ظواهر اجتماعية نشأت في ظل احتلال العراق   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

انتشار عمليات النهب والسلب كانت من المظاهر الاجتماعية
التي صاحبت انهيار النظام ووجود الاحتلال في العراق

هاني عاشور

بعد ساعات من استيلاء القوات الأميركية على بغداد يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2003 شاعت عمليات السلب والنهب بشكل كبير مع غياب سلطة رادعة، حيث مثل سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس صورة لسقوط الدولة وأجهزتها.

ظواهر نشأت في ظل الانفلات الأمني
وتحت عيون الاحتلال الأميركي استغل آلاف العراقيين حالة الفوضى وانشغال الأميركيين بتأمين مواقعها الجديدة في بغداد وانطلقوا لسرقة مباني وقصور الرئاسة العراقية ومقرات حزب البعث الحاكم، ما اعتبرته القوات الأميركية في حينها ردة فعل شعبية ضد سلطة قمعية وسلطت أجهزة الإعلام المرافقة لها لتصويره على أنه ثورة وتنفيس عن احتقان سنوات مضت.


الظواهر الاجتماعية رغم قسوتها وكثرتها في العراق تنذر بمخاطر كبيرة يمكن أن تكون وراء أي تحول سياسي في العراق خاصة ما يتعلق بالاحتلال الأميركي
وبسبب ما أصاب العراقيين من حصار دام أكثر من 13 عاما توجه آلاف منهم لنهب مخازن وزارة التجارة التي كانت تحتفظ بكميات من الأغذية المخزنة.

ولكن عدم وجود ردة فعل قوية تجاه ما حصل وبسبب تغافل القوات الأميركية عما يجري تعمدا، اتسع نطاق السرقة ليشمل مخازن السيارات المستوردة حديثا ونهب أثاث القصور والدوائر الحكومية والتوجه إلى معسكرات الجيش لسرقتها ونهب ما فيها من أسلحة انتشرت في كل يد حتى أصبح من الصعب على الرافضين لهذه الفوضى منع عمليات السلب والنهب التي أصبحت منظمة وخاضعة لعصابات تم تشكيلها وسط هذه الظروف تمتلك أسلحة تهاجم بها من يعترض طريقها.

فأخذت السرقات والجرائم طابعا منظما خاصة بعد أن عمد بعض الأشخاص المجهولين إلى شراء ما يبيعه اللصوص من مواد مسروقة، فيما شهدت بغداد عددا كبيرا من الأسواق لبيع المسروقات التي أطلق عليها اسم "أسواق الحرامية".

كانت معظم العصابات تهرب ما تسرقه للخارج عن طريق شمال العراق، فتحولت هذه المهمة السهلة لعدم وجود أجهزة شرطة إلى عمل يومي لم يستطع المجتمع مكافحته رغم دعوات رجال الدين السنة والشيعة إلى تحريم هذه الأعمال.

وحسب ما كشفه وكيل وزارة الداخلية العراقية للشؤون الأمنية اللواء سمير الوائلي عن تلك المرحلة بعد أن تم تشكيل وزارة الداخلية فإن "سبب تفشي الجريمة وتركزها في بغداد أنها مدينة ذات كثافة سكانية عالية وامتدادات واسعة، وأن النظام السابق أطلق سراح 20 ألف مجرم محترف بينهم 350 محكومون بجرائم القتل و742 بجرائم الخطف و11636 بجريمة السرقة". وقال الوائلي في حينها إن "هناك أكثر من 722 عصابة في بغداد وحدها، وقد تمكنت أجهزة الشرطة من القبض على عدد كبير من هؤلاء المجرمين".

عمليات السرقة وصلت ذروتها في ما بين شهري مايو/ أيار ويوليو/ تموز 2003 حيث لم يكن قد تم تشكيل جهاز الشرطة بالكامل أو مارس مهماته بالشكل المطلوب.

فبعدما أفرغت مؤسسات الدولة من محتوياتها على أيدي تلك العصابات توجه اللصوص إلى سرقة وسلب الأشخاص. وكانت بغداد تشهد يوميا أكثر من 500 حالة سرقة أكثرها سرقة سيارات مقترنة بالتهديد أو بالقتل.


سبب تفشي الجريمة وتركزها في بغداد أنها مدينة ذات كثافة سكانية عالية وامتدادات واسعة، وأن النظام السابق أطلق سراح 20 ألف مجرم محترف بينهم 350 محكومون بجرائم القتل و742 بجرائم الخطف و11636 بجريمة السرقة، وهناك أكثر من 722 عصابة في بغداد وحدها

اللواء سمير الوائلي
وكيل وزارة الداخلية للشؤون الأمنية

يقول المقدم شهاب أحمد وهو ضابط شرطة مختص في مكافحة الجريمة إن "زيادة عمليات السلب في الشوارع كانت تتم بالنهار لغياب السلطة ولمنع التجول ليلا بأمر القوات الأميركية ما ساعد على نمو عصابات مختصة، ولكن بعد أن تمت محاربة سرقة السيارات والمحلات وقيام بعض الأشخاص بقتل لصوص حاولوا سرقتهم، لجأت هذه العصابات إلى عمليات خطف الأشخاص وإطلاق سراحهم مقابل فدية. وكانت عمليات خطف الفتيات والأطفال في المقدمة لأنها الأكثر تأثيرا على العائلات التي تضطر لدفع الفدية بسرعة".

هذه الظاهرة امتدت إلى مدن أخرى حيث قبضت الشرطة العراقية في مدينة العمارة جنوب العراق خلال مارس/ آذار الماضي فقط على 15 مجرما وثلاث نساء لضلوعهم في حوادث الاختطاف. وكانت عمليات الاختطاف قد بدأت بكبار السن ثم الأطفال وأخيرا اختطاف فتيات العائلات الغنية مقابل فدية تتراوح بين خمس وستة ملايين دينار عراقي للإفراج عنهن، ما منع العوائل من إرسال بناتهم إلى المدارس.

ومن جانبه يقول العميد كاظم عبد خلف مدير شرطة بغداد الرصافة إن شرطة بغداد الجديدة -أحد أحياء العاصمةالعراقية- قبضت في أسبوع واحد من مارس/ آذار الماضي على عصابة من أربعة أفراد تقوم بخطف الأطفال من أمام المدارس والضغط على ذويهم لدفع فدية مالية، فيما تؤكد مصادر الشرطة أنه ألقي القبض على 26 عصابة خطف في بغداد وحدها خلال فبراير/ شباط الماضي.

ويبدو أن إيقاف العمل بعقوبة الإعدام في العراق أنعش الجرائم، ما دفع عددا كبيرا من رجال القضاء والقانون في العراق إلى التأكيد بأن إلغاء العقوبة في هذه الفترة خطأ كبير ارتكبته قوات الاحتلال جعل المجرمين يزدادون شراسة، فيما أكد استطلاع رأي أجري مؤخرا في بغداد أن 82% من المحامين ورجال القضاء يردون سبب ارتفاع الجريمة إلى منع عقوبة الإعدام.

إطلاق النظام السابق سراح المجرمين ضاعف من الظواهر الاجتماعية السلبية
لكن حالة الفوضى والانفلات الأمني التي أسهمت في وجود مثل هذه العصابات ضاعفت من جهود الشرطة للقبض عليها، ومع ما حققته الشرطة من نجاحات في القبض على أكثرها شهرة وعنفا، اضطرت بعض هذه العصابات للتوجه إلى جوانب أخرى لكسب المال الحرام فلجأت إلى تهريب المخدرات إلى العراق بطرق سرية.

فبعد أن شهدت الأشهر الأولى من سقوط بغداد انتشار ظاهرة بيع المخدرات التي بدأت بالحبوب المهلوسة والمخدرة في مناطق وسط العاصمة، ولجوء القوات الأميركية والشرطة العراقية لمطاردة المتاجرين بها، نشط تجار المخدرات في مناطق أخرى من العراق.

وكانت مدينة كربلاء هي المحطة الثانية لهم حيث يتم تهريب المخدرات وإيصالها إلى العراق عن طريق الزوار الإيرانيين الذين يأتون لزيارة العتبات المقدسة في كربلاء لبيعها هناك. ويقول قائد شرطة كربلاء العميد عباس فاضل إن "محافظة كربلاء شهدت بعد التاسع من أبريل/ نيسان الماضي إقبالا واسعا من الزوار العرب والأجانب، ما فسح المجال لدخول العشرات من مرتكبي الجرائم وبائعي المخدرات. وقد تم إلقاء القبض على أكثر من خمس عصابات متخصصة ببيع المخدرات بينهم نساء وأغلبهم من إيران يساعدهم أفراد عراقيون".

وكانت آخر عمليات القبض على تجار المخدرات تمت في الأسبوع الأخير من مارس/ آذار الماضي حين تمكنت قوات الشرطة العراقية في كربلاء والديوانية والبصرة وديالى من ضبط مواد الحشيش والترياق لدى الزوار الإيرانيين، فيما ألقت مديرية شرطة البصرة القبض على عصابة متخصصة ببيع المخدرات. وأكد مصدر في شرطة البصرة أن دورية شرطة أوقفت سيارة من نوع تويوتا وفي داخلها ثلاثة أشخاص وربطتان من المخدرات تزن نحو 2 كلغ، مشيرا إلى أن الرجلين هربا مسرعين بواسطة مركبتهما وألقي القبض على الثالث الذي اعترف باشتراك شخصين آخرين معه أحدهما عراقي والآخر إيراني.

ظواهر نشأت في ظل الاحتلال
وإذا كانت هذه الظواهر الاجتماعية قد نشطت في العراق في ظل الانفلات الأمني فإن ظواهر أخرى نشأت في ظل الاحتلال لم تكن باختيار ضحاياها الذين كان أغلبهم من الأطفال الذين اضطروا للتوجه إلى كسب لقمة العيش الحلال.

عمالة الأطفال
فمع الظروف القاسية التي خلفتها سطوة الاحتلال الأميركي وفصل عشرات الآلاف من الموظفين، اضطر هؤلاء لإجبار أطفالهم على ترك الدراسة والعمل لمعاونتهم في توفير مستلزمات حياتهم بسبب البطالة التي أصابت آثارها كل مفاصل الحياة وبالذات التابعة للقطاع الخاص بعد أن توقفت المصانع الصغيرة التي كانت تضم مئات الآلاف من العاملين.

ومنذ احتلال العراق أصبحت مهنة تنظيف الشوارع مهنة لآلاف الفتيان والأطفال في العراق سواء بالعمل مع مقاولين محليين أو بالعمل مع المؤسسات البلدية بعدما أمرت قوات الاحتلال الأمريكي بتوفير فرص عمل للعاطلين، فلم تكن ثمة مهنة تستوعبهم كجمع النفايات وكنس الشوارع بعد أن تم تعيين أكثر من 100 ألف من الفتيان في هذه المهنة الاضطرارية التي تمدهم برزق يومي ربما لا يتجاوز ثلاثة آلاف دينار عراقي أي ما يعامل دولارين.

عن هذه الظاهرة يقول جمال فرحان (16 عاما) "لقد فصل والدي من الوظيفة وأخذ يبيع البنزين في الشارع وأنا أساعده بالعمل في جمع النفايات لأكسب المال.. اخترت أن أعمل مع مقاول، ومقدار راتبي على قدر ما أجمعه من نفايات". ويضيف "لم أكن أتصور أنه بعد سقوط النظام ومجيء الأميركان سأعمل كناسا ولكن هذا ما حصل.. لقد تركت المدرسة".

وغير هذا الفتى الكثيرون ممن يعملون في بيع البنزين أو في الورش والمصانع أو بيع مواد غذائية في مفترقات الطرق والساحات العامة، لتمثل هذه الظاهرة أخطر صور عمالة الأطفال في ظل الاحتلال.


عدد كبير من رجال القضاء والقانون في العراق يرون أن إلغاء العقوبة في هذه الفترة خطأ كبير ارتكبته سلطات الاحتلال مما جعل المجرمين يزدادون شراسة. وأكد استطلاع للرأي أجري مؤخرا في بغداد أن 82% من المحامين ورجال القضاء يردون سبب ارتفاع الجريمة إلى منع عقوبة الإعدام

البطالة
ظاهرة البطالة التي كانت الأقسى في العراق هي سبب أكبر المظاهرات التي شهدتها المدن العراقية والتي كانت ترفع خطاب المطالبة بالوظائف لكسب الرزق. بدأت هذه المظاهرات بخروج أفراد الجيش العراقي بعد حله والمطالبة بإعادتهم وصرف رواتبهم، ثم اتسعت لتشمل قطاعات شعبية أخرى حيث سقط في شهر واحد أكثر من 20 قتيلا في مظاهرات جرت في العمارة والكوت والحلة والنجف خلال بضعة أسابيع.

ولكن هذه المظاهرات اتسعت بشكل أكبر لتطالب بإقصاء المحافظين أو رجال الشرطة أو المسؤولين في المدن بعد أن فشلوا في حل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ولم يوفروا فرص العمل للعراقيين.

وأصبح بمرور الوقت ثمة خطاب متميز للمظاهرات يطالب بإخراج الاحتلال الأميركي بوصفه المسبب لكل المعاناة في العراق، ثم تبنت أحزاب معارضة للاحتلال هذا الخطاب فأصبح المتظاهرون يطالبون بحكومة وطنية وحل مجلس الحكم وخروج الاحتلال، ورفض القوانين الجديدة مثل الخصخصة والدستور المؤقت، والسياسة الاقتصادية المتبعة حاليا في ظل الاحتلال.

مفردات الخطاب التي يمكن تمييزها بسهولة لا يمكن معرفة الدوافع خلفها والجهات التي تدفعها، إلا أن أكثرها وضوحا هو رفض المعاناة التي يعيشها العراقيون في ظل الاحتلال سواء عمليات الاعتقال والمداهمات والبطالة والقوانين الجديدة، وذلك ما تتبناه بشكل أكبر الحركات الدينية غير الممثلة بمجلس الحكم مثل هيئة علماء المسلمين والمرجعيات الدينية في النجف.

الظواهر الاجتماعية رغم قسوتها وكثرتها في العراق تنذر بمخاطر كبيرة يمكن أن تكون وراء أي تحول سياسي في العراق خاصة ما يتعلق بالاحتلال الأميركي.
________
كاتب عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة