قضية جوهرية مطلوبة لتحقيق العدالة   
الأربعاء 1426/9/2 هـ - الموافق 5/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:06 (مكة المكرمة)، 9:06 (غرينتش)

علي الفريجي

إن كتابة الدستور العراقي والديمقراطية في العراق تمر  بمرحلة حرجة وتخضع لضغوط الصراعات والمصالح الجيو سياسية دوليا وإقليميا إذ واجه المشرعون العراقيون تحديات كبيرة تمثلت في الإرهاب وابتزاز أيتام النظام السابق الذين أرادوا وضع تصوراتهم على مسودة الدستور من خلال الفكر الشوفيني الذي يتبناه نظام البعث الفاشستي النازي في العراق وسياسته العنصرية.

الدستور واستعادة الحقوق
هيئة اجتثاث البعث

الدستور واستعادة الحقوق

إن محاولة إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء لتمهيد الطريق لهيمنة الاستبداد الحزب الواحد والعائلة الواحدة وصولا لعبادة الشخص الواحد لكي يصبح ذلك الشخص هو الدولة والقانون والدستور تستند على نظرية تسعى للفصل أو التمييز بين توجه البعث وبين سياسة صدام ونظامه ومحاولة تحميله ما جرى في العراق.

وهذا الطرح ليس مقبولا على الإطلاق، فبالعودة إلى عام 1963 وما حصل  فيه من جرائم وتعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان وكذلك ما حصل من عام 1968 حتى عام 2003 لا يمكن بأي حال من الأحوال تمرير هذه الجرائم على أنها ارتكبت بفعل صدام ونظامه وإنما هي في الحقيقة تعبر عن سياسة قائمة بنيت على العنف المفرط والعنف وحده للوصول إلى سدة الحكم.

ومن هذا كله لابد من وجود دستور يضمن للجميع حقوقهم ويعمل على أن لا يتحول العراق إلى كانتونات متنافرة لا تربطها المشاعر الوطنية والإحساس بالانتماء إلى هذا الوطن، إذ لا ننسى أن السياسة الاستعمارية القديمة التي ارتكزت على مبدأ تسلط الأقلية على رقاب الأكثرية وبالتالي استعانتها بقوة خارجية لتضمن ديمومة استمراريتها وكذلك الفراغ السياسي واختلاف ميزان القوى يجب أن لا يفكك عرى الشراك


ة الوجودية بين أبناء الشعب العراقي وقواه الوطنية.

ضمان الحريات
ومن هنا فإن الدستور هو الضمان لحقوق وحريات الجميع ولا حرية بدون سيادة حقيقية للعراق في أرضه، وليس من السيادة أن يتحول العراق إلى ساحة كبرى لصراع أميركا مع الإرهاب العالمي كما أنه ليس من السيادة أن يكون القصر الجمهوري العائد إلى الشعب العراقي سفارة للولايات المتحدة الأميركية، ولكي يولد العراق من هذا المخاض لابد من المصارحة بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية وإشراك الشعب في كل الحوارات والاتفاقات وشفافية الحوار هي الضمانة الأولى للديمقراطية ورص الوحدة الوطنية.

إن القيادة السياسية العراقية يجب أن تكون واضحة وبشكل جلي لا يقبل اللبس مع الشعب العراقي وأن تضع ما يجري في الأروقة على طاولة الشعب العراقي وأن تحتفظ بعلاقاتها مع حلفاء العراق بما يحفظ المصلحة العراقية، وإذا وجدت قيادات تلوي المصلحة العراقية لتنفيذ المصالح الأجنبية فإن الشعب سيسقطها مثلما أتى بها وسوف يكفل له ذلك الدستور والديمقراطية اللذان يضمنان له أحقية اختيار قياداته.

"
يوما بعد آخر تتضح ملامح العراق الجديد لتتوج تقدم العملية السياسية برمتها

"

ويوما بعد آخر تتضح ملامح العراق الجديد لتتوج تقدم العملية السياسية برمتها وذلك من خلال كتابة مسودة الدستور بعد التوافق بين الكيانات السياسية وممثلي مختلف شرائح المجتمع العراقي عليه فلأول مرة في تاريخ العراق الحديث يكتب العراقيون مسودة دستورهم بأيديهم ومن قبل ممثلين منتخبين غير معينين في انتظار أن يقول الشعب كلمته في استفتاء شعبي عام.

إن الدستور العراقي ما هو إلا نموذج يحتذى لكل الشعوب المقهورة التي أجبرت على القبول بدساتيرها التي وضعتها مخيلات الزعيم الأوحد أو الحزب الأوحد، وهكذا فإن الدستور العراقي -وبالرغم من كل الصعوبات التي واجهت كتابته من قبل البعض الذي يحاول أن يجد له مكانا على الخارطة السياسية العراقية للحصول على صوت انتخابي -لم يغفل أي شريحة من شرائح المجتمع العراقي في إطار وحدة العراق. واجه المشرعون العراقيون تحديات كبيرة تمثلت في الإرهاب وابتزاز أيتام النظام السابق الذين أرادوا وضع تصوراتهم على مسودة الدستور من خلال الفكر الشوفيني الذي يتبناه نظام البعث الفاشستي


النازي في العراق وسياسته العنصرية.

محاولات يائسة
إن محاولات البعض واعتراضهم على ما جاء في مسودة الدستور هو محاولة يائسة للوقوف في وجه العملية السياسية وجرها إلى الوراء وإلا فما الداعي لاعتراض البعض على ذكر ويلات الماضي المرير وحقوق الضحايا كي لا تتكرر تلك الجرائم النكراء بحق الشعب العراقي. لقد دعمت مسودة الدستور العراقي مجموعة القيم والمبادئ الإنسانية التي لا تخرج عن إطار الشريعة الإسلامية الحنيفة، وفي نفس الوقت أكد المشرعون على أجراء الموازنة بين الماضي والحاضر والمستقبل دون إغفال دور القوى التي شاركت في إنجاز مهمة الدستور وعلى رأس هذه القوى المرجعية الدينية العليا التي دعمت وبقوة وحدة العراق والحفاظ عليه من مغبة الدخول في ظلام الحرب الأهلية التي سعى إلى إشعالها الزرقاوي والذين تضررت مصالحهم من  سقوط نظام البعث.

إن ما يميز العراق هو تلك التجربة السياسية المريرة التي مر بها منذ تأسيس الدولة العراقية، وهذه التجربة ولدت مرارة لدى العراقي من خلال تجربة السياسة ومحنتها وتراكمات وسلبيات السلطات المتعاقبة، وعرف العراقي حقوقا كانت غائبة ومغيبة مثلما عرف العراقي الأنظمة السياسية، وعرف أيضا التجارب التي مرت بها الأمم. إذن فنحن بحاجة إلى إقرار وطني بحقوق الجميع مثلما نحن بحاجة إلى أن نبحث عن حقوقنا التي  ضيعتها الأنظمة السابقة وهذه الفرصة التاريخية تنبئ بمعالم حياة جديد


ة للعراق وستزيد بكل تأكيد قوة التلاحم والتكاتف الوطني.

هيئة اجتثاث البعث

بالرجوع إلى ما نص عليه الدستور حول الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث قبل كل شيء أود الإشارة إلى قضية مهمة مفادها أن الهيئة محاطة بلغط كبير إذ يعتقد البعض أن الهيئة وجدت لغرض معاقبة البعثيين أو الانتقام منهم لمجرد انتمائهم لصفوف حزب البعث المنحل كما يعتقد البعض الآخر أن الهيئة ذات بعد طائفي وأنها وجدت لمعاقبة السنة وهناك من يرى أن عمل الهيئة بطيء في إعادة التوظيف وهناك من يريد إيجاد أدوار بناءة لأولئك الذين عملوا في مواقع النفوذ في عهد صدام حسين متناسيا كل ما حدث من قتل وتدمير وتحطيم للبنى التحتية.

ولا يختلف اثنان لهما أدنى علم بالشأن العراقي على أن الحروب والإرهاب هما العقل الباطن لصدام ونظامه، إن السيد بول بريمر قام بطرد أكثر من 30 ألف بعثي بقرار رقم واحد واثنين وذلك قبل وجود الهيئة وحين تم تشكيلها فإنها وجدت لإنصاف الناس الذين ظلموا بهذين القرارين وعملت الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث على تلافي هذا الخطأ من خلال لجانها العاملة في بغداد والمحافظات على استلام الطلبات المقدمة من قبل الأشخاص الذين لم يشتركوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إيذاء الشعب العراقي لغرض إعادة النظر في الإجراءات التي اتخذت بحقهم ووصلت إلى الهيئة آلاف الملفات التي بدأت دراستها دراسة دقيقة من قبل دوائر متخصصة.

وأود أن أشير إلى أنه يمكننا تقسيم البعثيين إلى ثلاثة أقسام:

  1. فهنالك الصداميون الذين اشتركوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إيذاء الشعب العراقي وهؤلاء لا يمكن أن يشاركوا في بناء العراق الجديد، وملفاتهم يجب أن تحال إلى الادعاء العام.
  2. وهنالك البعثيون الذين يؤمنون بأيدلوجية وفكر البعث.
  3. إضافة إلى القسم الأخير وهم الذين يحملون اسم البعث فقط وهؤلاء دفعتهم الظروف الأمنية أو الاقتصادية إلى الانتماء لصفوف البعث.

وقد نظرت في طلباتهم الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث وقررت إعادة نحو 13 ألف منهم إلى وظائفهم في حين تمت إحالة أكثر من 1400 ملف من الذين ثبتت إدانتهم إلى الادعاء العام وذلك لتورطهم في جرائم قتل وسل


ب أو ما شابه ذلك.

تنقية المجتمع
والأمر الآخر المهم أن الهيئة لم تقف منذ أن تشكلت وحتى هذه اللحظة في وجه أي إنسان شريف يرغب في المشاركة بشكل جدي في بناء المجتمع والتخلص من تركة الماضي الثقيلة، لذلك فإن شمول هؤلاء بقرار الاستثناء يمثل في حقيقة الأمر جواز مرور لكي يمارسوا حياتهم العامة دون أن ينتقص منهم أحد. وبمعنى آخر فإن الهيئة تعمل عمل الفلتر الذي يصفي الصالح من الطالح، ومن هنا نرى أن هذا العمل يصب بالدرجة الأولى في موازنة المجتمع ويمنع احتمالات اللجوء إلى التصفية الجسدية والاحتقان.

وفي حالة تعطيل عمل الهيئة كما حدث في عهد حكومة إياد علاوي أو عدم الاعتماد على قراراتها فإن البلاد ستتعرض إلى اهتزاز شديد في توازن العدالة إذ كيف نستطيع إيقاف حدة التوتر والانفعال الذي يجتاح أي فرد قتل أبوه أو أخوه أو تعرض عرضه إلى الهتك وهو يرى من تسبب في الكارثة التي حلت بعائلته يتمتع بكافة الامتيازات.

الحفاظ على الوحدة
هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار للحفاظ على وحدة الشعب العراقي الواقع تحت وطأة الظروف العصيبة التي يمر بها الوطن والهيئة تسعى بشكل جدي لدمج الذين تم استثنائهم في واقع المجتمع العراقي الجديد وذلك من خلال محاضراتها ودوراتها التي تؤكد على دور مؤسسات المجتمع المدني ودور المرأة وحقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي والحوار المفتوح وقد خرج المشتركون في هذه الدورات بانطباعات مختلفة بشكل جذري عما كان يروج له من قبل الصداميين الذين تضررت مصالحهم عند سقوط نظام البعث  الفاشستي.

ونود الإشارة هنا إلى أن الهيئة لا تقوم بأي عمل ضد الذين يثبت اشتراكهم في إيذاء الشعب العراقي بل تقوم بإحالة ملفاتهم إلى القضاء العراقي الذي يتخذ القرار القانوني الذي يراه مناسبا، أما بالنسبة إلى الآخرين الذين لم تثبت عليهم أية مؤشرات سلبية فإن الهيئة تمنحهم تزكية وجواز سفر للحياة الجديدة والمشاركة في بناء الوطن.

وبخصوص القضية التي تثار دائما من قبل بعض المتقولين الذين يسعون لإيقاف سير العملية السياسية ووضع العراقيل في طريق الاستتباب الأمني لكسب تأييد الصداميين من العرب السنة وكذلك الذين لا يملكون تصورا واضحا عن عمل الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث وعن القرارات التي أصدرتها الهيئة والذين يرددون دائما أن الهيئة وجدت لمعاقبة العرب السنة، نقول إن العرب السنة قد نالهم من الضيم والحيف في عهد النظام الصدامي البعثي مثل ما وقع على غيرهم من طوائف العراق وقومياته ولكن بشكل أقل وهذه الحقيقة يدركها الشعب العراقي وكذلك العاملون في الهيئة وواضعو سياستها وقوانينها.

ومن ناحية أخرى فإن من يرجع إلى قرارات الاستثناء الصادرة من الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث يجد أن الذين تمت إعادتهم إلى وظائفهم من العرب السنة يشكلون ما يقارب 85% من المجموع الكلي للذين تم استثناؤهم في قرارات الهيئة البالغة 46 قرارا وهنا أود الإشارة إلى أن الذين تمت إعادتهم من البعثيين إلى وظائفهم من محافظة الأنبار (الرمادي ) يقترب من 2000 شخص في حين تمت إعادة 26 شخصا فقط من محافظة ميسان (العمارة) وهي محافظة تقع في جنوب العراق وكل سكانها تقريبا من الطائفة الشيعية.

وفي الختام نقول ليس هناك مكان لحزب البعث النازي وإلا فلن يكون لدينا عراق جديد على الإطلاق.
_______________
عضو الهيئة العليا لاجتثاث البعث/ بغداد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة