إعادة الاعتبار لدور الدولة المصرية مطلب إصلاحي   
الثلاثاء 1426/4/9 هـ - الموافق 17/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:35 (مكة المكرمة)، 10:35 (غرينتش)
صعوبة الحصول على رغيف الخبز المدعم أحد مظاهر أزمة الاقتصاد المصري
 
ليس المقصود بالدعوة إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة التنموي أن تتجه السياسات في مصر مرة أخرى إلى الأخذ بأسلوب الاقتصاد المركزي الموجه كما كان الحال طوال عقدي الخمسينيات والستينيات، كما أنه ليس مقصودا أن تتخلى الدولة عن دعمها للقطاع الخاص، فلا هذا ولا ذاك هو ما تعنيه المعارضة المصرية التي جعلت هذه القضية على رأس أولويات عملية الإصلاح السياسي المنشود. فما المقصود بهذا الدعوة إذن؟ وما موقف كل من الحكومة والمعارضة من هذه الدعوة؟
 
مفهوم الدولة التنموية
يعرف علماء الاقتصاد الدولة التنموية بقولهم إنها "الدولة التي تؤسس شرعيتها على قدرتها على إطلاق عملية تنموية متواصلة لا تقتصر فقط على معدلات نمو مرتفعة للناتج المحلي الإجمالي، وإنما تتسع أهدافها لتشمل القيام بإجراءات من شأنها إحداث تحولات جذرية في هيكل الإنتاج المحلي، وفي علاقاتها بالاقتصاد الدولي، مما يؤدي إلى تغيرات هامة في بنية المجتمع وفي العلاقات الاجتماعية بين أفراده، وهي كلها أدوار تدير دفتها "الدولة التنموية".

وقد اشتهر مفهوم الدولة التنموية عالميا في الخمسينيات من القرن الماضي، واكتسب زخما متزايدا طوال عقدي الستينيات والسبعينيات، وساعد على ذلك تلك الطفرة الاقتصادية والتصنيعية التي حققتها مجموعة دول جنوب شرق آسيا التي انتهجت أسلوب الاقتصاد الموجه والتخطيط المركزي آنذاك.
 
مسيرة الدور التنموي للدولة
"
بعد وفاة عبد الناصر غيرت الدولة المصرية تصورها عن دور الدولة لتلقي بمسؤولية جر قاطرة التنمية على كاهل القطاع الخاص، ومن ثم راحت تقلص دعمها للقطاع العام تمهيدا لبيعه

"
ومصر لم تكن بعيدة عن هذا المفهوم، فطوال الحقبة الناصرية (1952-1970) أدارت حكومات الثورة المتعاقبة الدولة بصورة مركزية أعطت فيها الأولوية للقطاع العام، وتعهدت بتقديم الخدمات الصحية والتعليمية بصورة مجانية، والتزمت بسياسة تعيين الخريجين، وفي الوقت نفسه كان لها دورها في الإشراف والرقابة على القطاع الخاص.
 
واستمر هذا الدور حتى منتصف السبعينيات حيث بدأت الدولة المصرية اتباع فلسفة في الحكم تختلف عن ذي قبل، فظهرت شعارات اللامركزية والاقتصاد الحر وسياسات الانفتاح...إلخ. وبدأ منذ ذلك الحين التحول التدريجي ناحية دعم وتشجيع القطاع الخاص تمهيدا لكي يحل محل القطاع العام.
 
ومنذ أن تولى الرئيس حسني مبارك الحكم في أكتوبر/تشرين الأول 1981 حتى الآن وهو يتبع الأسلوب نفسه في إدارة شؤون الدولة. وفي عهده تصاعدت في سماء فلسفة الإدارة العديد من المفاهيم الحديثة المرتبطة بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم لا سيما في حقبة التسعينيات، كالعولمة والتحول الديمقراطي والخصخصة والمجتمع المدني والشفافية والكفاءة والمساءلة والرقابة والتمكين والمشاركة، وغير ذلك من المفاهيم التي كثر تداولها وأصبحت جزءا من قاموس الحياة السياسية المعاصرة.
 
هذا الأمر الذي فتح المجال واسعا من جديد أمام إعادة تعريف دور الدولة ومحاولات إعادة رسم علاقاتها بالقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. وهنا اختلفت في الساحة المصرية الآراء، وتنوعت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
 
فمن قائل إن دور الدولة في مصر قد تراجع وإن هذا التراجع لم يقتصر فقط على الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وإنما امتد ليشمل التراجع في مفهوم السيادة ذاته، ولا سيما في مجال استقلالية القرار السياسي سواء في ما يتعلق بالشؤون الداخلية أو الخارجية، وهو ما تردده قوى المعارضة المصرية الحزبية منها والمستقلة.
 
ومن قائل إن الأمر ليس بهذه المبالغة، والقضية تتركز في أن العصر يملي إعادة تعريف دور جديد للدولة وأسلوب مختلف في إدارة دفة الحكم.
 
غير أن ما يعنينا من كل هذا الجدل الدائر بين المعارضة والحكومة هو أدلة كل طرف على أن رؤيته في كيفية إدارة عجلة التنمية الاقتصادية، هي الأكثر ملاءمة مع واقع المجتمع المصري.
 
الحكومة وعصر اقتصاديات السوق
فالحكومة المصرية تعتقد بأن العصر هو عصر اقتصاديات السوق، وأن تقديم الدعم والتشجيع للقطاع الخاص ومحاولات جذب رأس المال الوطني والأجنبي، هو العلاج الأنجع لمشكلات الفقر وانخفاض مستويات المعيشة التي لا تعاني منها مصر وحدها وإنما هي سمة أساسية من سمات دول العالم الثالث.
 
وانطلاقا من هذه الرؤية اتخذت الحكومات المصرية المتعاقبة طوال عهد الرئيس حسني مبارك حزمة من الإجراءات الإدارية، وحثت مجلس الشعب (البرلمان) على سن مجموعة من التشريعات والقوانين الهادفة إلى تهيئة المناخ للقطاع الخاص ليتحمل ما أرادت الحكومة أن تلقيه على عاتقه من مسؤولية تتلخص في جر قاطرة التنمية في البلاد. من هذه القوانين:
  • قانون هيئة سوق المال
  • قانون حوافز الاستثمار
  • قوانين الضرائب والشركات
  • قانون البنوك والائتمان
  • قوانين المرافق العامة
ولم تكتف بالجانب الإداري والتشريعي فقط، وإنما وجهت جزءا كبيرا من ميزانية الدولة إلى توفير البنية الأساسية من طرق ومياه وكهرباء واتصالات سلكية ولاسلكية وإنشاء مناطق عمرانية ومدن صناعية جديدة، كل ذلك لجذب الاستثمارات.

 
المعارضة وإشكالية عدم نضج البديل
"
المعارضة المصرية لا تعترض على دعم القطاع الخاص ولكنها تنكر على الدولة تخليها عن دورها الإشرافي والرقابي في المرحلة الانتقالية الفاصلة بين اقتصاد يعتمد على القطاع العام إلى اقتصاد يعتمد على القطاع الخاص

"
ولا تنكر المعارضة المصرية في عمومها على الحكومة هذا النهج، لكن الاعتراض الأساسي الذي تسوقه يتمثل في ما تقول إنه نقلة تمت دون أن يكون البديل ناضجا ومؤهلا لتحمل العبء، ولهذه النقلة آثارها السلبية على مجتمع كان يعتمد بصورة شبه كلية على القطاع العام في تلبية احتياجاته الأساسية، إلى اقتصاد يعتمد في أكثر من 70% منه على القطاع الخاص.
 
هذه النقلة كما يقول كبار المحللين الاقتصاديين تمت دون فترة انتقالية كافية تقوم فيها الدولة بدور رقابي وإشرافي، فتوجه القطاع الخاص إلى مشاريع تنموية تخدم الطبقتين المتوسطة والفقيرة وتلبي احتياجاتهما الأساسية، لا سيما بعد أن أصبح القطاع العام مترهلا وغير قادر على أداء هذا الدور.
 
وبدلا من ذلك -والكلام للمعارضة- راح القطاع الخاص المدعوم من الدولة يوجه استثماراته باتجاه الطبقة الغنية، هادفا إلى الربح السريع في مجال السلع والخدمات غير الأساسية مثل الاستثمار العقاري الفاخر على سبيل المثال.
 
وترجع المعارضة ما حدث للقطاع العام إلى تعمد الحكومة عدم ضخ استثمارات كافية تعمل على إعادة إصلاح الأمر الذي تسبب في بطء تطوره وتوقف تحديثه، وتعثر الكثير من شركاته، وكان ذلك مبررا من وجهة نظر الحكومة لخصخصته وبيعه بأسعار زهيدة تمت -كما تقول المعارضة- في غياب الشفافية اللازمة في مثل هذه العمليات.
 
وكانت المحصلة النهائية لهذه السياسات مجموعة من الأمراض المزمنة عانى ولا يزال يعاني منها الاقتصاد المصري، تمثلت مظاهرها في:
  • استمرار العجز في الموازنة العامة للدولة، والتي وصلت العام الماضي إلى 52 مليار جنيه (الدولار يساوي 5.85 جنيهات تقريبا).
  • استمرار التضخم بنسبة 10% سنويا تقريبا وما يعنيه ذلك من تدهور في مستويات المعيشة وازدياد أعداد الفقراء.
  • الانخفاض المتوالي لقيمة الجنيه المصري أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، بنسبة تجاوزت الـ 100% على مدى السنوات الثلاث الأخيرة.
  • انخفاض الاستثمار الأجنبي إلى ما قيمته 408 ملايين دولار فقط عام 2004.
  • انخفاض معدل الاستثمار الداخلي إلى ما نسبته 17% من إجمال الناتج المحلي.
  • انخفاض الاحتياطي النقدي في البنك المركزي ليصل إلى 18 مليار دولار.
  • وصول حجم الدين العام إلى نسبة تتراوح ما بين 50 - 60 % من الناتج المحلي.


هذه النتائج الاقتصادية والتي تعتبرها المعارضة ناجمة عن توجهات وسياسات خاطئة، وقرارات بطيئة ومترددة، وتخليا عن دور تنموي كان مطلوبا من الدولة أن تقوم به في هذه الفترة الحساسة من تاريخ مصر، لها عند النظام تفسيرات أخرى.
 
فالحكومات المصرية ما فتئت تردد على الدوام أن السبب في غلاء الأسعار وانخفاض مستويات المعيشة وسائر الأعراض المرضية التي يعاني منها الاقتصاد المصري ترجع في معظمها إلى أسباب خارجية منها الزيادة العالمية في أسعار السلع الأساسية، والظروف الأمنية والسياسية المضطربة التي تمر بها المنطقة العربية وما شهددته مؤخرا من حروب كان آخرها الحرب على العراق... إلخ.
 
وهكذا فكلما أكثرت المعارضة من انتقادها للسياسات العامة للحكومات المصرية المتعاقبة في عهد الرئيس مبارك، وكلما جددت دعوتها المنادية بضرورة إعادة النظر في دور الدولة التنموي، ساقت الحكومة في المقابل تفسيراتها وكررت تأويلاتها، مما يجعل من هذه القضية ملفا من ملفات الإصلاح السياسي المفتوح على الدوام والذي لم يحن بعد موعد كتابة السطر الأخير في فصوله المثيرة للجدل.


المصادر:
1- الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة، مظاهر الضعف، الأسباب، العلاج. د. مصطفى السعيد، دار الشروق، الطبعة الأولى 2002.
2- من دفتر أحوال الاقتصاد المصري، د. محمود عبد الفضيل، كتاب الهلال، العدد 627، مارس 2003.
3- إدارة شؤون الدولة والمجتمع، الدولة في عالم متغير: تحديث دور الدولة، مشروع بحثي مشترك بين مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة، ومركز الدراسات الاقتصادية والمالية ومركز بحوث ودراسات الدول النامية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، مجموعة من الباحثين، تحرير أ.د سلوى شعرواي جمعة، 2001.
4- مقالات د. إسماعيل صبري عبد الله، ود. حازم الببلاوي في صحيفتي الأهالي والأهرام، أعداد وتواريخ متنوعة.  
5- تقرير التنمية البشرية في مصر لعام 2004، معهد التخطيط القومي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة