الحريات العامة في الدستور العراقي   
الأربعاء 2/9/1426 هـ - الموافق 5/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:38 (مكة المكرمة)، 8:38 (غرينتش)
 
 
ترتبط فكرة صياغة الدساتير ارتباطاً أساسياً بفكرة الحقوق والحريات، وقد اتخذت الدساتير الأولى صورة المنحة من الحكام والملوك الذين كانوا يعتقدون أنهم أصحاب السيادة وهم أصحاب السلطة ويفعلون ما يشاؤون، وأجبرت الثورات والانتفاضات التي قامت بها الشعوب للحصول على حقوقها وحرياتها الحكام على ان يصدروا الدساتير الأولى على شكل منحة يعطى فيها الحكام بعض الحقوق والحريات للشعوب واستمر هذا الأمر حتى وقت قريب.
 
وفي الدستور المصري الذي صدر عام 1923 يمكن أن نقرأ في الديباجة "نحن ملك مصر أمرنا..." مما يلخص أنه كغيره من الدساتير الأخرى كان منحة من الملك للشعب.
 
وهذا الأمر تكرر بصورة مختلفة ولكن بنفس المضمون بالسلطات الثورية والعسكرية والأيديولوجية التي تعطي نفسها حق إصدار الدساتير نيابة عن الشعب.
 
تطورت فكرة السيادة ومن هو صاحب السيادة خاصة بعد الثورة الفرنسية فمن قال إن السيادة للفرد ومن قال إن السيادة للأقلية المتميزة بالوضع الاجتماعي أو المالي أو العسكري، ومن قال إن السيادة للقانون ثم قيل إن السيادة للأمة بوصفها مجردة عن الأشخاص المكونين لها.


 
وقد استقر الرأي على أن السيادة للشعب، أي لكل فرد من أفراد الشعب وأصبحت السلطة التنفيذية تمثل مركزاً أدنى من مركز السلطة التشريعية الممثلة للشعب.
 
"
تطورت فكرة السيادة لتجعل من الشعب مصدر السلطات الذي يضع دستوره بإرادته الحرة

"
تطور فكرة السيادة
إن تطور فكرة السيادة قد بدل من مفهوم الدستور فتغير من كونه منحة من الملك إلى الشعب إلى صيغة التعاقد الذي يحدد صيغة تعطي الشعوب حقوقاً وحريات أكثر من السابق ثم تطور الأمر إلى فكرة الجمعية التأسيسية والاستفتاء الدستوري بناء على اعتبار الدستور  حقا للشعب وتعبيرا عن إرادته ويقيد تصرف الحكام وليس صورة من العقد الاجتماعي فقط، وبالخلاصة فإن الأمر تغير من الحاكم المطلق الذي كان يقول: "أروني الشعب فأنا منذ فترة أنقب عنه ولم أعثر عليه" إلى فكرة أن الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات وهو يضع دستوره بإرادته الحرة بما يعبر عن هويته التاريخية والحضارية، وبما يخدم مصالحه ويقيد حكامه ويحدد طبيعة نظامه السياسي، وهكذا ارتبطت فكرة صياغة الدساتير بفكرة الحقوق والحريات.
 
أنواع الحقوق والحريات


تصنف الحقوق والحريات بتصنيفات مختلفة ويطلق عليها في الدساتير تسميات مختلفة أيضاً فتارة تسمى الحقوق المدنية أو الحقوق والواجبات وغيرها من التسميات.
 
وتصنف الحريات بشكل عام إلى حقوق وحريات فردية وهي امتيازات للأفراد يمتنع عن السلطة التعرض لها، وحقوق وحريات سياسية جوهرها وضع السلطة في أيدي الشعب.
 
"
يحوي الدستور العراقي مواد قد يجري استخدامها لأغراض التجسس وانتهاك الأمن
"
وتتميز الحقوق السياسية عن الحقوق الفردية على اعتبار أن الأولى مقصورة على المواطنين دون الأجانب بخلاف الحقوق الفردية التي تشمل المواطنين والأجانب على حد سواء، كما أن الحقوق السياسية تفترض شرطا لإمكان تقريرها متعلقة بالسن والأهلية والصلاحية الأدبية والعقلية والأخلاقية، بخلاف الحقوق الفردية التي تكون عادة لجميع المواطنين والأجانب حتى لو كانوا ناقصي الأهلية أو صدرت ضدهم أحكام مخلة بالشرف والأمانة أو انعدام صلاحياتهم الأدبية.
 
إن الحقوق السياسية تتعلق بمباشرة السلطة في المجتمع أما الحقوق الفردية والعامة فتتعلق بمركز الفرد من السلطة وحرياته في مواجهتها (القانون الدستوري ج1 على 586)، ويرد الباحثون الحقوق والحريات جميعا إلى قمسين رئيسيين هما المساواة المدنية والحرية وتقسم إلى أربعة أصناف:
  1. المساواة أمام القانون
  2. المساواة أمام القضاء
  3. المساواة في تولي الوظائف العامة
  4. المساواة في الضرائب
أما الحرية الفردية فهي تقسم بين حريات ذات مضمون مادي وأخرى ذات مضمون معنوي.
 
الحريات ذات المضمون المادي:
  1. الحرية الشخصية
  2. حرية التملك
  3. حرية السكن وحرمته
  4. حرية العمل والتجارة والصناعة
الحريات ذات المضمون المعنوي:
  1. حرية العقيدة والديانة
  2. حرية الاجتماع
  3. حرية الصحافة
  4. حرية تكوين جمعيات
  5. حرية تعليم
إن البعض انتقد هذا التقسيم على اعتبار أنه ليس هناك أثر قانوني لتقسيم الحريات إلى مضامين معنوية ومادية كما أن بعض الحريات لها مضمون مادي ومعنوي في آن واحد مثل حق الأمن.
 
"
أقر الدستور وضع قوانين للأحوال الشخصية ستكرس المذهبية وتزيد مشاكل الجهاز الإداري وأعباء ميزانية الدولة
"
الحقوق الاجتماعية
إن الحقوق الاجتماعية والحريات العامة ليست حقوقاً فردية، ولا تفرض على الدول التزامات إيجابية وإنما تفرض عليها مجرد الامتناع عن التدخل في هذه الحقوق، وهي حقوق تقرر للأفراد بوصفهم جماعة في منظمة وتتضمن التزامات إيجابية على عاتق الدولة اتجاه الأفراد لا مجرد التزامات سلبية بالحماية والتنظيم بعدم التدخل فحسب.
 
أما المواد التي أود التعليق عليها في هذا الباب بالحقوق والحريات العامة فهي كما يلي:
  • المادة 18: العراقي هو كل من ولد لأم عراقية ولأب عراقي.

إن هذه المادة ستخلق مشاكل ولاء ومشاكل تجسس ومشاكل أخلاقية  لأنك لا تستطيع أن تضمن ولاء الأب الأجنبي للطفل للعراق وكان من المفترض أن يكون ابن العراقية عراقيا لا بقوة القانون ليتساوى مع رئيس الجمهورية أو غيره من العراقيين وإنما عراقيا بالتجنس بعد أن يبلغ السن القانونية.

  • المادة 18 الفقرة الأولى: هذه المادة تعطي الإسرائليين الذين ولدوا بالعراق حق استعادة الجنسية العراقية.
  • المادة 28 الفقرة الأولى: لا تفرض الضرائب والرسوم ولا تعدل ولا تجبى ولا يعفى منها إلا بقانون، وهنا نؤشر:
      1.  لا داعي لذكر جباية الضرائب إلا بقانون لأنها تحصيل حاصل من فرض الضريبة.
      2.  الرسوم لا تحتاج إلى قانون بل تفرض بقرار أو لائحة بناء على قانون.
  • المادة 35: يحرم العمل القسري وتجارة العبيد، إذ لا توجد في العراق مشكلة تجارة العبيد لتعالجها هذه المادة لكني أعتقد أنها نقلت من الدستور الأميركي، وكان يمكن الاكتفاء بالإشارة إلى المواثيق الدولية التي حرمت مثل هذا النشاط.
  • المادة 23(3ب): يحظر التملك لأغراض التغيير السكاني، ستبيح للأقليات التملك في بغداد وغيرها وتمنع العرب من التملك في المناطق الكردية.
  • المادة 25 والمادة 26: تحول الاقتصاد العراقي من القطاع العام إلى القطاع الخاص والنظام الرأسمالي، وتدخل الشركات العابرة للقارات باستثماراتها لتهيمن على الاقتصاد العراقي.
  • المادة 29 (ب) تجعل مسؤولية حماية الشيخوخة على الدولة  ولكن الفقرة ثانيا تجعل المسؤولية على الأولاد وهو تناقض واضح.
  • المادة 34 (رابعا) يخشى أن تتحول المدارس الخاصة والأهلية إذا فتحت الأبواب على مصاريعها إلى مرتع للتجسس والنشاط المعادي للعراق والثقافة الوطنية العراقية.
  • المادة 39 ستلغي قانون الأحوال الشخصية العراقي الذي يقر جميع الفقهاء بتطوره، وستخلق محاكم شرعية ومحاكم استئناف مذهبية ستكون عبئا على الجهاز الإداري وعلى ميزانية الدولة.
إضافة إلى القيود التي تحد من حقوق المرأة وتعقيد قضايا الزواج والطلاق والإرث والوصية، وهو ما يعاني منه اللبنانيون الذين يمنع الوضع القانون اللبناني زواج بعضهم من بعض فيذهبون إلى قبرص ليتزوجوا زواجا مدنيا.
  • المادة 41 تقسم الأوقاف مذهبيا وفيها تفصيل لا داعي له  والأولى هو ضمان الدولة لحرية المواطنين في ممارسة الشعائر الدينية.
  • المادة 42 تتضمن حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه ولكنها لا تتضمن حق العمل داخل العراق.
  • المادة 43 مؤسسات المجتمع المدني في شكلها ودورها الإيجابي  مرحب بها لكن الخطورة تكمن في ارتباطها بالمؤسسات الأجنبية وإمكانية دعمها من الخارج، وهو ما يحول هدفها النبيل إلى أهداف مشبوهة خاصة أن المادة تؤكد استقلالية هذه المؤسسات،  وأن قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في المادة 21 ينص على حق منظمات المجتمع المدني في التعاون مع منظمات المجتمع الدولي.


_______________
باحث وسياسي عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة