المرجعية الفقهية وأثرها على المقاومة   
الثلاثاء 16/2/1428 هـ - الموافق 6/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)

 
شفيق شقير

في إحدى المقابلات التي أجرتها الجزيرة مع زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط، وفي معرض تعليقه على ما سماه حزب الله "الانتصار الإلهي للمقاومة" على إسرائيل، قال لا يوجد شيء اسمه الانتصار الإلهي، هناك سلاح روسي وحزب حديدي منظم انتصر على إسرائيل.

هذا الموقف من جنبلاط بقطع النظر عن مراميه السياسية، فإنه في الإطار الفكري يضع حدا فاصلا بين من يستندون إلى المرجعية الفقهية في أدائهم المقاوم، وبين أولئك الذين يتكئون على المواثيق الدولية والإنسانية فحسب، ويعكس هذا الموقف أيضا حالة التنافس في العمق بين هذين الخطين، وهما يتكرران في العراق وفلسطين وفي غيرهما، وإن اختلفت التلاوين والاجتهادات.

هيمنة الخطاب الإسلامي
الفقه الشيعي والمقاومة
الفقه السني والمقاومة

هيمنة الخطاب الإسلامي

"
رغم نزعة منظمة التحرير الفلسطينية وثقافتها اليسارية ولاحقا البراغماتية، بقي لديها التمسك بالأرض يستند إلى الدين (الجهاد)، وبقي لديها الموت ينتمي للثقافة الدينية (الشهادة)


"

ولكن يمكن تأكيد أن الخطاب الإسلامي استطاع أن يهيمن على خطاب المقاومة العربية، ويكاد لا يكون له منافس حقيقي ابتداء من بداية التسعينيات، حيث إن الخطاب الديني الإسلامي استنفر بدرجة عالية في مواجهة الكيان الإسرائيلي القائم على أسس دينية ولاهوتية معقدة، وذلك –أحيانا- من باب أن الضرورة ألجأت المقاومة العربية، لإدراج المعنى الديني لفهم عدوها ومواجهته، ولاستنفار جمهورها بآليات منطق ديني مقابل، ألا وهو الإسلام.

وتأكيدا لهذا نجد أن الخطاب الديني وجد مبكرا في أدبيات منظمة التحرير الفلسطينية التي هي أول حركة مقاومة حديثة بعد قيام الدولة العربية المستقلة. فهذه المنظمة رغم نزعتها وثقافتها اليسارية ولاحقا البراغماتية، بقي لديها التمسك بالأرض يستند على الدين (الجهاد)، خاصة أن فيها المسجد الأقصى، وكذلك بقي الموت لديها ينتمي للثقافة الدينية (الشهادة)، وهي الثقافة التي تعطي الإنسان اقتناعا بأن القضية التي يحملها تستحق الموت من أجلها.

هذه التجربة الدينية في الحالة الفلسطينية تعززت في المقاومة اللبنانية التي كان الإسلاميون عموما أحد التلاوين المشاركة فيها، ولكن مع مرور الوقت أصبحت هي اللون المهيمن وعلى الطريقة الشيعية خاصة.

كما أننا نجد أن المقاومة ضد الوجود الأميركي في الحالة العراقية، بدأت نشاطها بالربط وثيقا بين غزو أميركا للعراق وبين مطامع إسرائيل في المنطقة، مما أدى إلى نقل "الوعي بالاحتلال" في التجربة الفلسطينية بكل ما يحمله من معان دينية إلى الحالة العراقية، مع بعض الأخذ في الاعتبار بوجود تجربة أخرى مهما كانت محدودة، وهي تجربة تنظيم القاعدة، وكذلك وجود حالة متحفظة تنتمي في غالبها للفقه الشيعي.

ومع استقرار خطاب المرجعية الإسلامية في بنية المقاومة العربية واستلامه دفة قيادتها، أصبح عاملا مؤثرا في الكثير من توجهات الشارع العربي، مما جعله محط اهتمام النظام العربي الرسمي، بل تعاظم دوره ليصبح لاعبا إقليميا ودوليا يجب التعامل معه واعتباره، سواء في حالة الحرب والنزاع أو في حالة السلم والحوار.

ويمكن الجزم بأن أثر هذه المرجعية على المقاومة العربية لا يزال إيجابيا، لأنها تؤمن خزانا بشريا لا ينضب مستعدا للتضحية بالغالي والنفيس، وتوفر مظلة من الشعوب الإسلامية التواقة لأن تحظى بشرف ما تسميه المساهمة في "الجهاد" أو "التحرير" سواء بالمال أو الإعلام أو بالسياسة أو حتى بالنفس.

ولكن هذه المرجعية من جهة أخرى تواجه تحديات من نوع مختلف لها علاقة مباشرة بأدائها السياسي والعسكري والفكري على الأرض التي تعمل عليها.

الفقه الشيعي والمقاومة

"
تجسد نظرية "الولي الفقيه" في الحكم الإيراني وفر قاعدة صلبة للفقه السياسي الشيعي، وجعله أكثر قدرة على المبادرة وعلى التفاعل السريع وبثقة مع الأحداث والنوازل

"

لا ينفي الراعون للمقاومة الإسلامية في العالم العربي والمنخرطون فيها انتماءاتهم المذهبية، ولا يتحرجون من الاعتراف باختلافاتهم في صورتها الفقهية، وكثيرا ما أكد الواقع أن لكل منهم مصادره المذهبية المختلفة عن الآخر وخاصة تلك التي تتحكم في أدائهم السياسي بما يعنيه من حلال وحرام.

فالمؤسسة الشيعية السياسية قطعت أشواطا إلى حد ما في إضفاء الشرعية على حضورها وتقعيد تصرفاتها، فتجسد نظرية "الولي الفقيه" في الحكم الإيراني وفر قاعدة صلبة للفقه السياسي الشيعي، وجعله أكثر قدرة على المبادرة وعلى التفاعل السريع بثقة مع الأحداث والنوازل.

ومن أهم الأمثلة على ذلك تجاوز حزب الله لعقدة إثبات لبنانيته بالتزامه الحدود اللبنانية في عمله المقاوم، وإثبات إسلاميته في وقت يفترض فيه عكس ذلك، أي عدم تقييد مقاومته بالحدود المصطنعة.

فكان أن حصر مقاومته في الحدود الوطنية عمليا وعسكريا، وترك لنفسه حق عدم الاعتراف بوجود إسرائيل وبحق الفلسطينيين في أرضهم لأنه جزء من حريته في اعتقاد ما يشاء.

ومن الأمثلة الأخرى على ذلك مساهمته في نسج تفاهم نيسان مع إسرائيل، متجاوزا الحساسية المفرطة لدى فصائل المقاومة السنية التي كانت قبل هذا التاريخ تحرص على الابتعاد عن كل أداء سياسي يمكن أن يوحي بأن هناك علاقة ما مع إسرائيل، مع الإشارة إلى أن حزب الله راعى هذه الحساسية بأن أطلق على نتيجة "تفاوضه" مع إسرائيل اسم "تفاهم نيسان" وليس "اتفاق نيسان" وذلك بالرغم من أن الألفاظ والمباني لن تغير من حقيقة ومعاني هذا الإجراء، الذي كان دائما عرضة لـ"اللاءات" العربية.

ونتائج المعركة الأخيرة التي خاضها حزب الله لم تخرج عن هذا السياق، فقد قبل بوضوح قرار الأمم المتحدة رقم 1701 الذي من أهم بنوده نشر الجيش ودفع المقاومة إلى ما وراء شمال نهر الليطاني، وفكك مواقعه في منطقة العرقوب (مزارع شبعا) في وقت قياسي، ولم يحدث داخل الحزب أي هزة فقهية أو شرعية، حول ما يجوز وما لا يجوز في هذا السياق.

ولكن..
ولكن هذا لا يخفي أن المؤسسة الشيعية تواجه تحديا فقهيا في شقها العراقي الذي يعتبر نفسه "نموذجا فقهيا نجفيا"، ومرجعا قائما بذاته أكثر أصالة من مدرسة قم الإيرانية، وأن مدرسته الفقهية لا تزال تعتمد المرجعية الفقهية بصيغتها التقليدية التي تقول بوجوب تقليد العامي للفقيه الذي يعتبره أكثر علما من غيره، وهو ما يترك الباب مفتوحا أمام تعدد المرجعيات، بخلاف ما عليه النظرية المعمول بها في إيران، "الولي الفقيه واحد" وتجب طاعته حتى من المراجع أنفسهم.

وحتى الآن لم تنخرط المؤسسة الشيعية التقليدية هناك في مشروع المقاومة بشكل فعلي، سواء عند غزو العراق أو بعده، فضلا عن عدم وجود أي متابعات فقهية ملحة للتداعيات المترتبة أو الممكن ترتبها على وجود مقاومة. 

الأمر الذي يثير تساؤلات كثيرة حول قدرة المرجعية الفقهية الشيعية في المستقبل -بصورتيها في إيران والعراق- على إرساء مفاهيم وأسس فقهية واحدة تحمي المقاومة من التفرق تحت عناوين سياسية مختلفة.

الفقه السني والمقاومة

"
الأحزاب والجماعات الإسلامية السنية استطاعت أن تقنع جمهورا عريضا بصحة وشرعية اجتهاداتها الخاصة، ولكنها ستبقى في نظر الطاعنين فيها ظرفية وقابلة للنقض وليس في كل آن وحين
"

إن بنية المذهب السني تختلف جذريا عن البنية الشيعية، فلا وجود لولي فقيه يصدر فتاوى ملزمة، أو مرجع حي واجب التقليد، بل هناك علماء دين يفتون بما يرونه صوابا ولكنه من الناحية الإجرائية غير ملزم، فالملزم فقط هو أمر ولي أمر المسلمين (مقام الخليفة) الذي لا وجود له اليوم، أو حكم القاضي الشرعي الذي لا وجود له في الغالب إلا في قضايا الأحوال الشخصية.

ولكن في الوقت نفسه هناك أحكام عامة اجتمع عليها الفقهاء تاريخيا -مثل وجوب الجهاد عند احتلال أرض ما للمسلمين- تحشد الناس مبدئيا وراء فكرة المقاومة، ولكنها غير كافية لإضفاء المصداقية والفعالية على اجتهاداتها الفقهية والسياسية الخاصة.

 

فضلا عن أن كل حركة إسلامية لها علماؤها الخاصون بها، بل ربما يختلف علماء الحركة الواحدة حول بعض القضايا. ومن باب التمثيل أشير للحوار الذي جرى على صفحات الجزيرة نت بين الشيخين الفاضلين، الشيخ أحمد الريسوني الذي قال فيه بجواز الاعتراف بإسرائيل اضطرارا، والشيخ علي القرداغي الذي رفض ذلك. 

وهذا الأمر يفقد المقاومة الفاعلية السياسية في أحلك الأزمات وأكثرها حاجة لجواب فقهي متفاعل، ويحرمها من القدرة على المبادرة والمباغتة، بل يمكن للعدو أن يتنبأ بحدود القدرة السياسية للمقاومة بسبب معرفته بالأحكام المتفق عليها مبدئيا، وتلك التي من الممكن أن يختلف فيها بشدة.

وجدلا لو اجتمع أولئك العلماء المعتبرون على حكم محدث اجتهدوا فيه، فلا قوة قانونية دينية له (كتلك التي في ولاية الفقيه، أو التي في نظرية تقليد المراجع) تلزم جمهورهم غير الملتزم بلوائحهم الحزبية بالالتزام به، ولا يبعد احتمال نشوء حركات أخرى تتمسك بما كانوا يتمسكون به سابقا، وقد تقع بينهم العداوة والبغضاء لاحقا.

لذا فإن المقاومة ومواقفها في الجانب السني تحتاج دائما لشرح سياساتها وإيضاحها للجمهور، وبالتالي إيضاحها للعدو. وهنا تمكن الإشارة إلى طرح حماس هدنة مع إسرائيل لعشر سنوات، حيث اضطر عبد العزيز الرنتيسي لتبرير ذلك بأنه جائز عند الضعف، وهذا الشرح الفقهي يعطي رسالة معاكسة لما تقوله حماس في خطابها السياسي من أنها قادرة على المواجهة.

واللافت أنه رغم الأزمة الفقهية التي يعاني منها الفقه السني السياسي بسبب غياب المرجعية السياسية الشرعية، سواء كانت دولة أو مؤسسة فقهية، فإن الأحزاب والجماعات الإسلامية السنية استطاعت أن تقنع جمهورا عريضا بشرعية وصحة اجتهاداتها الخاصة، وقدمت اجتهادات أصبحت حاليا كأنها من المسلمات، ولكنها اجتهادات -مهما طال بقاؤها- ستبقى في نظر الطاعنين فيها ظرفية قابلة للنقض وليس للنقد فقط في كل آن وحين. 
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة