حزب العمل في مصر.. صعوبات الممارسة الديمقراطية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:40 (مكة المكرمة)، 16:40 (غرينتش)

هاني لبيب

مدخل: مواصفات الحزب الديمقراطي
جذور حزب العمل وبدايته الحديثة
أسباب تعثر الممارسة الديمقراطية

مدخل: مواصفات الحزب الديمقراطي

لا شك أن الديمقراطية أصبحت من المطالب الرئيسية وعلى أولويات الأجندة السياسية العربية في الفترة الأخيرة . ورغم الاتفاق على الديمقراطية كمفهوم بوجه عام، فإن آليات تنفيذها بوجه خاص تتباين بين أطروحات عديدة ومتنوعة.

كما أن الحديث عن الديمقراطية يرتكز أساساً على أنظمة الحكم، ولا يتطرق بالأهمية نفسها إلى منظمات ومؤسسات المجتمع المتعددة.

على هذا النحو، تهتم هذه الشهادة بمناقشة قضية الديمقراطية والأحزاب العربية (نموذج حزب العمل المصري) في المقام الأول. وقد آثرنا –بالطبع– التركيز على أسباب تعثر الممارسة الديمقراطية داخل هذا الحزب.. مروراً بمحددات أخرى.. لنصل إلى توصيف المشهد الحزبي العام وعلاقته بالسلطة.

وقبل أن نتطرق إلى نموذج حزب العمل.. لابد أن نؤكد على أن تأثير النظام الحزبي على الديمقراطية في الأحزاب المعاصرة يتحدد في (1):

  1. العلاقة الطردية بين رسوخ النظام الحزبي واستقراره، وبين توافر الديمقراطية داخل الحزب.
  2. العلاقة بين طبيعة النظام الانتخابي المعمول به في إطار النظام الحزبي، وبين العلاقة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية.
  3. العلاقات بين نظام الأحزاب المتعددة، وتأثيرها على الديمقراطية داخل هذه الأحزاب.

هذه العناصر يترتب عليها تحديد مؤشرات دراسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية على النحو التالي (2):


أولا: بالنسبة للمؤشر الخاص بنمط توزيع السلطة والاختصاص في الأحزاب سوف تركز المقالة على:

  • البناء التنظيمي للأحزاب السياسية.
  • عملية صنع القرار الحزبي.

ثانيا: أما فيما يتعلق بالمؤشر الخاص بالعلاقة بين النخبة والأعضاء في الأحزاب فسوف تتم دراسته من خلال:

  • الأطر المؤسسية لمشاركة الأعضاء.
  • استيعاب عناصر جديدة داخل النخبة.

ثالثا: المؤشر الخاص بأنماط التفاعلات داخل النخبة الحزبية، وستتعرض المقالة إلى:

  • الصراع على النفوذ داخل النخبة الحزبية.
  • الخلاف حول قضايا سياسية وفكرية.

جذور حزب العمل وبدايته الحديثة

إبراهيم شكري
علي هذا النحو، نعود قليلاً –بإيجاز– إلى النشأة التاريخية للحزب عام 1978 حينما ضاق الرئيس الراحل أنور السادات ذرعاً بأحزاب المعارضة الثلاثة (التجمع والوفد والأحرار) التي نشأت في بداية التعددية الحزبية، وقرر النزول إلي الشارع السياسي وتشكيل حزب خاص به، معلناً بذلك وفاة حزب مصر العربي الاشتراكي الذي كان يتولى رئاسته رئيس الوزراء الأسبق ممدوح سالم. كما أعلن بعد ذلك بتشجيع قيام حزب يقود المعارضة الصحيحة، وبأنه لا مانع لديه كرئيس دولة من قيام حزب معارض من داخل النظام.. حيث استقر على إبراهيم شكري، وكلفه بتشكيل هذا الحزب الجديد.


وكان قانون الأحزاب يشترط لقيام أي حزب جديد انضمام عشرين نائباً من مجلس الشعب إلى عضويته، وأن يتقدم الجميع بطلب التأسيس إلي اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، وليس أمام اللجنة في هذه الحالة غير أن توافق.


وتشكل الحزب بالفعل، وكان علي رأسه محمود أبو وافية (زوج شقيقة جيهان قرينة الرئيس أنور السادات)، وصدر الترخيص بإعلان قيام حزب العمل الاشتراكي الذي انضم إليه آنذاك عدد من المناضلين الأشداء علي سبيل المثال: ممدوح قناوي والراحلون محمود القاضي وحلمي مراد وأحمد مجاهد، وغيرهم.

وفي وسط هؤلاء المناضلين لم يستطع محمود أبو وافية السيطرة علي الحزب وترويضه كما أراد الرئيس السادات، فاستقال ثم توفي بعدها بقليل.


وقد تعرض الحزب في انتخابات عام 1979 لهزيمة ساحقة ومدبرة، ولم يفز إبراهيم شكري بعضوية مجلس الشعب المصري، كما ضاعت منه فرصة قيادة المعارضة البرلمانية في انتخابات عام 1984 التي فاز بها حينذاك تحالف حزب الوفد مع الإخوان المسلمين.

وتحول مجلس الشعب آنذاك إلي مصدر توتر وإزعاج للحكومة، ولهذا حرضت علي حله بتشجيعها لأحد المحامين بتصعيد الأمر ورفعه إلي المحكمة الدستورية العليا. وأسهمت في تقديم الأدلة علي عدم شرعيته وأهليته.. إلي أن صدر قرار الحل بالفعل عام 1987، وهكذا بدأ الإعداد لانتخابات برلمانية جديدة.

أسباب تعثر الممارسة الديمقراطية

أولا: الأسباب الداخلية

عادل حسين

أ- التغير في عقيدة الحزب
بدأ الاستعداد داخل حزب العمل لذلك، وبدأت لجان المؤتمر العام واللجنة التنفيذية تعقد اجتماعاتها لمناقشة ما يلي: سُبل دخول مجلس الشعب، وشكل التحالف مع القوى والأحزاب السياسية الأخرى سواء الرسمية (التجمع والأحرار والناصري) أو التي لم تحصل على شرعيتها (جماعة الإخوان المسلمين).


وقد تواكب مع هذه الأحداث، سفر حامد زيدان رئيس تحرير صحيفة الشعب التي يصدرها حزب العمل إلى دولة خليجية للعمل بها، فتولى عادل حسين رئاسة التحرير وأصبح بحكم موقعه عضوا باللجنة التنفيذية العليا للحزب. وهي مرحلة تحول هامة في توجهات الحزب من جانب، وفي توجهات صحيفة الحزب من جانب آخر.


وقد ظهر هذا التحول في حرص عادل حسين واهتمامه على فتح عدة قنوات اتصال مع جماعة الإخوان المسلمين. وبالفعل تم عقد اجتماع في مكتب إبراهيم شكري حضره عن حزب العمل كل من إبراهيم شكري وعادل حسين وأحمد مجاهد وممدوح قناوي وجمال أسعد، وحضر عن جماعة الإخوان المسلمين كل من مصطفى مشهور ومحمد المأمون الهضيبي... حيث تم الاتفاق على:

  • التحالف بين كل من حزبي العمل والأحرار وجماعة الإخوان المسلمين.
  • أن يتم التحالف على أساس 40% للعمل، و40% للإخوان، و20% للأحرار.
  • هذا التحالف إسلامي له برنامج موحد يشمل عشر نقاط.

ونتيجة لهذا التغيير الذي طرأ في المؤتمر العام لحزب العمل قبيل انتخابات عام 1987 تم طرح برنامج له صبغة إسلامية، ويرفع الشعار الانتخابي (الإسلام هو الحل).

وقد نتج عن هذا التحالف استقالة العديد من الرموز والقيادات الحزبية منها على سبيل المثال أبو الفضل الجيزاوي وممدوح قناوي وإبراهيم العزازي.


وعلى الرغم من هذا التحالف، فإنه سرعان ما حدث أول صدام بين حزب العمل وجماعة الإخوان المسلمين عندما قرر حزب العمل أن يكون جمال أسعد (المسيحي) على رأس القائمة الانتخابية لمحافظة أسيوط في صعيد مصر.


وبعد صراع مرير بين الحزب والجماعة تم الاتفاق على أن يتم ترشيح الدكتور محمد السيد حبيب مرشح الجماعة على المقعد الفردي، بينما يتم ترشيح جمال أسعد على رأس قائمة أسيوط.

وفي هذا السياق نذكر الدور التاريخي والسياسي الذي قام به عادل حسين مع حامد أبو النصر (المرشد العام الراحل لجماعة الإخوان حينذاك) قبل الانتخابات بعدة ساعات حيث أصدر المرشد بياناً يدعو فيه جماعته لانتخاب جمال أسعد.


وتتوالى السنوات إلى أن جاء الاستعداد الخاص بانتخابات المؤتمر العام لحزب العمل عام 1989 والتي ظهر فيها بشدة أن هناك صراعا وتنافسا بين الاتجاه الاشتراكي والإسلامي، وهو الصراع الذي حُسم بصعود الاتجاه الإسلامي وسقوط الاشتراكي بعد إنهاء أعمال المؤتمر وإعلان نتيجة الانتخابات صباح الجمعة، وذلك قبل الانتهاء من جدول أعمال المؤتمر الذي بدأ الخميس صباحاً وكان مقررا أن يستغرق يومين.


على هذا النحو اجتمع الأعضاء ذوو الاتجاه الاشتراكي بعد سقوطه في مكتب أحمد مجاهد (نائب رئيس الحزب)، وقرروا عقد مؤتمر جديد يوم 10 مارس عام 1989. وهو ما أسفر عن لجنة تنفيذية ثانية وجديدة، تولى فيها أحمد مجاهد رئاسة الحزب وجمال أسعد نائباً له، وهو ما أثار الكثير من الخلط فيما بعد بين قيادات حزب العمل وقيادات الإخوان في الهيكل التنظيمي للحزب (3).



أعيد تشكيل حزب العمل بنسق فكري وسياسي مختلف عما سبق وبكوادر وبقيادات حزبية جديدة تمثلت في تركيبة حزب العمل الفريدة بداية من الناصريين والشيوعيين ومروراً بالقوميين وصولاً إلى الإسلاميين بمختلف توجهاتهم للانصهار في بوتقة مشروع "الإسلام الحضاري" الذي يُُُمثل بشكل أو بآخر المشروع الفكري لعادل حسين نفسه

وتم الإعلاء من درجة هذا الانشقاق إعلامياً وسياسياً سواء من خلال التدعيم الحكومي لهذا الانشقاق عبر اللقاءات التي جمعت بين المنشقين وبين رئيس مجلس الشعب ووزير الداخلية حينذاك، أو من خلال إصدار صحيفة جديدة باسم الحزب لإضعافه أمام المجتمع والرأي العام (4).


و نؤكد مرة ثانية على الدور الذي قام به عادل حسين -في ظل كل هذه الأحداث- بعد تعديله لمنهجه الفكري من الماركسية إلى الإسلام على المستويين الفكري والتنظيمي في إعادة تشكيل حزب العمل بنسق فكري وسياسي مختلف عما سبق، وبكوادر وبقيادات حزبية جديدة تمثلت في تركيبة حزب العمل الفريدة، بداية من الناصريين والشيوعيين، ومروراً بالقوميين، وصولاً إلى الإسلاميين بمختلف توجهاتهم، للانصهار في بوتقة مشروع "الإسلام الحضاري " الذي يُُُمثل بشكل أو بآخر المشروع الفكري لعادل حسين نفسه.


وعلى الرغم من أن صحيفة "الشعب" التي رأس تحريرها عادل حسين قبل أن يتولى منصب الأمين العام لحزب العمل قد تناولت أقباط مصر بشكل سيئ، فإن عادل حسين سرعان ما تدارك ذلك الأمر من خلال الحوار الفكري الذي قام به مع العديد من رموز أقباط مصر، وعلى سبيل المثال لا الحصر جمال أسعد. و هو ما جعله يستطيع أن يكتسب ثقة العديد من رموز الأقباط فيما بعد لينضموا للحزب ولجنته التنفيذية ككوادر حزبية لها مكانتها السياسية والفكرية.


وهنا لابد أن نذكر بديهية، وهي أن عادل حسين قد استطاع من خلال قدراته الحزبية وخبراته السياسية أن يسيطر على كافة مقاليد حزب العمل بسهولة شديدة وبالتالي قدرته على إنجاح مؤيديه وإسقاط معارضيه وما ترتب على ذلك من تحييده لإبراهيم شكري (رئيس الحزب) في الصراع بينه وبين أحمد (نجل شكري).

ملاحظات حول المؤتمر العام السابع 1999
ويُمكننا أن نرصد هنا بعض الملاحظات الهامة حول المؤتمر العام السابع لحزب العمل والذي عقد يومي 15 و16 أبريل 1999 (5)، لما يحمله من دلالات هامة من جانب ولكونه المؤتمر الأخير للحزب قبل التجميد من جانب آخر، وهي كالتالي:

  • التأكيد علي وجود عدد كبير من عناصر الشباب داخل اللجنة التنفيذية للحزب وقواعده.
  • التأكيد علي التمثيل المناسب للمرأة، وهو ما تأكد من خلال وجود كل من أسمهان شكري ونجلاء القليوبي وإيمان جعفر.
  • دخول ثلاثة من الأقباط –للمرة الأولي– كأعضاء للجنة التنفيذية، وهم جمال أسعد وجورج إسحق وهانى لبيب.
  • ظهور تنوع كبير بين أعضاء اللجنة على كل من المستويين الفكري والسياسي ليكونوا تياراً متجانساً إلى حد ما في قسماته العامة.

ب- الصراعات الداخلية
مجدي أحمد حسين
أما عن أزمة حزب العمل التي تحدث عنها الكثيرون، فهي –كما نعتقد- الأزمة التي بدأت قبل رحيل الأمين العام للحزب عادل حسين، وتفاقمت بعد رحيله (6)، ثم انتخاب مجدي أحمد حسين خلفاً له (7) وفوزه بدون منافسين، وهو ما دعا نجل إبراهيم شكري إلي الزعم بعدم قانونية هذا الانتخاب لأنه لم يُبلغ لمجلس الشورى لاعتماده (8).


ومنذ البداية أبدى مجدي حسين عقب توليه أمانة الحزب استعداده لفتح قنوات للحوار مع الحكومة بشأن مستقبل الحزب المجمد، غير أنه رفض المساومة على المواقف الفكرية والإسلامية للحزب (9).


وفي إجراء مفاجئ –كما وصفه البعض– لحسم النزاع المتفاقم داخل الحزب، قرر إبراهيم شكري تعيين حامد زيدان رئيساً لتحرير صحيفة الشعب خلفاً لمجدي
حسين الذي تولي منصب الأمين العام للحزب، وذلك علي اعتبار أن حامد زيدان كان أول من تولى منصب رئاسة تحرير صحيفة الحزب حينما بدأ الحزب نشاطه الرسمي تحت اسم حزب العمل الاشتراكي (10) مما أدى إلي المزيد من الانشقاق والتصدع بعد تفسير البعض لهذا القرار بأنه (صفقة حكومية)، وهو ما نفاه إبراهيم شكري بشدة (11). وبرر قراره بأنه بصدد إجراء تغيير في الصحيفة، ومن غير المنطقي أن يأتي بالشخص (المقصود هو طلعت رميح) الذي كان هو ذاته مسؤولاً عن جزء كبير من أخطاء كان من الممكن ألا تقع فيها الصحيفة والحزب (12).


وسارعت الجبهة المضادة لقرار تعين حامد زيدان رئيساً للتحرير بدعوة اللجنة التنفيذية (13) لاجتماع عاجل (14) حضره 22 من إجمالي 55 عضواً. وتم اتخاذ قرار بتعين محفوظ عزام نائباً لرئيس الحزب وتعين طلعت رميح رئيساً للتحرير. وهو ما اعتبره طلعت مسلم عصياناً لقرارات رئيس الحزب، فقرر -نيابة عن رئيس الحزب الذي كان حينذاك خارج محافظة القاهرة– إعفاء مجدي حسين ومعه عشرة من القيادات من مناصبهم الحزبية، وإحالتهم للتحقيق الحزبي وهم مجدي حسين ومحفوظ عزام وعبد الحميد بركات ومجدي قرقر ومحمد السخاوي وطلعت رميح ونجلاء القليوبي وعمر عزام ومحمد بدر وعامر عبد المنعم ورضا البيطار.


وهو الاجتماع نفسه الذي طالب فيه أحد صحفيي الشعب من أعضاء اللجنة التنفيذية بعزل إبراهيم شكري للحفاظ عليه من تشويه صورته واستغلاله.


وبعد عودة شكري إلي القاهرة قام بعقد لقاء في منزله بالجيزة مع مجدي حسين وعدد من قيادات الحزب منهم عبد الحميد بركات وأحمد المهدي ومجدي قرقر ومحمد السخاوي. واتفقوا في هذا الاجتماع على دعوة اللجنة التنفيذية والاحتكام إليها في جميع القضايا التي تسببت في اندلاع الأزمة الأخيرة، بالإضافة إلى وقف جميع الحملات الإعلامية المتبادلة (15).


ثم فاجأ إبراهيم شكري (رئيس الحزب ورئيس مجلس إدارة صحيفة الشعب) الجميع بخطاب (16) وجهه إلى كل من د. مصطفي كمال حلمي (رئيس المجلس الأعلى للصحافة) وإبراهيم نافع (نقيب الصحفيين) ينفي فيه الصفة الرسمية الحزبية لما ينشر علي موقع صحيفة الشعب علي الإنترنت، ويطالبهما باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.


وكنهاية لهذا المشهد السياسي من الصراع داخل الحزب وبعد عدة لقاءات مصغرة، تم عقد لقاء خاص ومغلق للجنة التنفيذية توصلوا في نهايته إلي صيغة تفاهم كحل وسط لاختيار كل من حامد زيدان وطلعت رميح في منصب رئيس تحرير صحيفة الشعب (17) وذلك بعد رفض شكري اختيار رميح وتصميمه على زيدان بل وتهديده بالانصراف وترك الاجتماع، وبعد محاولات مجدي حسين إقناع شكري بالاكتفاء بوضع عبارة (صدرت برئاسة تحرير حامد زيدان) على صدر الصحيفة(18).


طلعت مسلم
كما ألغى إبراهيم شكري في هذا الاجتماع القرار السابق
(19) الذي اتخذه طلعت مسلم نيابة عنه بإعفاء عشرة من قيادات الحزب.


علي هذا النحو توالت الأزمات علي الحزب –بوجه خاص – بعد القرار الغريب بل والعجيب للمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة بإلغاء قرار لجنة شؤون الأحزاب السياسية بالاعتراض علي تأسيس حزب الجيل الديمقراطي. ووافقت علي تأسيس الحزب وبدء ممارسة عمله السياسي وهو الحزب الذي يرأسه ناجي الشهابي أحد المتصارعين علي رئاسة حزب العمل (المجمد) مع إبراهيم شكري (20). وهو قرار لا يخلو من فعل (الصدمة) لما يحمله من معان ودلالات على الحياة السياسية في مصر، خاصة إذا عرفنا أن عدداً من أعضاء حزب العمل الذين انشقوا عليه في السنوات الأخيرة هم أنفسهم من مؤسسي الحزب الجديد.

نستخلص من كل ما سبق أن الأزمة الكبيرة التي عرقلت الممارسة الديمقراطية داخل حزب العمل وخارجه تمثلت في التصارع والتناحر على رئاسة الحزب رغم عدم الأهلية، وهو ما جعل هؤلاء يخفقون بسرعة كبيرة لكن بعد أن أثاروا الكثير من الصخب.


ثانيا: الأسباب الخارجية
أ- موقف الحكومة من الحزب
حيدر حيدر
أما الأزمة الخارجية فهي التي تفاقمت بسبب رواية "وليمة لأعشاب البحر" لكاتبها السوري حيدر حيدر. هذه الأزمة التي تلقفها النظام السياسي في مصر ضد حزب العمل، حيث دعم –بشكل أو بآخر– الانشقاقات الفردية. ثم وجه للحزب الضربة القاصمة من خلال وقف إصدار صحيفته وتجميد نشاطه، بالإضافة إلي تصعيد المنشقين إلي درجة المنافسين. وهو ما ترتب عليه تهميش حزب العمل من على الساحة السياسية المصرية، وإظهاره مع منطق التكفير وضد العقلانية خاصة في ظل الإعداد لانتخابات مجلس الشعب حينذاك، وهو ما يعني –أيضاً– بشكل مباشر موقف النظام السياسي من كافة التيارات الإسلامية التي يضمها حزب العمل تحت برنامجه.


في البداية قامت صحيفة "الأسبوع" القاهرية بالتنديد بشكل موضوعي بالرواية، وأظهرت مدى ازدرائها للأديان وخدشها للحياء ولم ينتبه أحد لذلك.


أما ما حدث مع حزب العمل فإنه في يوم 28 أبريل سنة 2000 حينما نشرت صحيفة الشعب مقالا بعنوان "من يبايعني علي الموت" لطبيب يُحسب على التيار الإسلامي، كان عبارة عن منشور تحريضي علي القتل بعد أن أخرج الجميع من الملة والدين بسبب رواية وليمة لأعشاب البحر، وتبعه بعد ذلك بسلسلة من المقالات يُكفر فيها مجموعة من الكتاب والشعراء مما أثار طلاب جامعة الأزهر فاندلعت التظاهرات (21).

والطريف أن الرواية التي هاجمها قد نشرت منذ ما يزيد علي عقدين من الزمن، غير أنه قد عثر فيها على ثلاث أو أربع جمل يتفوه بها أحد شخوص الرواية حيث فهم أنها تحتوي على تعد على الله والرسول والقرآن. واستغل هذا الفهم في كتابة مانشتات ضخمة نشرتها صحيفة الشعب مثل "إلى شعب مصر أغضب في الله) داعيا الرئيس المصري وشيخ الأزهر والمفتي إلى إقامة الحد علي من وصفتهم بـ "الفاجر ابن الفاجر، والفاسق ابن الفاسق، والكافر ابن الكفار مؤلفاً وناشراً ووزارة".


وهو ما يظهر أن اجتزاء بعض العبارات من سياقها ووضعها في عناوين ضخمة لقارئ عام تحريض على الترويع والقتل، وهو ما وصل إلى ذروته في مانشتات صحيفة الشعب ليومي الثلاثاء 2 مايو والجمعة 5 مايو سنة 2000.


وما لا شك فيه أن تلك قضية شائكة ينبغي التعامل معها بمنتهى الحذر، بحيث تتضح فيها الخطوط الفاصلة بين حماية النظام العام والآداب وبين مصادرة حرية التعبير والإبداع. ويظل التحدي الحقيقي متمثلاً في الكيفية التي يمكن بها احترام ثوابت المجتمع وقيمه الأساسية وبين احترام الحق في التعبير والإبداع.


إن حرية التعبير لا تمارس في فراغ وإنما تتعامل مع واقع اجتماعي معين لابد من احترام قيمه الأساسية. وحينما نسترجع ما حدث نلحظ أن الصدام بين الإسلاميين والتيارات السياسية الأخرى عاد إلي الظهور علي السطح بشكل حاد. فأغلبية احتشدت كمؤيدين لموقف الرواية وصاحبها باسم الدفاع عن حرية الإبداع، وأغلبية الإسلاميين كانوا في المعسكر المضاد، الأمر الذي بدا كاشفاً لحقيقة تتمثل في عجز النخبة عن الاتفاق علي طبيعة ثوابت المجتمع وحدود خطوطه الحمراء التي يتعين الوقوف عندها.
______________
كاتب مصري

للتعليق والتعقيب اضغط هنا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة