فتح ومظاهر الفساد الإداري والمالي   
الخميس 1427/6/3 هـ - الموافق 29/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:22 (مكة المكرمة)، 9:22 (غرينتش)
 

بعد نضال استمر لعقود من الزمان، راود الكثير من الفلسطينيين الأمل أن يكون تشكيل السلطة الفلسطينية في العام 1994، كأول كيان سياسي فلسطيني، نقطة تحول فارقة وإيجابية على سبيل تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني. لكن بقدر ما كان هذا الأمل كبيراً، كانت خيبة الأمل أكبر وأكثر قسوة، عندما ارتبط أداء السلطة الفلسطينية، وعمل مؤسساتها بكثير من مظاهر الفساد المالي والإداري الصارخة، الأمر الذي زاد أوضاع الفلسطينيين السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوءا. فما كان من الفلسطينيين إلا أن احتجوا في الانتخابات الأخيرة بطريقتهم على هذه التجربة، كما عكست ذلك نتائج الانتخابات. ونحن هنا بصدد مناقشة مظاهر الفساد في أداء السلطة ومؤسساتها، والأسباب الكامنة وراء هذا الفساد، وتأثير ذلك على موقف الفلسطينيين من حركة "فتح" التي قادت مشروع السلطة الفلسطينية بشكل مطلق وكامل منذ تأسيسها وحتى الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة التي أفضت إلى فوز حركة حماس وتشكيلها الحكومة الفلسطينية الحالية.
 
 
 

"
من مظاهر فساد السلطة الفلسطينية غياب القانون والشفافية وسيطرة الرئيس على القرار المالي وتهريب المال العام إلى الخارج واستغلال النفوذ السياسي والإداري
"

على الرغم من كثرة صور الفساد الذي استشرى في جسد السلطة الفلسطينية، فإنه بالإمكان الإشارة إلى مظاهر أساسية لهذا الفساد:
 
أولا: عدم ربط سياسة الإنفاق في السلطة بمرجعيات قانونية وإدارية ضابطة، وغياب أدنى مستوى من مستويات الشفافية في التعامل مع المال العام. ولإيضاح ذلك يمكن فقط الإشارة للموازنة الخاصة التي كان يتصرف بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات منذ العام 1994، والتي كانت تقدر سنويا بـ74 مليون دولار توزع حسب رغبته وعلى من يشاء من الهيئات والأشخاص. وهذه المعطيات وردت في تقرير لصندوق النقد الدولي صدر بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2003 بناء على تقارير المجلس التشريعي ووزارة المالية الفلسطينية. وكان لا يتم إحاطة وزارة المالية الفلسطينية التي يفترض أن تشرف على كل صغيرة وكبيرة من مداخيل السلطة وأوجه صرفها، بأوجه صرف هذا المبلغ الذي يشكل وحده ثمن مداخيل السلطة. وغني عن القول أن هذا المبلغ كان يستخدم من قبل الرئيس الراحل في شراء ولاء هيئات وشخصيات لضمان بقاء تأييدهم له وعدم خروجهم على قيادته. وحسب نفس التقرير فإنه بالإضافة الى ذلك، فإنه منذ العام 1995 وحتى العام 2000 تم نقل مبلغ 900 مليون دولار إلى " جهة غير معلومة"، دون أن يتم إحاطة وزارة المالية بأوجه صرف هذا المبلغ.
 
ثانيا: لم تقم الشركات التي تدير المشاريع الاستثمارية التابعة للسلطة الفلسطينية مثل شركة " البحر" التي كان يديرها مستشار عرفات الاقتصادي خالد سلام، وهيئتي البترول والتبغ بتحويل أرباحها إلى خزانة السلطة الفلسطينية ولم تضعها تحت إشراف وزارة المالية، حيث تم إيداع هذه الأرباح في بنوك أوروبية، وحتى في بنوك إسرائيلية كما كشفت عن ذلك مرات عديدة وسائل الإعلام الإسرائيلية. ومنذ العام 1995 وحتى العام 2003 لم تشرف وزارة المالية الفلسطينية على عوائد الجمارك التي تجبيها إٍسرائيل لصالح السلطة عن البضائع التي تستورد من قبل تجار فلسطينيين عبر الموانئ والمطارات الإسرائيلية. وتقدر قيمة هذه العوائد بـ60 مليون دولار شهريا. في نفس الوقت لم يتم تحويل عوائد الاستثمارات التي تملكها السلطة في الخارج، والتي لا يعرف أحد حتى الآن أي معلومات حول حجمها وقيمتها المالية للموازنة العامة للسلطة، وظلت رهن تصرف الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس عرفات، سيما مستشاره خالد سلام.
 
ثالثا: حسب تقرير النائب الفلسطيني العام  حسين أبوعاصي، فإنه تم إلقاء القبض على مسؤولين نافذين في السلطة بعد أن حصلوا من الدول المانحة بإسم السلطة على مبالغ تقدر بملايين الدولارات بحجة المبادرة لإقامة مشاريع اقتصادية، لكنهم بعد أن حصلوا على هذه الأموال حولوها إلى حسابهم الخاص، حيث تبين أن هذه المشاريع كانت وهمية. وقد أدى الكشف عن هذا المظهر من مظاهر الفساد إلى قرار العديد من الدول المانحة بتفويض المنظمات الدولية والمؤسسات الأهلية بالإشراف على المشاريع التي تمولها هذه الدول.
 
رابعا: الاختلاس المباشر من موازنات الوزارات: فحسب تقارير هيئة الرقابة العامة والمجلس التشريعي، فقد قام العديد من الوزراء في السلطة بتحويل جزء من موازنات وزاراتهم لحسابهم الخاص، أو لحساب مؤسسات تتبع لهم. في حين قام بعض الوزراء بإرساء الكثير من العطاءات والمناقصات على شركات خاصة يملكونها أو يملكها أبناؤهم والمقربون منهم.
 
خامسا: قام العديد من قادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في توظيف نفوذهم الطاغي في احتكار الاتجار بالعديد من السلع الضرورية، سيما الوقود والإسمنت والغاز وغيرها من المواد الأساسية. وقام بعض قادة الأجهزة الأمنية بالحصول على مبالغ من المال لجيوبهم الخاصة من شركات أجنبية من أجل توفير الحراسة لسيارات هذه الشركات أو موظفيها أثناء تواجدهم في مناطق السلطة الفلسطينية، بدون أن يكون ذلك بتفويض قانوني من السلطة الفلسطينية.
 
سادسا: استغلال بعض المسؤولين لنفوذهم في فرض إتاوات على التجار ورجال الأعمال وابتزازهم، الأمر الذي أدى إلى ترك معظم المستثمرين مناطق السلطة. وكان المثال على هذا المظهر من مظاهر الفساد ما كان ما يقوم به مدير عام الشرطة الفلسطينية الأسبق غازي الجبالي الذي فر من مناطق السلطة وتحاول السلطة تسلمه من الأردن لمحاكمته على قضايا فساد.
 
سابعا: الوظائف الوهمية: حيث أنه حسب تقارير المجلس التشريعي، فإن هناك آلاف الوظائف الوهمية التي يتقاضى أصحابها رواتب من السلطة دون أن يمارسوا أي عمل مقابلها. بل إن هناك من يتقاضى راتبه مقابل وظيفة في دوائر السلطة ولم تطأ قدمه أرض الضفة الغربية وقطاع غزة.
 
ثامنا: تضارب المصالح: حيث أن هناك الكثير من وزراء وكبار موظفي السلطة من يديرون شركات خاصة ومناشط اقتصادية متعددة تتقاطع مع مجال عملهم في السلطة، وهذا ما لا يتوافق مع أسس العمل السليم.


 
تاسعا: قيام بعض كبار مسؤولي السلطة في مساعدة إسرائيل في مشاريعها الاستيطانية. وحسب تقارير المجلس التشريعي الفلسطيني فقد قامت شركة تابعة لوزير في السلطة في إقامة طرق التفافية لخدمة بعض المستوطنات في الضفة الغربية. في نفس الوقت قامت شركة تابعة لمسؤول فلسطيني كبير باستيراد الإسمنت لصالح شركة إسرائيلية تقوم بأعمال البناء في جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل لابتلاع أراضي الضفة الغربية ولتكريس ضم المستوطنات لها.
 

"
من أسباب الفساد   الشللية والمحسوبية وإعطاء أهمية قصوى للأجهزة الأمنية وضعف المجلس التشريعي وتعطل جهازه الرقابي وعدم وقوف المعارضة في وجه الفساد وغض الدول المانحة الطرف عن الفساد
"
يمكن رصد عدة أسباب أدت إلى تجذر الفساد في السلطة الفلسطينية ومؤسساتها:

أولا: طابع النظام السياسي الفلسطيني الذي تبلور بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو، وهو نظام قام على الشللية، بحيث كرس هذا النظام معايير اصطفاء وتقريب الأشخاص وتعيينهم في مواقع المسؤولية الحساسة بناء على مدى ولاء هؤلاء لرئيس السلطة الراحل ياسر عرفات، وليس بناء على كفاءات هؤلاء المسؤولين وسلوكهم الحسن. وجذر النظام السياسي الفلسطيني إعطاء أهمية قصوى للانتماء التنظيمي، بحيث أن جميع مواقع المسؤولية الحساسة تم شغلها من قبل المنتمين لحركة "فتح". وحتى الوظائف الدنيا سواء كانت في المؤسسة الأمنية أو المؤسسات المدنية كانت يشترط في المتقدمين لها أن يحصلوا على تزكية من حركة "فتح".

ثانيا: الوظيفة الأمنية للسلطة الفلسطينية التي ارتبطت منذ اليوم الأول لتشكيلها بالعمل على ضمان احترام الاتفاقيات التي وقعتها مع إسرائيل، ومنع حركات المقاومة المختلفة من العمل ضد دولة الاحتلال. لذا تم إعطاء أهمية قصوى للأجهزة الأمنية، وبرز دورها الطاغي في كل مناحي الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأدى ذلك كله إلى جعل الأجهزة الأمنية خارج نطاق الرقابة والنقد، الأمر الذي أفسح المجال أمام التجاوزات الكبيرة والخطيرة التي قام بها قادة هذه الأجهزة ومنتسبوها، وبالذات تورطهم في الكثير من مظاهر الفساد الخطيرة.

ثالثا: ضعف دور المجلس التشريعي السابق الذي كانت تهيمن عليه حركة "فتح"، وتقصيره في أداء دوره الرقابي على مؤسسات السلطة. وكما بات واضحا فإن الراحل ياسر عرفات نجح في تدجين المجلس التشريعي، وحيّد الكثير من النواب عن طريق تعيين عدد كبير منهم كوزراء في الحكومات الأربعة السابقة، في نفس فإن عددا آخر من النواب الذين لم يعينوا وزراء كانوا يحصلون على مزايا اقتصادية. ومقابل ذلك فقد استخدم العنف ضد عدد من النواب الذين اعترضوا على الفساد.

رابعا: في الوقت الذي ركزت فيه الفصائل الفلسطينية على مقاومة المحتل، فإنها قصرت بشكل واضح في النضال ضد الفساد، مع العلم أن الفصائل الفلسطينية المعارضة وعلى رأسها حماس سابقا، قد خلت أجندتها من الاهتمام بالقضايا المدنية، وبالتالي كان لها دور غير مباشر في تعاظم الفساد في دوائر السلطة. وعلى الرغم من تعاظم مظاهر الفساد، إلا أن فصائل المعارضة لم تنظم ولا حتى مظاهرة ضد تلك المظاهر.

خامسا: لعبت الدول المانحة وإسرائيل دوراً في تعاظم الفساد. فعندما كانت السلطة الفلسطينية تقوم بالدور الأمني المنوط بها وتحديداً ضرب حركات المقاومة، غضت هذه الدول الطرف عن مظاهر الفساد المستشري في جسد السلطة. لكن عندما اندلعت انتفاضة الأقصى واتهمت السلطة بلعب دور في تأجيجها، أصبحت إسرائيل تركز على إبراز مظاهر الفساد، وتبعها في ذلك العديد من الدول الأوروبية، التي قامت بفرض قيود على مساعداتها للسلطة بحجة مظاهر الفساد.


"
شدد قادة فتح على أن فساد السلطة هو السبب الرئيسي وراء ما حصل في آخر انتخابات تشريعية وأن على فتح التخلص من الشخصيات الفاسدة التي ظلت جزءا من جسد الحركة
"
لقد عانى الفلسطينيون الأمرين بسبب مظاهر الفساد، وانتظروا على أحر من الجمر الفرصة السانحة لتغيير الواقع المزري، فوجدوا في الانتخابات التشريعية الأخيرة فرصتهم الذهبية للتعبير عن رأيهم في تجربة السلطة منذ تشكيلها وحتى إجراء الانتخابات. وكان قرار الناخب الفلسطيني قاطعاً وحاداً، حيث دلت نتائج الانتخابات على أن الفلسطينيين حمّلوا حركة "فتح" التي قادت مشروع السلطة الفلسطينية المسؤولية عن وباء الفساد وتبعاته التي كلفت الشعب الفلسطيني وقضيته ثمنا غاليا. ولا خلاف على أن أنماط تصويت الفلسطينيين في هذه الانتخابات تدل بشكل لا يقبل التأويل على أن هذه النتائج تمثل احتجاجاً صارخاً ضد دور حركة "فتح" ومؤسساتها المختلفة في الفساد. والذي استفز الفلسطينيين وفاقم رغبتهم في الاحتجاج على "فتح" هو حقيقة أن الحركة قامت بتضمين قائمة مرشحيها شخصيات لا يختلف أحد على دورها في عمليات الفساد. وكانت النتيجة أن حركة "فتح" سقطت في المعاقل التاريخية لها، سيما محافظة الخليل التي كانت توصف دوماً بأنها "الاحتياط البشري" لحركة "فتح"، في حين أنه في ثلاثة من محافظات الضفة لم ينجح مرشحو الحركة إلا عن المقاعد المسيحية فقط. وقد أدرك قادة "فتح" دور الفساد في تهاوي شعبية الحركة، فانطلقت الدعوات من قبلهم لعقد المؤتمر العام السادس للحركة لمناقشة سبل النهوض بالحركة، حيث شدد قادة الحركة على أن فساد السلطة هو السبب الرئيسي والأهم وراء هذا السقوط المدوي. ويؤكد هؤلاء القادة على أنه يجب أن يكون على رأس جدول أعمال المؤتمر التخلص من الشخصيات الفاسدة التي ظلت جزء من جسد الحركة.
 
اللافت للنظر أن نسبة كبيرة جداً من الفلسطينيين ترى في الخطوات التي قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس مؤخراً ضد الحكومة الفلسطنيية برئاسة إسماعيل هنية وإصراره على نزع بعض الصلاحيات منها على أنه محاولة لإخضاع السلطة لواقع الفساد.
_______________
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة