11 سبتمبر وانعكاساتها على سوريا ولبنان   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:23 (مكة المكرمة)، 16:23 (غرينتش)

*إعداد: شفيق شقير

تركت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول آثارها على الوضع العربي برمته، ولكن يبقى لسوريا أوضاعها الخاصة بسبب علاقتها التاريخية المأزومة مع الولايات المتحدة، فقد كانت تحسب على المعسكر السوفياتي عندما كان العالم منقسماً إلى معسكرين، وبدخولها حرب الخليج الثانية إلى جانب الحلفاء ومشاركتها في مؤتمر مدريد للسلام شهدت علاقاتها تطوراً إيجابياً إلى حد ما مع واشنطن، واستطاعت بتفاهمها مع واشنطن حسم ذيول الحرب الأهلية اللبنانية لصالح الفرقاء المؤيدين لسوريا وبهزيمة ميشيل عون المتحصن في وزارة الدفاع اللبنانية واستسلام أنصاره، غير أنه بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول زاد نفوذ وعدد الحانقين على سوريا ودورها في الشرق الأوسط ولا سيما المتعاطفين مع إسرائيل، وبالتالي تزايدت الضغوط عليها.

قانون محاسبة سوريا
ومؤخراً بدأت تحركات حثيثة في الكونغرس لجعل سوريا في المعسكر المقابل بعدما قسم بوش الابن العالم إلى معسكرين "مع الإرهاب" و"ضد الإرهاب"، فقد تقدم عدد من أعضاء الكونغرس بعرض مشروع قانون عرف بقانون محاسبة سوريا (Syria Accountability) ويتضمن فرض عقوبات عديدة على سوريا، وأهم أهدافه بحسب مقترحيه القضاء على الدعم السوري للإرهاب، بسبب إيوائها لحماس وحركة الجهاد الفلسطينيتين، ودعمها لحزب الله اللبناني وتحميل سوريا نتائج هجمات هذا الحزب على القوات الإسرائيلية المحتلة للجنوب اللبناني، وإيقاف تطويرها لأسلحة الدمار الشامل، وإيقاف استيرادها غير الشرعي للنفط العراقي، وانسحاب القوات السورية من لبنان أو بحسب عبارة القانون المقترح إنهاء احتلالها للبنان وأن تقوم الدولة اللبنانية بنشر الجيش في الجنوب.

مع التذكير بأن الولايات المتحدة كانت قد وضعت سوريا على لائحة الدول الداعمة للإرهاب منذ زمن طويل، ولكن أحداث سبتمبر/أيلول أخرجت كل الأوراق الأميركية فوق الطاولة ولم تقتصر على مرتكبي التفجيرات والجهة التي تؤويهم أي طالبان، فمازالت القائمة مفتوحة لتشمل عدداً غير محدد من الدول، وما قرع طبول الحرب على العراق إلا في هذا السياق.

سوريا ومحور الشر
وزير الدفاع الأميركي
دونالد رمسفيلد
رغم أن بوش لم يضع سوريا بين دول محور الشر في خطابه الشهير، ورغم التقارير الأوروبية والأميركية التي تحدثت عن التعاون السوري الاستخباراتي مع أميركا في ملاحقة عناصر القاعدة وبعض الجماعات الإسلامية، فإن وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد لم يتردد -أثناء تحذيره لروسيا من توسيع تعاونها التجاري مع بغداد- أن يصف سوريا بالدولة الإرهابية إلى جانب العراق وليبيا وكوبا وكوريا الشمالية.

فمن الواضح أن السياسة الأميركية تسير باتجاه تحجيم الدور السوري الذي يتعارض مع سياستها في الشرق الأوسط بسبب رفضه التسوية على أساس أوسلو وتمسكه بمرجعية القرارات الدولية ومؤتمر مدريد، وباتجاه إجبار سوريا على وقف هجمات حزب الله.. إلى آخر ما ذكره قانون المحاسبة المقترح وإن كان بصيغة معدلة وبما يتلاءم مع واقع الإدارة ودون قوانين يقيد بها الكونغرس قدرة إدارة الرئيس بوش على المناورة والمساومة. وواضح أيضاً أن ضرب العراق يحظى بالأولوية لدى الإدارة الأميركية في المرحلة الراهنة وأن أي تصعيد سياسي تجاه سوريا قد يؤجل، وبمثل هذا علق وزير الخارجية الأميركي كولن باول على مشروع القانون المذكورعندما وضع ملاحظاته عليه مذكراً بالمسألة العراقية.

الخاصرة اللبنانية

ما يحصل في لبنان من تجاذبات حول العلاقة مع سوريا قد خرج عن كونه حدثاً لبنانياً وأصبح وثيق الصلة فيما يسمى بالحرب على الإرهاب مع طرح قانون محاسبة سوريا

ومن جهة أخرى فإن الداخل اللبناني -وهو العمق الإستراتيجي لسوريا بكل المقاييس- يشهد مؤخراً حركة سياسية وإعلامية متصاعدة من بعض الأطراف المسيحية ضد الوجود السوري في لبنان. وفي المقابل خرج مجلس المفتين المسلمين بإعلان مؤيد لسوريا ومدافع عنها إلى جانب لقاءات ومهرجانات تضامنية معها، فضلاً عن تحذيرات عدد من المثقفين والسياسيين من خطورة استنساخ نموذج المعارضة العراقية في لبنان. ويتبدى المشهد اللبناني الداخلي عن انقسام إزاء الملف السوري، وتجلى هذا الانقسام في تجمعين أساسيين:

الأول: قرنة شهوان (تجمع سياسي سمي باسم المنطقة التي أعلن منها)، وهي تطالب بخروج القوات السورية من لبنان وتضم نواباً وقوى مسيحية يوصف بعضها بالاعتدال أمثال النائب نسيب لحود، ويوصف البعض الأخر بالتطرف أمثال الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل. وشارك بعض أعضاء قرنة شهوان في المؤتمر الماروني العالمي الذي عقد في لوس أنجلوس والذي طرحت فيه آراء حادة مناهضة للوجود السوري بقوة، ولم يتوان بعض المشاركين فيه عن إعلان تأييدهم لقانون محاسبة سوريا. وأعقب ذلك مهرجان في إنطلياس اللبنانية ألقيت فيه بعض الكلمات المناهضة لسوريا ووجه النائب الأميركي إليوت إنغل كلمة للمؤتمرين قال فيها إنه سيتابع العمل على استعادة السيادة اللبنانية والاستقلال السياسي وتمرير قانون محاسبة سوريا، مع الإشارة إلى أن إنغل هو عراب قانون محاسبة سوريا ومقترحه في الكونغرس. كما أن صحيفة النهار اللبنانية فتحت أحد الملحقات التي تصدرها للمثقفين السوريين لانتقاد النظام السوري على خلفية المحاكمات الأخيرة تحت عنوان "هل انتهى ربيع دمشق". مع الإشارة إلى أن العماد ميشيل عون من أبرز المؤيدين لقانون محاسبة سوريا وتوجه من منفاه الاختياري فرنسا إلى أميركا ليروج لهذا القانون، وبلغ تفاؤله أن صرح أن التغييرات الجذرية بعد العراق ستشمل سوريا ولبنان.

الثاني: اللقاء التشاوري الذي أنشئ مؤخراً بمبادرة 42 نائباً مسيحياً وأيد الوجود السوري في لبنان وأنه وجود حتمته ظروف داخلية وإقليمية وأنه حاجة مؤقتة ونتيجة لاتفاق الطائف ويخضع لأحكام وثيقة الوفاق الوطني. وتلتف حول هذا اللقاء الكتل الكبرى في البرلمان اللبناني التابعة لرئيس الوزراء رفيق الحريري ورئيس المجلس النيابي نبيه بري والزعيم وليد جنبلاط ويحظى أيضاً بدعم رئيس الجمهورية إميل لحود.

وعقد كذلك في بيروت مؤتمر وطني للتضامن مع سوريا حضره إضافة إلى وجوه لبنانية بارزة بعض الوجوه العربية محذرين من قانون محاسبة سوريا وأنه قانون الثأر من سوريا بحسب تعبير البعض.

ولا شك في أن ما يحصل في لبنان من تجاذبات حول العلاقة مع سوريا قد خرج عن كونه حدثاً لبنانياً وأصبح وثيق الصلة فيما يسمى بالحرب على الإرهاب مع طرح قانون محاسبة سوريا.

أحداث الضنية
تشير السلطات اللبنانية إلى حادثة الضنية -والتي شهدت في مطلع عام 2000 مواجهة بين الجيش اللبناني ومسلحين إسلاميين لبنانيين متشددين سنة كانوا يتخذون جرود الضنية معقلاً لهم- كشهادة تؤكد محاربتها للإرهاب من قبل أحداث سبتمبر/أيلول وأنها كانت السباقة في محاربته، وازداد الاهتمام الأميركي بهذا الملف بعد أحداث سبتمبر/أيلول لاعتقادها باحتمال وجود علاقة ما بين بعض المعتقلين وتنظيم القاعدة، خاصة وأن أحد منفذي هجمات سبتمبر/أيلول (زياد الجراح) هو لبناني.

ورغم المحاكمات التي بدأت لجماعة الضنية ولم تنته حتى الآن فإنه لم يعلن حتى الآن عن وجود أي رابط بين هذه الجماعة والقاعدة، ويعتبر مخيم عين الحلوة معقلاً لبعض فلول هذه الجماعة التي انتقلت من الضنية في شمال لبنان إلى داخل مخيم عين الحلوة في الجنوب حيث التحق بهم بعض المسلحين اللبنانيين الذين يعيشون في المخيم منذ مدة طويلة عقب المعارك التي وقعت بين الجيش السوري والقوى الإسلامية في طرابلس والشمال في الثمانينيات. ومع انفجار الوضع بين القوى الأمنية اللبنانية وهذه الجماعة إثر مقتل أحد العناصر الأمنية اللبنانية على يد أحد عناصر هذه المجموعة، عاد التدخل الأميركي عبر السفير الأميركي فانسنت باتل إلى واجهة الأحداث. ولم يبد لبنان أي ممانعة في التعاون مع الولايات المتحدة بشأن هذا الملف لأنه لا يلقى أي مضاعفات أو تجاذبات سياسية داخل الشأن اللبناني.

عماد مغنية
حزب الله

استطاع حزب الله بإرغامه إسرائيل على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، أن يقدم للعرب نموذجاً للعلاقة الناجحة بين إيران وسوريا ولبنان، وأن يقدم نموذجاً للحركة الإسلامية المعتدلة سياسياً التي تمتاز بذهنية براغماتية متقدمة قياساً إلى ما عرف عن بقية الحركات الإسلامية وبخاصة السنية منها، وقدمت أيضاً سوريا بذلك برهاناً على صحة خطها السياسي الممانع للضغوط الأميركية وبصحة مواقفها الإيجابية تجاه حزب الله، ولكنها في الوقت نفسه تتحمل نصيبا من المسؤولية السياسية عن هذا الحزب أكبر من النصيب الإيراني، أو على الأقل هو ما تحاول أن تصوره حكومة أرييل شارون ومن يؤيدها في واشنطن، وعلى هذه الخلفية تتكرر التهديدات الإسرائيلية بضرب دمشق رداً على عمليات حزب الله في مزارع شبعا المحتلة.

وقد وضعت أميركا حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية وتحمله مسؤولية تفجير مقر المشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983 وخطف واحتجاز العديد من الرهائن الأميركيين في الثمانينيات، وتقول بأن المتهم بأنه وراء هذه الأحداث هو عماد مغنية وأنه ينتمي لحزب الله، وهو أيضاً المتهم مع آخرين بخطف طائرة TWA عام 1985، في حين اعتبرت الدولة اللبنانية حزب الله حركة مقاومة، وهو ما تعلنه أغلب الفئات اللبنانية، ما خلا بعض المعارضين اللبنانيين وبخاصة في الخارج. وتصر سوريا على وطنية حزب الله وتعلن دعمها السياسي والمعنوي له، وتنفي أي دعم عسكري له، وهو ما لا تقتنع به الإدارة الأميركية، وكانت تحاول ضبط حزب الله أو عقد تفاهمات معه عبر الباب السوري مثل ما حصل بعد مجزرة قانا التي نفذتها إسرائيل في جنوب لبنان، حيث نشأ تفاهم أبريل/نيسان بين لبنان -رسمياً وحزب الله فعلياً- وإسرائيل بتوافق أميركي سوري وبمشاركة فرنسية، ويقضي بتحييد المدنيين اللبنانيين والإسرائيليين وأن لا يكونوا أهدافاً عسكرية.


رغم الصورة السورية المزعجة لأميركا فإنها تدرك أن سوريا وحدها القادرة على ضبط الوضع الأمني في الجنوب اللبناني والحفاظ على السلم الأهلي في لبنان، وأن أي انفلات سيعود بالمنطقة برمتها إلى الفوضى، وسيعيد لبنان مجدداً مركزاً لكل القوى المسلحة وبخاصة الفلسطينية منها

فحزب الله هو الثغرة الثانية التي قد تؤتى منها سوريا، فتمتع حزب الله بحرية الحركة في جنوب لبنان وعدم نشر الجيش اللبناني في الجنوب سيبقى مدخلاً مناسباً لتجييش الإدارة الأميركية ضد سوريا من قبل الحانقين عليها، وعلى سبيل المثال يمكن أن تتحول قضية عماد مغنية -إذا توفر الدافع الأميركي- إلى قضية بن لادن ثانية لتفتح سلسلة جديدة من سلاسل الحرب على الإرهاب، أو أن يعاد فتح كتاب الثأر الأميركي لأيامه الخالية في لبنان والتي عبر عنها مساعد وزير الخارجية الأميركي ريتشارد أرميتاج بقوله عن حزب الله "إنه مدين لنا بالدم ولن ننسى ذلك الدين".

ولكن رغم الصورة السورية المزعجة لأميركا فإنها تدرك أن سوريا وحدها القادرة على ضبط الوضع الأمني في الجنوب اللبناني والحفاظ على السلم الأهلي في لبنان، وأن أي انفلات سيعود بالمنطقة برمتها إلى الفوضى، وسيعيد لبنان مجدداً مركزاً لكل القوى المسلحة وبخاصة الفلسطينية منها، هذا فضلاً عن دور سوريا في عملية السلام وأهميته. ولعل هذه المعادلة كانت أساساً في حماية سوريا من مضاعفات الحملة الأميركية على الإرهاب، تلك الحملة التي شملت أقرب الأصدقاء العرب لأميركا، ولكنها لم تصل سوريا إلا مؤخرا مع قانون المحاسبة السابق الذكر والذي لن يجد طريقه لأن المعادلة التي نشأ على أساسها الموقف السوري والوجود السوري في لبنان ما زالت سارية.
ـــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت
المصادر:
1- syria accountability
2- ملحق النهار (هل انتهى ربيع دمشق) الأحد 25 أغسطس 2002
3- وجهات نظر، عدد أغسطس 2000، حزب الله لطلال سلمان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة