نحو ما جرى في الخطاب الانتخابي لنادى الزمالك وقبله النادي الأهلي  المصري فى الآونة الأخيرة.

لقد احتلت النقابات وما شابهها الدور السياسي للأحزاب، وباتت تعنى بالسياسات الاقتصادية وملف الحريات في الداخل، وكذلك ببعض القضايا الإقليمية والدولية. فيما عكفت أحزاب عديدة على الإفادة المالية لأعضائها، وإلى الاتجار في تأشيرات السفر للخارج من الحج والعمرة إلى مصايف الأعضاء وذويهم.

تحولت الأحزاب إلى أندية، وتحولت النقابات إلى أحزاب، وفشل الطرفان، حيث تدهور الوضع المهني في مصر، كما تدهور الوضع السياسي سواء بسواء.

ومن الجدير القول إن الأحزاب السياسية المحتملة في مصر وهي التي يطلق عليها وصف "تحت التأسيس" قد دخلت بالحياة السياسية إلى حافة اللامعقول.
 
فمن أحزاب ذات أسماء تصلح لشركات سياحية لا لأحزاب لديها برامج وتستهدف الوصول إلى السلطة، مثل حزب حورس وحزب المغتربين، وبعضها يحمل أسماء لمستشفيات مصرية مثل حزب مصر السلام الدولي، وبعضها يحمل لافتات تفوق وزن المنطقة مثل حزب التقدم العالمى.. إلى أحزاب تفتقد الجدية في الشكل والمضمون مثل حزب الغد الحر، وحزب نهضة مصر، وحزب شباب مصر، والحزب الدستوري الاجتماعي الحر، وحزب الطليعة، وحزب الصحوة، وحزب التحالف الوطني.
 
ومنها ما يثير السخط إذ أنها تفتقد مجرد الاتساق اللغوى مثل حزب يدعى "حزب الحرية الديمقراطي الاشتراكي" فضلا عن جملة أحزاب تشكل "موضة حزبية أكثر منها حتى موجة حزبية " مثل أحزاب الإصلاح، حيث أن ثلاثة أحزاب قد تقدمت إلى لجنة الأحزاب المصرية كلها تحمل نفس الاسم "الإصلاح" ولكن أحدها يدعى"حزب الإصلاح الحر" والثانى يدعى "حزب الإصلاح التقدمي" والثالث يدعى "حزب الإصلاح الإسلامي".. وهكذا ثلاثة طرق للإصلاح في مسمى واحد!

وعلى أطراف الخريطة الحزبية المحتملة ثمة حزب يدعى "حزب السادات" ينوى مجابهة الحزب الناصري، وحزب يدعى "حزب الشريعة" ينطلق مؤسسوه من خلفيات جهادية ويستهدفون مجابهة الحكومة والإخوان معاً، وحزب ثالث يدعى "حزب الوطن الأم" وهو يدعو إلى جملة أفكار فرعونية بدت مثيرة للتفكير في بدايتها ثم سرعان ما انزلق مؤسسوه إلى أطروحات من نوع ترجمة "معاني القرآن الكريم" إلى العامية واعتبار العروبة فكرة استعمارية، والنظر إلى تاريخ الاستعمار في مصر على كونه ابتدأ عام 525 قبل الميلاد مع الفاتح الاستعماري الآسيوي قمبيز، وامتد في القرن السابع الميلادي مع الفاتح الاستعماري العربي عمرو بن العاص، وصولا إلى الاستعمار البريطاني لمصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

فإذا كان هذا هو حال الأحزاب القائمة والمحتملة، فإن الناتج النهائي لذلك المستنقع هو فشل الجميع في تقديم مرشح جاد لرئاسة الجمهورية. 

وإذا كان الاسم الأبرز في مواجهة الرئيس مبارك هو خالد محيي الدين (84 عاماً) زعيم حزب التجمع (يساري) فإن مجرد الترشيح يشير إلى نهاية بائسة لمجمل النظام السياسي الذي تشكل بعد ثورة 23 يوليو/تموز 1952.

فقد كان خالد محيي الدين أحد قادة الثورة وأحد كبار الرجال المحيطين بعبد الناصر، ولكنه آثر أن يقف إلى جوار الرئيس محمد نجيب في مواجهة مع جمال عبد الناصر عام 1954، مما أفقده فرصة المشاركة في السلطة، في حين تصدر الواجهة مع عبد الناصر وعامر ابن عمه زكريا محيي الدين الذي يقل كفاءة عن خالد بكثير.



وفيما يعود خالد محيي الدين اليوم وبعد 51 عاماً لينافس –أدبيا– الرئيس مبارك، فالمعنى الوحيد لدى "الثائر العجوز" أن الثورة بعد أكثر من نصف قرن وأربعة رؤساء  لم تفعل شيئاً.. أو كأنها لم تكن! وتتجه أنظار الرأي العام في مصر –والحال كذلك– إلى أن يكون الأمل في تقديم قادة سياسين جدد من أجل مستقبل البلاد، من خارج جملة الأحزاب القائمة والمحتملة.

في قولة واضحة، فإن الاقتصاد هو أساس غضب القطاع الأوسع في الرأي العام المصري، أما القضايا "العليا" الخاصة بالحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة وتطور الآلية الانتخابية في مصر، فهى أساس غضب قطاع أقل اتساعاً، ولا يعني ذلك أن الغاضبين سياسياً راضون اقتصادياً، أو أن العكس صحيح وإنما يعني أن خريطة الغضب في مصر هي ذات أساس اقتصادي لا سياسي بالأساس، وأن هدف تحسين الحياة المعيشية يسبق –بمسافات شاسعة– هدف إلغاء قانون الطوارئ.

"
المشهد "البائس" لا يفقد جملة من المزايا التي تفتح آفاقا رحبة للتطور، فلا تزال العبقرية الفردية في حدودها الآمنة، كما أن التيار الوطني العام في حالة قابلة لإعادة الصياغة والانطلاق والأزمة الاقتصادية لاتزال قابلة للحل

"
وهنا تكمن أسس الذيوع الذي حققته "الحركة المصرية من أجل التغيير" والتي شاع اسمها بحركة "كفاية". ذلك أن هذه الحركة التي خطفت الأضواء والأدوار من الخريطة الحزبية والنقابية ومن دوائر "الميديا" الرسمية، بل وزادت إلى حد أن أصبحت مركزاً لامتدادات خارجية لا امتداد مراكز عالمية.. فقد تمكنت من استثمار الوضع الاقتصادي المتدهور فى تقوية خطابها السياسى المتشدد واعطائه طابعاً أخلاقيا لا يتحصله الآخرون، وهو كون "الكفائيين" لا يطمحون إلى السلطة، ولا ينالون دعماً حكومياً أو خارجياً، بل إنهم يقفون في سياق أيديولوجي معاد تماماً للعولمة والرأسمالية الأميركية. 

وقد ساهم فى شهرة "الكفائيين" إهمالهم للملفات الزاعقة كمواجهة أميركا وإسرائيل وتبنيهم أجندة مصرية، تحت شعارات سهلة، ومطالب اختزالية استطاع بعض العامة فهمها أو ترديدها.



ولكن "كفاية" التي لا تلقى غضباً حكومياً كاملاً ولا قبولاً شعبياً واسعاً.. وتقف في "منزلة بين المنزلتين".. أي بين السياسة والأخلاق، أو بين "المكان والمكانة".. لا يمكن وضعها في سياق بشأن مستقبل السلطة في مصر، ذلك أن الغضب قد ينال من أدوار قائمة لكنه لا يمكنه تقديم أدوار جديدة.

يقتضى اكتمال المشهد القول إن مساحة الغضب السياسي ليست قصراً على أندية سياسية وتجمعات ثقافية وقطاعات شعبية، ولكنها تمتد إلى ما يمكن تسميته بالغضب الرسمي في مصر، أي ذلك القلق الذى ينتاب مسؤولين رسميين من مستقبل الأوضاع. ويشير التحليل الدقيق إلى أن عدداً وفيراً من الحكوميين لديهم اعتراضات حاسمة على اتساع مساحة الفساد، وعلى دور البيروقراط في صنع السياسة، وكذلك على دور السياسيين القدامى في دفع الأوضاع نحو الأسوأ.

ويمتد هؤلاء المصلحون الرسميون من مستويات عليا في الدولة إلى مسؤوليين صغار وإلى دوائر تعارض من داخل النظام، وهي إذ لا تمثل امتدادا للمعارضة –بالقطع– فهى تمثل امتداداً أخلاقياً للحركة الوطنية التي تمتد من السلطة إلى خارجها، ومن داخل الحكومة إلى أطراف النظام.

فإذا كانت جملة الأسباب التي قادت إلى حالة الكساد السياسي في مصر تمتد من فشل السياسة إلى فشل الإدارة، ومن سوء إدارة الملفات الداخلية إلى سوء إدارة القضايا الخارجية، ومن ضعف الفكر النظري التعبوي إلى تدهور الاقتصاد المعيشي.
 
وإذا كانت جملة هذه الأسباب تتوزع ما بين أخطاء تعود إلى مقولات وسياسات قادة ثورة يوليو/تموز، فإنها تمتد إلى نهايات عهد الرئيس السادات، وتغطي سنوات عديدة من حكم الرئيس مبارك.
 
وهي أزمة شاركت فيها أطراف عديدة من جهاز القمع الذي لم يطور كثيراً من أوضاع حقوق الإنسان إلا في السنوات الأخيرة، إلى الأطراف الاجتماعية التي تفشت فيها ظواهر الفساد الاجتماعي والاقتصادي، بعد أن ساهمت في ترسيخ الجمود السياسي من خلال إعلاء قيم العصبية السياسية والخلفيات الجهوية والمصالح الضيقة والمباشرة.

غير أن ذلك المشهد "البائس" لا يفقد جملة من المزايا التي تفتح آفاقاٍٍ رحبة للتطور، فلا تزال العبقرية الفردية في حدودها الآمنة، كما أن التيار الوطني العام الذي يمكنه أن يضبط المسافة بين الدولة والمجتمع وبين القاهرة والعالم –فى حالة قابلة لإعادة الصياغة والانطلاق، يضاف إلى ذلك أن الأزمة الاقتصادية لاتزال قابلة للحل، وأما النخب الجديدة في مصر فإنها تفوق في بعض جوانب كفاءتها المتوسط العام لحالة النخبة خارج مصر.


 
الأمر الذي يجعل من المشهد السياسي في مصر، مشهداً يحمل الكثير من البؤس والقليل من اليأس، أو الكثير من المعالم المتناثرة لكنها في سبيلها إلى طريق.
_______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة