العمل العربي الإقليمي.. الحوافز والمعوقات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:25 (مكة المكرمة)، 16:25 (غرينتش)

لقطة تذكارية تجمع القادة العرب في أحد مؤتمرات القمم السابقة (عمان)

* بقلم/ إبراهيم غرايبة

يقوم العمل الإقليمي أساسا على إدراك المصالح والسعي لتحقيقها والتعاون والاعتماد المتبادل لإنجاز ما لا يمكن إنجازه أو ما لا يمكن إنجازه بتكاليف وأوقات وجهود أقل بغير العمل الإقليمي. كما يقوم على حراك طبيعي واجتماعي ترعاه الحكومات بالتشريعات والتسهيلات الممكنة ضمن شروط جغرافية وجغرافية سياسية تاريخية إستراتيجية، وهو أمر لا يتحقق بالأماني السياسية والضغوط الآنية وردود الأفعال والهبات العاطفية والإملاءات الخارجية ولا بالقوة والقهر بطبيعة الحال.

فقد استطاعت دول أوروبا تجاوز حروبها الطاحنة في النصف الأول من القرن العشرين واختلافاتها اللغوية لبناء مشروع عمل مشترك بدأ بالاقتصاد والتجارة المتبادلة ليشمل البيئة المحيطة الشاملة بالعمل الاقتصادي من النقل والنقد والاتصالات والتشريعات ثم امتد إلى السياسات الخارجية والدفاعية، في حين عجزت الجامعة العربية التي بدأت العمل منذ عام 1945 -أي قبل قيام السوق الأوروبية المشتركة باثني عشر عاما- عن التقدم خطوات معقولة وملموسة في تحقيق مصالح وبرامج إقليمية ومشتركة.

لقد بدأ العمل الإقليمي العربي مع بداية تشكل الدول العربية الحديثة حين اجتمع قادة سبع دول عربية، ثم بدأت كل دول تنال استقلالها تنضم إلى الجامعة العربية التي تضم حاليا جميع الدول العربية عدا إريتريا. وتحاول هذه الدراسة التعرف على أبعاد العمل الإقليمي العربي وتقرأ الفرص والتحديات والعوائق والمشكلات التي تواجهه إلى جانب آفاقه المستقبلية.

البيئة المحيطة بالعمل الإقليمي العربي

"ازدهر فكر التكامل والوحدة في أوروبا والولايات المتحدة في الخمسينات والستينات وامتد إلى أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ويجمع بين هذه التجمعات أنها عملية جدلية مع شروط محلية وإقليمية وعالمية في مقدمتها إيمان النخب بقيمة التنمية المشتركة ووجود خطر مشترك، وينشأ عنها مؤسسات ومنظمات دولية وإقليمية تعطي زخما لعمليات التكامل والعمل المشترك. وتتميز العلاقات بين الدول المشاركة بدرجة عالية من الاعتماد المتبادل في المجالات المختلفة".(1)

واستطاعت الدول الأوروبية التي تعد النموذج الرائد في العمل الإقليمي أن تحقق قدرا من التعاون والتكامل والاعتماد المتبادل وتوحيد السياسات والتشريعات وتنسيقها، متجاوزة حربين عالميتين وانقساما مدمرا حصل لها في النصف الأول من القرن العشرين، لتصل إلى حالة يصعب معها اليوم تصور قيام حرب جديدة بين فرنسا وألمانيا على سبيل المثال. فما هي الظروف التي تحكم العمل الإقليمي وتنجحه أو تحبطه؟

1- الديمقراطية وأنظمة الحكم
هل تنجح التجمعات الإقليمية بدون أن تنتظمها ديمقراطية سياسية واجتماعية تكون تعبيرا عن تطلعات الشعوب والمجتمعات وتحميها الاتجاهات الشعبية ومواقف الأغلبية من الناس؟ فإذا كانت حكومات الدول المشاركة في التجمعات لا تعبر عن اتجاهات غالبية سكانها ولا تحظى بتأييد شعوبها، فإنها غير مؤهلة لاتخاذ قرارات كبرى ومصيرية تمس حياة المجتمعات والدول ومستقبلها.

إن الوضع الديمقراطي في الدول العربية بائس وأنظمة الحكم فيها نخبوية فوقية وتسلطية، ويكاد المرء يصفها بأنها تحتقر شعوبها أو تتصرف كما لو أنها كذلك بالفعل.

والواقع أن ثمة تفاوتا عربيا كبيرا في مستوى الديمقراطية وفي طبيعة أنظمة الحكم أيضا وسياساتها ومواقفها، وهو تفاوت يجعل العمل الإقليمي المشترك متعذرا، فبعض الدول تجري فيها انتخابات نيابية منتظمة خلافا لدول أخرى، كما أن نزاهة الانتخابات ومطابقتها للمعايير الديمقراطية أيضا أمر متفاوت بدرجات كبيرة. وبعض الدول ملكية وبعضها جمهورية عسكرية، ويبدو أن بعضها متجه إلى جمهورية وراثية. ويمتد الاختلاف إلى الصحافة والتعددية السياسية والتشريعات، ثم المواقف الكبرى من الصراع العربي الإسرائيلي والقوى العظمى المهيمنة والصراعات الإقليمية، بل إن بعض الدول سلكت سلوكا غير متوقع في الصراعات الإقليمية التي كانت دولة عربية أو أكثر طرفا فيها مثل الحرب العراقية الإيرانية، والحرب الأهلية في السودان، والحرب الأهلية في لبنان.

2- المصالح والأهداف
يفترض أن تكون التجمعات الإقليمية قائمة على مصالح وأهداف محددة ومشتركة، بمعنى أن تعرف جميع الدول ما الذي تريده بالتحديد من تجمعها. ولا يعني هذا بالطبع ألا يكون بين الدول خلافات وتعارض في المصالح والأهداف، ولكن يجب استبعاد هذه المجالات المختلف فيها أو تأجيلها حتى تتوصل الدول المختلفة إلى قاعدة مرضية لها للعمل على أساسها. ولا يحتاج العمل الإقليمي إلى وفاق تام وتطابق في المصالح والمواقف والأهداف، إلا أنه يجب التمييز بين المتفق عليه ومواضع الاختلاف. ولكن ما يحدث في العمل العربي الإقليمي أن أي تعارض يؤثر على كل القضايا الأخرى المتفق عليها، ولم يستطع القادة العرب الفصل بين القضايا ولا إدراج المتفق عليها فقط في العمل الإقليمي.


الوضع الديمقراطي في الدول العربية بائس وأنظمة الحكم فيها نخبوية فوقية وتسلطية ويكاد المرء يصفها بأنها تحتقر شعوبها
ويلاحظ مثلا أن مجلس وزراء الداخلية العرب يعمل بانتظام وينسق أعمال الدول العربية في مجالات الأمن المختلفة دون أن تعطله أبدا الخلافات والبيرقراطية العربية، مما يدل على أن توافر الدافع القوي الملح لدى القادة العرب سيجعل العمل الإقليمي ممكنا. ولكن يبدو أن الهاجس الأمني هو القضية الوحيدة التي تمتلك حضورا كبيرا في التخطيط والعمل المشترك، في حين لم تصل قضايا التنمية والاقتصاد والثقافة ومواجهة التهديدات والمخاطر الإقليمية إلى مستوى الهاجس الأمني.

وكان مجلس التعاون الخليجي محاولة لاحتواء التهديد الإيراني ومواجهته بعد قيام الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني عام 1979 ثم نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. وبعد قيام حرب الخليج الثانية وجدت دول الخليج أنها بحاجة إلى مد جسور التفاهم والتعاون مع إيران واحتواء التهديد العراقي، وتناقض هذا الاتجاه مع الخلاف الإماراتي الإيراني على الجزر الثلاث الإماراتية التي تحتلها إيران منذ عام 1971.

ونظرا لكون دول الخليج ذات كثافة سكانية قليلة (15 مليونا) فقد احتاجت -خاصة بعد التحولات العراقية- إلى دول كبيرة وقوية ذات مقدرة عسكرية وزخم سياسي فكان مجلس إعلان دمشق الذي ضم إلى جانب دول الخليج كلا من سوريا ومصر. ولكن حدث اختلاف بين دول الخليج من جهة وبين سوريا ومصر من جهة أخرى حول الموقف من تركيا التي تهدد الأمن القومي العربي بتحالفها مع إسرائيل واعتدائها على حصة العراق وسوريا في نهري دجلة والفرات.

واستبعد مجلس التعاون الخليجي اليمن رغم اتصاله الجغرافي بدوله، ثم قرر المجلس عام 2001 توسيع العلاقات ومجالات التعاون مع اليمن.

ويكاد مجلس التعاون يقتصر على النواحي الأمنية، فقد تشكل ابتداء بهاجس أمني لايزال -ربما- مبرر استمراره. وتجاهل المجلس الأبعاد الجغرافية فاستبعد اليمن والعراق، في حين كان الأولى أن يضم أيضا سوري والأردن ولبنان ليشكل إقليما جغرافيا ممتدا ومتصلا ويملك قوة سكانية وموارد شاملة متكاملة، ويحقق اعتمادا متبادلا خاصة في الكفاءات البشرية والفنية المؤهلة التي تحتاجها دول النفط الناشئة وقليلة السكان، وتوفر هي أيضا سوقا ملائما للمنتجات الزراعية لدول الهلال الخصيب. وتشكل الدول معا قوة عسكرية وإقليمية تواجه الخطر الصهيوني والتهديدات الإيرانية والتركية إن وقعت، وتكسر التحالف الإسرائيلي التركي أو تقلل من شأنه.

ومن جهته وقع الاتحاد المغاربي ضحية الخلاف الجزائري المغربي حول قضية الصحراء الغربية التي تعتبرها المغرب جزءا منها، كما أن ليبيا لم يعجبها موقف الدول المغاربية تجاه المقاطعة الدولية التي فرضت عليها بسبب أزمة لوكربي.

3- الدوافع السياسية والإقليمية
يبدو واضحا الدافع السياسي والأمني في نشأة التجمعات الإقليمية العربية وعملها وأيضا في أسباب فشلها،
فالصراع العربي الصهيوني كان محور العمل الإقليمي العربي، والتعامل معه كان أهم أسباب الخلاف والانقسام أيضا. وقد نشبت عدة حروب عسكرية بين العرب وإسرائيل تمخضت عن قيام دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي وتوسعها على حساب الدول العربية المحيطة بها، ثم عقدت اتفاقيات سلام بين بعض الدول العربية وإسرائيل. وكانت هذه الحروب ضمن سياق عمل إقليمي عربي مشترك تتباين فيه النوايا ووجهات النظر والمواقف.


يبدو واضحا الدافع السياسي والأمني في نشأة التجمعات الإقليمية العربية وعملها وأيضا في أسباب فشلها
ورغم الاختلاف والانقسام بين العرب حول الموقف من الصراع العربي الصهيوني فقد بقي هذا الصراع أهم حافز ومنبه لقيام نظام عربي يواجه هذا التحدي. ولكن الصراع العربي الإسرائيلي رغم قوة تأثيره ودافعيته لم يكن كافيا لعمل دفاعي وإقليمي أو توحيد البرامج والخطط وتنسيقها إلى مستوى فاعل ومؤثر، إلا أنه يبقى مع ذلك من المسائل الإيجابية التي تدفع العرب إلى محاولة التنسيق واللقاء.

أزمة العراق والكويت وتداعياتها على النظام العربي
شهد العمل الإقليمي العربي نكسة خطيرة عام 1990 بسبب الاحتلال العراقي للكويت ثم قيام حرب الخليج الثانية وفرض حصار دولي شامل على العراق مازال قائما منذ ذلك الحين، فقد انقسمت الدول العربية حول التعامل مع الأزمة وأدى الوجود الأميركي العسكري المكثف إلى حالة هيمنة أمنية وإستراتيجية على المنطقة وتهديد الدول العربية في أمنها وسيادتها. واندفعت بعض الدول والأطراف العربية في إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع إسرائيل، وعقد المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمشاركة إسرائيل في المغرب ثم الأردن ثم القاهرة وأخيرا الدوحة، وبدا كما لو أن النظام العربي سينهار تماما ليحل محله نظام شرق أوسطي تشارك فيه إسرائيل بدور قيادي وفعال.

4- المياه
يمثل نهر النيل شريان الحياة في مصر والسودان ويمثل حزامهما الأمني الإستراتيجي. وتحتاج الدولتان إلى العمل معا ومع الدول الأخرى المشاركة في حوض النيل -وهي: إثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية- من أجل تقاسم المياه وضمان تدفق الحصص وعدم الاعتداء على الوضع المائي والإستراتيجي وتهديده.

وقد حاولت إثيوبيا في بداية السبعينات تشييد منشآت على النيل الأزرق، وهو ما دفع مصر إلى التهديد بالقوة لمنع قيام المشروع. ووضعت الإدارة الأميركية دراسات اقترحت فيها على إثيوبيا إقامة 26 سدا وخزانا تستوعب 5.4 مليارات متر مكعب. ورغم أن هذه المشروعات لم تر النور فإنها تعتبر تذكيرا أميركيا لمصر بنقاط ضعفها الجيوسياسي. وقد وقعت مصر وإثيوبيا عام 1993 على إطار تعاون بشأن استخدام مياه النيل على أساس قواعد ومبادئ القانون الدولي مع الامتناع عن أي نشاط يضر بمصالح الطرف الآخر. وكانت مصر والسودان قد وقعتا على اتفاقية في نفس المجال عام 1959، كما وقعت مصر مع أوغندا اتفاقية عام 1953.

وثمة مشكلة بين تركيا وكل من سوريا والعراق بشأن نهري دجلة والفرات، وتختلط قضية المياه هنا بالصراع التركي الكردي والعلاقات الإسرائيلية التركية والخلاف السوري التركي حول لواء الإسكندرونة السوري الذي أقطعته فرنسا لتركيا أثناء استعمارها لسوريا عام 1939 والمطالب التركية الإقليمية في الموصل وشمال العراق.

وتواجه موريتانيا مشكلة مياه نهر السنغال الذي يمر بأراضيها وينبع من السنغال، وقد كادت تنشب حرب بين الدولتين.

إذن.. قضية المياه تفرض على الدول العربية بناء قوة مؤثرة تتعامل مع الدول الأخرى التي تهدده مائيا بتنافس مؤثر ولا تستطيع دولة واحدة بمفردها أن تحل مشكلاتها المائية مع دول الجوار، وتستلزم أيضا قدرة عربية على التعاون الإقليمي مع الدول الأخرى التي تشكل امتدادات جغرافية وإقليمية للوطن العربي، مثل تركيا وإيران والسنغال وإثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي وتشاد وتنزانيا، ولكن الدول العربية كانت تواجه قضاياها المائية وهي في حالة خلاف مع شركائها العرب، مثل النزاع المصري السوداني،والنزاع السوري العراقي.

5- التجارة والأسواق
لا تمثل التجارة العربية البينية سوى 8% من التجارة العربية الخارجية، وبرغم أن الجامعة العربية اتخذت قرارا بإنشاء سوق عربية مشتركة منذ عام 1970 فإن هذه السوق مازالت فكرة تناقش في كل اجتماع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي. وقد اتخذت القمة العربية عام 1996 قرارا بإنشاء منطقة تجارة عربية حرة وفق برنامج تنفيذي يمتد لعشر سنوات تكون هذه السوق قد بدأت فعليا وهيئت لها التشريعات والإجراءات والبنى والاتفاقيات اللازمة. ولكن لا يبدو حتى الآن أن ثمة خطوات ملموسة تتحقق في هذا الاتجاه.

6- الغذاء
تستورد غالبية الدول العربية القمح من الخارج وبعضها -مثل الأردن واليمن ولبنان- تستورد حوالي 90% من احتياجاتها من القمح، وبنسبة أقل كل من الجزائر ومصر. وقد استوردت الدول العربية عام 1995 من القمح ما قيمته خمسة مليارات دولار.
وتستطيع الدول العربية في إطار اعتماد متبادل بين الموارد البشرية والمالية والاستثمارات أن تحقق تكاملا وتبادلا يوفر للدول العربية احتياجاتها، فيمكن للسودان وسوريا والعراق أن تحقق فائضا من القمح إذا توافرت لها استثمارات زراعية، وقد يتيح هذا الفائض للمستثمرين العرب فرص توفير القمح للدول الأخرى بتسهيلات وبيئة مشجعة إضافة إلى أبعاده الإستراتيجية.

7- النزاعات العربية البينية
تواجه معظم الدول العربية -أو واجهت لفترة طويلة- خلافات سياسية ونزاعات حدودية فيما بينها. وكانت هذه الخلافات تهدد العمل الإقليمي دائما أو تعطله نهائيا دون أن تستطيع المؤسسات الإقليمية تجاهلها أو تحييدها ولا حلها. وقد اتخذ مؤتمر القمة العربية عام 1996 قرارا بإعداد آلية للجامعة العربية لتسوية النزاعات العربية وفضها، وإنشاء محكمة عدل عربية، ولكن هذه القرارات مازالت حبيسة أعمال اللجان القانونية رغم أنها صادرة عن مؤسسة القمة العربية التي يفترض أنها الجهة الأعلى والأكثر أهمية.

8- مؤسسة القمة العربية
تعد مؤتمرات القمة العربية التي بدأت بالانعقاد عام 1946 مؤشرا على مستوى وقدرة الدول العربية على العمل المشترك والتجمع. ورغم تمحورها حول الصراع العربي الإسرائيلي فإنها كانت ومازالت حالة إيجابية يمكن أن تفعل العمل الإقليمي. وقد واصلت القمة العربية انعقادها بدون انتظام حتى عام 2001 حيث عقد مؤتمر القمة في عمان بناء على اتفاق مسبق بعقد قمة دورية، ثم عقد المؤتمر التالي في بيروت في المكان والموعد المتفق عليهما. وكانت جرت محاولات سابقة لجعل القمة العربية منتظمة دوريا ولكنها لم تنجح. ثم تعرضت مؤسسة القمة لشلل كامل عام 1990 وحتى عام 1996 وعقد مؤتمر القمة العربية عام 1996 بعد غياب طويل، وكان السبب المباشر للانعقاد هو صعود اليمين الإسرائيلي ومجيء الليكود إلى الحكم.

وقد كشف التفرد الأميركي في قيادة العالم حدة الانكشاف الذي يلازم الدولة القطرية. وضاعف من جسامة الخطر الصهيوني -وربما من أسباب استفحاله- تصاعد العجز في قدرات الدولة القطرية وخاصة في مجال الأمن.

وربما كان مجيء الليكود بقيادة نتنياهو إلى الحكم في إسرائيل عام 1996 سببا في استفزاز العرب واستثارة قاعدة "القوة" في النظام العربي ممثلة في مصر وسوريا والسعودية، مما دعاها إلى توجيه الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربي شامل بعد عدة مؤتمرات قمة مصغرة، فقد أدركت هذه الدول رغم اختلاف توجهاتها ومصالحها الخطر الصهيوني وأهمية الاستجابة القومية. وعقد المؤتمر بالقاهرة في 21-23 يونيو/ حزيران 1996 مستبعدا العراق، ونص البيان الختامي للمؤتمر على أن القادة العرب اجتمعوا استجابة لآمال وتطلعات الأمة العربية واستنادا إلى روابط الأخوة العربية لإحياء العمل العربي المشترك وتكثيف التشاور والتنسيق والتعاون وبناء التضامن العربي، وأكدوا تعزيز دور جامعة الدول العربية وضرورة الالتزام بميثاقها وقراراتها.

ودعا المؤتمر تركيا إلى إعادة النظر في الاتفاق العسكري مع إسرائيل بما يمنع المساس بأمن الدول العربية، والتأكيد على وحدة العراق وتوفير الظروف الملائمة لاستعادة دوره في النظام العربي. وأقر المؤتمر ثلاثة مشروعات مهمة هي:

  1. محكمة العدل العربية
  2. ميثاق الشرف للأمن والتعاون العربي.
  3. آلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها. وتكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة باتخاذ ما يلزم لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وفق برنامج عمل وجدول زمني يتفق عليهما، ولكن مجلس الجامعة العربية المكون من وزراء الخارجية قرر إحالة المشروعات الثلاثة إلى اللجان السياسية والقانونية.

وقد ووجه هذا المؤتمر بحملة سياسية وإعلامية صهيونية وأميركية. وفي كل المؤتمرات التي عقدت تؤجل دائما ملفات المشروعات العربية الطموحة دورة بعد دورة رغم كل المتغيرات العالمية والإقليمية والسياسية والاقتصادية، مثل المصالحة القومية والمياه العربية وإستراتيجية الأمن القومي.

9- بين التجمعات الإقليمية وجامعة الدول العربية
"لازم تكوين هذه التجمعات إحساسٌ خفي بعدم الشرعية، ولذلك فقد حرصت جميعها على التأكيد في مواثيق إعلان نشوئها على أنها تقوم في إطار جامعة الدول العربية وأنها بمثابة روافد للعمل العربي المشترك، ولكن تطور حركة هذه التجمعات كان يغلب كفة الشك وأصبح واضحا من المنظور القومي أن هذه التجمعات ليست كيانات وحدوية في طور التكوين حتى من المنظور الوظيفي، فقد ارتبط عدم الشرعية والانعزالية بقصور الفعالية وضعف المؤسسات وتواضع النتائج".(2)

إنجازات عربية إقليمية

رغم بؤس العمل العربي الإقليمي وواقعه المترهل فإنه يمكن للباحث أن يجد كثيرا من الإنجازات الإقليمية التي أمكن تحقيقها، مثل المصالحات القومية التي تمت في السنوات العشر الأخيرة وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية والمصالحة المصرية السودانية والمصالحة الليبية مع كثير من الدول العربية والمصالحة العربية الإيرانية، وحلت نزاعات حدودية كثيرة مثل الحدود السعودية الإماراتية والسعودية اليمنية، والقطرية البحرينية، واليمنية العمانية، وتطورت إيجابيا علاقات عربية كانت فاترة مثل العلاقات السورية الأردنية، وتقدمت الحالة بين العراق والكويت خطوات إيجابية وإن كانت قليلة ومحدودة.

واستؤنف انعقاد القمة العربية بانتظام، وحدث تضامن عربي مع الانتفاضة الفلسطينية، وشهد الرأي العام والجماهير العربية نهضة وتواصلا تجليا في تأييد الانتفاضة وتأييد لبنان في حربه مع إسرائيل وانتصاره عليها وإجبارها على الانسحاب من المناطق الجنوبية التي احتلتها لأكثر من 22 عاما.

وربما يكون اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية أهم وأكبر إنجاز إقليمي عربي، وأمكن أيضا التوصل إلى اتفاق في جيبوتي لوقف الصراع المسلح في الصومال وانتخاب برلمان وحكومة صومالية، ولكن هذه الحكومة لم تتمكن بعد من بسط سيادتها على جميع أراضي الصومال.

الآفاق المستقبلية للتجمعات الإقليمية

يعتمد مستقبل العمل العربي على مجموعة من المحددات التي تحكمه ويجب أخذه بالاعتبار عند التفكير والتخطيط للعمل الإقليمي ومن أهمها:

الجغرافيا والعمل الإقليمي
يعد مجلس الاتحاد المغاربي هو الوحيد الذي يمثل وحدة جغرافية متصلة ومترابطة ويقيم فيه عدد كبير من السكان، وأما مجلس التعاون الخليجي فقد استثنى العراق واليمن فكان قليل السكان إلى درجة تجعله قليل الأهمية الإستراتيجية والإقليمية، وكان الأولى أن يشارك فيه اليمن والعراق وسوريا والأردن ولبنان (الجزيرة العربية والهلال الخصيب) حتى يكون قوة إقليمية مؤثرة.


رغم بؤس العمل العربي الإقليمي وواقعه المترهل فإنه يمكن للباحث أن يجد الكثير من الإنجازات الإقليمية التي أمكن تحقيقها، مثل المصالحات القومية التي تمت في السنوات العشر الأخيرة
وأما مجلس التعاون العربي فقد كان أشلاء جغرافية متباعدة تفصل بينها مسافات طويلة مما يقلل كثيرا من أهميته، وربما كان من الأفضل لدول حوض النيل (مصر والسودان) بالمشاركة مع الدول الأخرى وبخاصة إثيوبيا وإريتريا، ويمكن أن تشارك في هذا التجمع أيضا الصومال وجيبوتي. وسيكون من أهم وظائف هذا التجمع حماية نهر النيل وضمان توزيعه والتصدي للتسلل الإسرائيلى إلى أفريقيا والتكامل الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة، فيمكن أن تؤدي مصر دورا إقليميا مؤثرا وقياديا يضمن حصتها في نهر النيل والفائض عن حصة الدول الأخرى، وتقدم مصر في المقابل حماية أمنية وعسكرية لهذه الدول وتحافظ على وحدتها وتساعدها في مواجهة الحروب الأهلية والمحاولات الانفصالية.

الأمن القومي
يعاني العمل الإقليمي العربي من مشكلات خطيرة تهدد الأمن القومي وتجعل العمل الإقليمي مستحيلا بدون أخذها بالاعتبار، ومن أهم هذه القضايا: التفوق الإسرائيلي عسكريا وتقنيا واحتكار إسرائيل للسلاح النووي في المنطقة، والهيمنة الأميركية ووجودها العسكري الكثيف في المنطقة، واستمرار الحصار على العراق بضغط أميركي وبريطاني، والعجز الرسمي العربي، وتهديد السيادة الوطنية للدول العربية في البحر الأحمر والعراق والسودان والمغرب (سبتة ومليلة والصحراء الغربية) والصومال.

الاقتصاد والغذاء والماء
إن السيطرة الخارجية على مصادر المياه العربية (النيل ودجلة والفرات والسنغال) والعجز الغذائي العربي وضعف التجارة البينية، والحاجة إلى العمالة في بعض الدول وحاجة البعض الآخر إلى تسويق قواه البشرية، يمكن أن تكون تحديات ومحفزات لعمل إقليمي ينسق هذه الاحتياجات ويجعلها متوافرة لجميع الدول، ويتيح لها أمنا شاملا وتأثيرا إقليميا يحمي ماءها وغذاءها ونفطها، فالمصالح القطرية والإقليمية متوافقة في هذا المجال، وقد يكون ذلك حافزا للدول العربية لتنسق عملها وتقيم سوقا مشتركة وقوة إقليمية.

الثقافة والمعلوماتية والخدمات
يمكن أن تكون الثقافة العربية المتجهة بقوة وعاطفة نحو الوحدة أساساً للتجمعات الإقليمية وبناء سوق للتعليم والتدريب والنشر والإعلام والمعلوماتية يحقق موارد ومصالح واحتياجات الدول، ويكون سوقا تصديرية للدول الآسيوية والأفريقية بل وفي أوروبا وأميركا.

فالتطور الكبير الذي تشهده المعلوماتية والطلب المتزايد على البرمجيات والتعليم المستمر والتدريب يفتح أسواقا كبيرة جدا للعرب للعمل المشترك والتصدير والتواصل الحضاري مع دول آسيا وأفريقيا وحشدها في قضايا العرب وبخاصة الصراع العربي الصهيوني.
ـــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصادر:
1- عبد المنعم سعيد، الجماعة الأوروبية: تجربة التكامل والوحدة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.
2- حال الأمة العربية، المؤتمر القوي العربي السابع/ 1997، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.
3- حال الأمة العربية، المؤتمر القومي الثامن/ 1998، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998.
4- حال الأمة العربية، المؤتمر القومي التاسع/ 1999، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.
5- حال الأمة العربية، المؤتمر القومي العاشر/2000، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000.
6- حال الأمة العربية, المؤتمر القومي الحادي عشر/ 2001، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.
7- حازم صاغية، وداع العروبة، بيروت ولندن، دار الساقي، 1999.
8- محمد رضوان، منازعات الحدود في الدول العربية: مقاربات سوسيو تاريخية وقانونية لمسألة الحدود العربية، بيروت، أفريقيا الشرق، 1999.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة