المقاومة والتوجهات السياسية في المنطقة   
الثلاثاء 1428/2/17 هـ - الموافق 6/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)

داود سليمان

تشهد المنطقة العربية جدلا واسعا بشأن المقاومة، أكثر من أي وقت مضى بعد التغيرات السريعة التي شهدتها المنطقة في أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق، ورفض واشنطن لاتخاذ حلفائها العرب موقفا وسطا في التعبير عن موقفهم من المقاومة.

الموقف العربي
الموقف الإيراني
موقف حركات المقاومة

الموقف العربي

ساهم دخول إيران بعد احتلال العراق في المعادلة الإقليمية العربية في إذكاء الخلاف حول المقاومة. وقد ساهم هذا الفرز في إيجاد موقفين من المقاومة أبرزهما موقف "المعتدلين" العرب حسب الوصف الأميركي وموقف إيران وتؤازرها فيه سوريا، وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان على وجه الخصوص.

"
خضنا معا (العرب وأميركا) حربا لإبعاد إيران عن العراق بعد طرد العراق من الكويت والآن فإننا نسلم البلاد (العراق) كلها لإيران دون مبرر

وزير الخارجية السعودي
"

اتسم الموقف العربي الرسمي بشكل عام بالضعف في دعم المقاومة، فالدول العربية -وإن لم تتحدث صراحة عن مدى جدوى المقاومة- تطالب حركات المقاومة بالتهدئة؛ لأن المنطقة لا تحتمل الكثير من التصعيد.

وشهد الموقف العربي الرسمي في دعمه للمقاومة حقبتين مختلفتين، يمكن تقسيمهما إلى حقبة التحالف السعودي المصري السوري، وحقبة التحالف السعودي المصري الأردني أو ما بات يعرف باسم حلف المعتدلين.

وقد اتسمت مرحلة وجود سوريا في هذا الحلف بدعم عربي للمقاومة في فلسطين ولبنان وإن لم يتعد الدعم المعنوي ومحاولة التوفيق بين المقاومة وبين الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل، وفي تلك الفترة لم تكن الولايات المتحدة تطالب الدول العربية بأخذ موقف محدد وواضح من المقاومة، بمعنى أنها لم تكن طرفا مباشرا في الصدام مع المقاومة.

وتميز موقف سوريا عن الموقفين السعودي والمصري باستضافتها لقادة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو، واستمرارها في الدعم السياسي المعلن لحزب الله في لبنان.

ومنذ احتلال الولايات المتحدة للعراق ودخول واشنطن في الصراع، أصبحت الدول العربية مطالبة بتحديد موقفها بشكل لا لبس فيه من المقاومة عموما وليس في العراق فقط.

وفي تلك المرحلة بدأ الحديث عن الخطر الشيعي الذي يهدد الأمن القومي العربي بعد بروز الشيعة في الساحة العراقية وسيطرتهم على المسار السياسي ودعم إيران لهم.

وكان أن أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أن المنطقة في صدد الدخول فيما أسماه الهلال الشيعي الممتد من إيران إلى سوريا فلبنان.

ولم تؤخذ تصريحات الملك الأردني لواشنطن بوست في ديسمبر/كانون الأول عام 2004 بكثير من الاهتمام أو الدعم على المستوى الرسمي في ذلك الحين.

ثم جاء الدعم من وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بعد عام من التحذير الأردني عندما أبدى في محاضرة له بمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك تخوفه من سيطرة إيران على العراق، حيث قال "خضنا معا (العرب وأميركا) حربا لإبعاد إيران عن العراق بعد طرد العراق من الكويت والآن فإننا نسلم البلاد (العراق) كلها لإيران دون مبرر". وأثارت تصريحات الفيصل ضجة كبرى سواء في الولايات المتحدة أو في المنطقة العربية.

في تلك الأثناء كانت بوادر حلف جديد تلوح في الأفق إذ بدأت الضغوط الأميركية تزداد على سوريا بحجة دعمها للمقاومة في العراق وعدم تعاونها كباقي دول الجوار في منع تسلل المقاتلين عبر حدودها إلى العراق، وبدا الموقفان السعودي والمصري يبتعدان شيئا فشيئا عن الحليف السوري.

وجاءت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005 لتحدث قطيعة بين النظامين السعودي والسوري، وصارت سوريا معزولة في مواقفها بالمنطقة. وحلت الأردن محل سوريا في الحلف السعودي المصري.

ومع صعود حماس إلى سدة الحكم في السلطة الفلسطينية واكتشاف العرب أن لا أفق لعملية التسوية ازدادت مطالبة الأطراف العربية للحركة بأن تتخلى عن برنامج المقاومة وتقبل مشروع السلام العربي.

وساهمت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2006 في زيادة ابتعاد الموقف الرسمي العربي عن المقاومة, وترافق ذلك مع تنامي هواجس العاهل الأردني والأمير السعودي من الهلال الشيعي, لتجد لها أرضا تقف عليها, ويتم الفرز بين المقاومة الشيعية المدعومة إيرانيا, وجماعات مسلحة أخرى.

ورغم حديث تلك الأنظمة عن الفرز الطائفي فإن هذه الأنظمة لم تدعم المقاومة السنية في العراق, وإن اصطدمت مع المشروع الإيراني, كما لم تقم تلك الأنظمة بدعم حركة حماس حتى عندما التزمت بالتهدئة مع إسرائيل وأبدت استعدادا للتفاوض مع إسرائيل بشرط عدم تقديم تنازلات مجانية, بل إن تلك النظم ساهمت في الحصار الأميركي والإسرائيلي على حكومة حماس وساهمت في تجويع الشعب الفلسطيني لمعاقبته على خياره الديمقراطي.

وعندما أقدمت المقاومة في فلسطين على اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط لتحرير أسرى فلسطينيين, اعتبرت تلك الأنظمة أن المقاومة في فلسطين قامت بمغامرة وأنه عليها تحمل نتيجة مغامرتها, وهو المنطق نفسه الذي تعاملت به مع عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في لبنان.

"
في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان انتقد الشيخ حارث الضاري الفتاوى التي صدرت عن بعض شيوخ أهل السنة بعدم دعم حزب الله وأشار في تصريح له إلى أنه يدعو لحزب الله بالانتصار على العدو الإسرائيلي

"

دوافع الموقف العربي:
 

  • اقتناع المحور السعودي المصري الأردني بأن الولايات المتحدة لم تعد تقبل أنصاف المواقف.
  • وجود تنظيم القاعدة في العراق والذي ينظر إليه باعتباره تنظيما إرهابيا، ودعمه يعني الوقوف في الصف المعادي لأميركا.
  • الخوف من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة. فلم يقتصر موقف الحلف العربي الثلاثي على التحذيرات الأردنية السعودية فقط, بل إن مصر ساهمت في هذه التحذيرات أيضا عندما شكك الرئيس المصري في ولاء الشيعة في الدول العربية.
  • تخوف السعودية من تنامي النفوذ الشيعي في الجوار وتأثيره على قطاع عريض من مواطنيها, خاصة في المنطقة الشرقية.
  • فوز الإسلاميين في الانتخابات الديمقراطية في فلسطين, وانتصار المقاومة في لبنان، أثارا مخاوف الأنظمة العربية من امتداد الإسلاميين في المنطقة كلها.
  • علاوة على ذلك, فإن دول المحور الثلاثي لديها ملفاتها الخاصة التي تريد من الإدارة الأميركية أن تساعدها فيها. فالسعودية لا تريد ضغوطا بشأن الإصلاح, كما أنها لا تريد تسليط الملامة عليها لكون زعيم القاعد أحد مواطنيها. والشيء ذاته ينطبق على مصر, التي تسعى لتكريس عملية التوريث بعيدا عن أي نقد أو مساءلة. أما الأردن فإن الملك عبد الله الثاني يدرك أن استمرار بقاء النظام الهاشمي على ما هو عليه مرتبط بالوقوف مع المخطط الأميركي الذي يشكل له دعامة البقاء في ظل التغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة.

الموقف الإيراني

يعتبر الموقف الإيراني من المقاومة من أكثر المواقف المثيرة للجدل، وحسب المراقبين فإن هناك خلافات داخل النخبة الحاكمة, إذ يوجد فيها تياران.

الأول يدعو إلى التمسك بمناصبة أميركا العداء ومحاربة مصالحها في المنطقة وبالتالي دعم كافة حركات المقاومة المناهضة لهذا المشروع. في حين أن الثاني براغماتي يدعو إلى التعامل مع التطورات الجارية وفقا للمصالح الإيرانية وتسانده في ذلك مجموعة صغيرة متمسكة بثوابت فارسية. ويبدو أن التيار الثاني هو المسيطر على مقاليد الأمور في طهران الآن.  

فإيران تدعم حزب الله في لبنان من منطلق يتجاوز المصلحة في دعم المقاومة ضد المشروع الأميركي في المنطقة, ويتجاوز مبادئ الثورة الإيرانية إلى التعاطف المذهبي والوجداني. كما تدعم حماس سياسيا وتحاول مع دمشق توفير الغطاء السياسي لهذه الحركة.

أما في العراق فتتخذ إيران موقفا مغايرا, فهي ليست مع المقاومة لأجل المقاومة, وإنما مع تيارات شيعية توافقها في المذهب والعقيدة, حتى وإن صب ذلك في خانة دعم الترتيبات الأميركية.

ورغم التحالف الإيراني السوري واتفاق الدولتين على دعم حزب الله وحماس فإن سوريا تميزت عن إيران في موقفها من دعم المقاومة العراقية, إذ لطالما اتهمت دمشق بتسهيل دخول المقاتلين إلى العراق، كما أن دمشق استقبلت العديد من قيادات السنة في العراق.

أسباب الموقف الإيراني

  • البحث عن لعب دور في المنطقة من منظور تعزيز أمنها القومي في مواجهة المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، كما أنها تسعى للإمساك بأوراق تساعدها في مواجهة ما تتعرض له من ضغوط.
  • الدعم الإيراني لأي دولة أو حزب, يخضع لمراجعات كثيرة في دوائر صنع القرار في طهران وعليه فإن أي دعم قد توفره طهران يجب أن لا يتعارض في النهاية مع المصلحة الإيرانية.
  • تطورات الوضع في العراق تتجه لصالح الشيعة وبالتالي فإن تنفيذ البرنامج الأميركي في العراق سيحقق لإيران غرضها في سيطرة الشيعة على السلطة.
  • يرجع بعض المراقبين الموقف الإيراني في العراق إلى رغبة إيران في التأكيد للولايات المتحدة على أنها تستطيع التكيف مع الأوضاع المستجدة في جوارها وأنه يمكن الاعتماد عليها من قبل واشنطن لتكون عنصر تهدئة.

موقف حركات المقاومة

عند الحديث عن موقف الحركات المقاومة في المنطقة العربية بعضها من بعض يلاحظ تقارب بين حزب الله وحماس, حتى إن الدعم الذي تحظى به حماس من قبل حزب الله يتخطى المستوى المعنوي والسياسي إلى العسكري. لكن موقفي حماس وحزب الله يختلفان عند الحديث عن المقاومة في العراق.

فحركة حماس وإن لم تدعم تيارا بعينه في العراق, فإن مواقف قيادات الحركة وتصريحاتهم تدل على أنهم يدعمون المقاومة ضد المحتل.

أما حزب الله فإنه يجد نفسه هنا في إشكالية. فهو ضد الاحتلال, لكنه يتعاطف مع الشيعة المسيطرين على الحكومة، وفي الوقت ذاته هو ضد الطائفية التي قد تجر البلاد إلى حرب أهلية. لذا فإن نداءات قيادة الحزب ممثلة في أمينه العام السيد حسن نصر الله تركز على الوحدة وحقن الدماء.

وقد كان أبرز موقف اتخذه الحزب من المقاومة في العراق هو تصريح الأمين العام للحزب حسن نصر الله في تشرين الثاني/أكتوبر 2006 بأنه يؤيد مقاومة الاحتلال الأميركي في العراق بل يدعو إلى الاستمرار في المقاومة حتى تحرير العراق.

أما فيما يخص الشق العراقي فإن هناك صعوبة في الحديث عن موقف موحد للمقاومة العراقية مما يجري في فلسطين ولبنان، أو من حركات المقاومة الأخرى. ولكن يمكن أخذ موقف هيئة علماء المسلمين كمثال في هذا الشأن، خاصة أنه يعتقد أن للهيئة صلات مع بعض فصائل المقاومة العاملة في العراق.

ولا يقدم موقف الهيئة من القضية الفلسطينية ودعمها لحركة حماس والمقاومة بشكل عام في فلسطين أي جديد لكونها تنطلق من موقف إسلامي قريب من خط المقاومة في فلسطين، إلا أن الموقف الأبرز للهيئة يتمثل في موقفها من حزب الله ومقاومته لإسرائيل.

ففي الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان في يوليو/تموز 2006 انتقد الأمين العام للهيئة الشيخ حارث الضاري الفتاوى التي صدرت عن بعض شيوخ أهل السنة بعدم دعم حزب الله وأشار في تصريح له إلى أنه يدعو لحزب الله بالانتصار على العدو الإسرائيلي.

في ظل هذا الواقع يتضح أن حركات المقاومة في الوطن العربي باتت محاصرة من قبل النظم السياسية العربية كما هي محاصرة من النظم الخارجية، وهذا مما قد يضعف تلك الحركات لفترة معينة إلى اكتشاف سبل جديدة للتغلب على تلك الضغوط، ولا يستبعد أن تواجه بعض الدول العربية قوى سياسية داخلية تدعو إلى تغيير النظم العربية التي انساقت في المعادلة الأميركية في المنطقة.
_______________
صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة