تداعيات وأبعاد الاستهداف الأميركي لسوريا على الاجتماع العربي   
الجمعة 1426/2/15 هـ - الموافق 25/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)

 

علي نصار

تسارع التدهور في العلاقات السورية-الأميركية بعد حادث الاغتيال الغامض لرئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، وينذر هذا التدهور بتحولات مصيرية في نطاق الاجتماع والجغرافيا السياسية العربية. كما ينطوي أيضا على احتمال حدوث تغيير جذري في بنية النظام الإقليمي العربي، وفي ديناميات الصراع العربي الصهيوني.

تداعيات الاستهداف على الطبقة الوسطى
النظام الإقليمي عربي أم شرق أوسطي؟
تداعيات الاستهداف على المشرق العربي

تداعيات الاستهداف على الطبقة الوسطى

من الواضح أن هدف الضغوط الدبلوماسية السياسية الكثيفة على سوريا ولبنان تتعدى مطلب سحب القوات السورية من لبنان.

"
الديمقراطية الأميركية التي ستطرق باب كل نظام عربي تعني قيام الأميركيين بإعادة تشكيل الاجتماع السياسي العربي، ولكن من دون "مشروع مارشال" ومن دون تقسيم دولي للعمل، يكفل تنمية المجتمعات العربية

"

إزالة البوابة السورية
وطبقا لخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش في 8 مارس/آذار فإن هدف الضغط الأميركي الراهن على سوريا يتوخى إنجاح "الديمقراطية في لبنان"، كما يريد أن "تطرق الديمقراطية أيضاً باب كل نظام عربي في المنطقة".

وهذا الهدف الذي يشكل جوهر العولمة السياسية الأميركية، يوضح أن الأزمة السورية-الأميركية الراهنة، هي مجرد مفتاح للبدء بنشر الديمقراطية الأميركية "في المنطقة"، حيث يفترض الأميركيون أن رضوخ أو انهيار سوريا ولبنان سيعجل في تكييف واستتباع الاجتماع العربي.

و"الديمقراطية" الأميركية التي سوف "تطرق ... باب كل نظام عربي"، تعني قيام الأميركيين أنفسهم ومباشرة بعملية إعادة تشكيل الاجتماع السياسي العربي، على غرار ما جرى بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا الغربية واليابان، ولكن من دون "مشروع مارشال" ومن دون تقسيم دولي للعمل، يكفل تنمية المجتمعات العربية.

ضمن هذا السياق لا بد أن نلاحظ أن فتح أو إزالة "البوابة السورية" كمدخل لتحقيق وعد بوش بـ"الديمقراطية" في الدول العربية، يؤكد أن استكمال العولمة السياسية في هذه الدول، لا يزال مشروطا بتفكيك بقايا "الطبقة الوسطى" العربية ومنع احتمالات تكونها.

فهذه "الطبقة" التي لطالما شكلت حاضنة المشاريع التحديثية القومية والإسلامية المتمردة على الغرب وإسرائيل، أضحت -منذ أمد بعيد- عرضة لضروب متنوعة من أدوات العولمة السياسية والعسكرية.

وفيما خص سوريا -وبدرجة أقل لبنان- فإن سياسات الدعم الزراعي والاجتماعي التي يطبقها النظام السوري لحماية الفلاحين والعمال والأجراء لا تستجيب لشروط العولمة، كما تخالف الهدف الأميركي في إفقار "الطبقة الوسطى" العربية وإذلالها.

ولذلك، فإن الضغط الأميركي لإجبار سوريا على التراجع الإقليمي في لبنان والعراق وفلسطين، يؤاتي مصالح قوى العولمة الاقتصادية والسياسية.

استئصال الطبقة الوسطى
إن استئصال مقاومة "الطبقة الوسطى" في أصلب قلاعها العربية: سوريا ولبنان، سيقود إلى المزيد من الاضطراب السياسي والاجتماعي في الدول العربية.

وهذا الاضطراب يسهل على "المصلح الأميركي" احتواء قطاعات واسعة من هذه الطبقة بواسطة تأثير وسائل الإعلام المتنوعة "méditisation"، بالإضافة إلى "تفكيك القيم" عبر نشر الإباحية وإشاعة أدواتها "sexualisation" مثل بعض عروض الأزياء وأنواع معينة من الإعلان وضروب الترفيه وغيرها.

في هذا السياق، لن يستثني الهجوم "الديمقراطي" الأميركي تيار التحديث أو الإصلاح الديني العربي، لا سيما بعدما تبلور واتسع نطاق تأثيره الاجتماعي والسياسي، بتكريس ظاهرة المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين والعراق.

وسوف تؤدي نهاية أو وقف المقاومة السورية-اللبنانية لموجات العولمة السياسية والعسكرية إلى تحويل الدين الإسلامي الحنيف إلى مجرد "دين محلي".

فالديمقراطية الأميركية واستدخال الإصلاح السياسي إلى المجتمعات العربية، عبر تحطيم أو إقفال "البوابة" السورية اللبنانية، تضعف تيار الإصلاح الإسلامي العربي، بأن تجرده من ركائزه الاجتماعية والسياسية في المدن والأرياف العربية.

وبسبب هذا الإضعاف، تتسارع عملية نزع الطابع "العالمي" للإسلام، خاصة في الأرض المباركة حيث المركز الروحي للمسلمين في العالم.

وإضعاف الحلقة السورية اللبنانية يعزز طاقة الولايات المتحدة وإسرائيل على المضي في عملية تكييف النخب العربية، عبر "خلق" أنماط من الوعي العربي "تقطع" جذريا مع الماضي الوطني والقومي، تارة بحجة الأصولية الإرهابية، وطورا بحجة الفاشية القومية.



وذلك، بدلا من نشوء أنماط من التفكير والوعي والممارسة الاجتماعية العربية التي تشكل امتدادا متطورا للماضي العربي.

النظام الإقليمي عربي أم شرق أوسطي؟

"
إن قدرات التقسيمات الجغرافية العربية لا زالت تتراجع منذ خروج مصر من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وتوقيع اتفاقية كامب ديفد في عام 1979، حتى سقوط بغداد واحتلال العراق في أبريل/نيسان 2003

"

والعولمة السياسية التي تهدد الاجتماع السياسي العربي، لن توفر الجغرافيا العربية. وقبل اغتيال الرئيس الحريري، واندلاع الأزمة السورية-الأميركية الراهنة، حفل "بازار" السياسة الخارجية العربية بكلام كثير أيضا حول تغيير الخرائط السياسية العربية.

سياسة التفتيت
ومن هذا الكلام ما رددته مصادر موثوقة في بيروت، عن أن "رئيسا أوروبيا بارزا قد أبلغ مرجعا دينيا مسيحيا، التقاه في فبراير/شباط 2000، تفاصيل دقيقة عن طبيعة هذا التغيير الذي سيطيح بأنظمة ودول" عربية.

ومن غير الواضح، طبعا، ماهية هذا التغيير، لكن إجبار سوريا على سحب قواتها من لبنان نزولا عند متطلبات القرار الدولي 1559، هو تدويل للعلاقة اللبنانية-السورية، بمقدار ما هو "نقلة افتتاحية" في مستهل هذا التغيير المذكور. 

ومنذ أيام قليلة كتب بوعز غاؤون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية (11/3/2005 ترجمة حلمي موسى) أن زياد عبد النور، وهو من "المحافظين الجدد"، وأحد أركان اللوبي اللبناني الصهيوني في الإدارة الأميركية، قد أكد له فيما يخص سوريا ولبنان، أن "الاحتمالات مفتوحة، وهنا من حولي (في واشنطن) يتحدثون حتى عن تقسيم سوريا بين لبنان و...".

وتصريح "المحافظ الجديد" عبد النور، بغض النظر عن مقدار جديته، ينبغي إدراجه في خانة واحدة مع كلام الملك الأردني عبد الله عن "هلال شيعي"، حيث أن الأخير يحرض على التفتيت المذهبي فيما الأول يعمل على ضم شظايا مذهبية من الجغرافيا السياسية العربية الراهنة.

وهذه التصريحات هي اصداء لما يقال في أروقة السياسة الدولية، عن تقسيم عدد من الدول العربية، مثل العراق ولبنان والسودان. اللافت أن المصادر الأوروبية التي تتحدث أيضا عن هذا التشكيل السياسي الجديد للجغرافيا العربية لا تستثني المملكة العربية السعودية.

إن تجربة يوغسلافيا السابقة والعراق المحتل، تبرهن كيف أن ديناميات العولمة السياسية الاقتصادية والعولمة العسكرية تؤجج الانقسامات المذهبية والطائفية والقومية في مجتمع كل دولة تجتاحها.

و"الثورة الديمقراطية" التي يشهدها لبنان -بحسب وصف مسؤولين أميركيين- ترتكز على استقطاب وانقسام طائفي ومذهبي حاد وغير مسبوق منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990.

اندحار النظام العربي الإقليمي
إن إجبار سوريا ولبنان على الالتحاق بالسياسة الأميركية، يوفر فرصة ذهبية لبعض الحكومات العربية لكي تواصل إسهامها في دعم سياسة العولمة الأميركية، سواء بممارسة التحريض المذهبي، أم بالتغاضي عنه.

لكن من غير المتوقع أن يشكل هذا الإسهام "طوق نجاة" لهذه الحكومات في مواجهة العواصف القادمة التي تستهدف إعادة رسم جغرافية المنطقة، إذ ثمة معطيات تؤكد ظهور خطوط تماس سياسية في دول عربية "حليفة" للولايات المتحدة الأميركية.

إن حماية الواقع التقسيمات الجغرافية العربية مرتبطة بقدرة النظام الإقليمي العربي على التماسك والفعل. وبرأيي، فإن هذه القدرة لا زالت تتراجع منذ خروج مصر من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وتوقيع اتفاقية كامب ديفد في عام 1979، حتى سقوط بغداد واحتلال العراق في أبريل/نيسان 2003.

وفي مواجهة تداعيات التدهور الحالية في العلاقات السورية-الأميركية، فإن من غير المناسب أن نرسم "أحلاما وردية" عن قدرة النظام العربي على صد ضغوط الولايات المتحدة وحلفائها عن سوريا وعن لبنان. ومن الأكيد أن هذه الضغوط ستبرهن، مرة أخرى، أن هذا النظام سيقف عاجزا عن حماية أحد أركانه الرئيسية.

بهذا المعنى فإن نجاح الولايات المتحدة في الإطباق على سوريا ولبنان،


سيقود إلى اندحار النظام الإقليمي العربي (الجامعة العربية) أمام النظام الإقليمي الشرق أوسطي-المتوسطي.

تداعيات الاستهداف على المشرق 

"
تداعيات العدوان الأميركي السياسي الدبلوماسي على "سوريا ولبنان" تتجاوز "إصلاح" الأنظمة السياسة العربية إلى تفكيك الدول والمجتمعات العربية، قبل أن يعاد تشكيلها

"

تؤلف الكتلة الجيوبوليتكية "سوريا ولبنان" قلب المشرق العربي، ودخلت في مواجهة الاحتلال الاستيطاني الصهيوني في فلسطين عام 1948.

وبعد وقوع العراق في قبضة الاحتلال الإمبريالي الأميركي منذ عام 2003، شرعت كتلة "سوريا ولبنان" في مقاومة هذا الاحتلال أيضا -ومن دون تأخير- لتشكل بذلك مركز الثقل، ونقطة الجذب، في دائرة المقاومة العربية للعولمة العسكرية الإسرائيلية-الأميركية.

الخروج من العراق عبر سوريا
وردا على هذه المقاومة الجريئة، تتشكل في محيط "سوريا ولبنان"، ضغوط دبلوماسية سياسية ونفسية كثيفة، تبقي وتائر التدهور على خط دمشق-واشنطن ضمن متطلبات الاجتياح السياسي.

وهذا الاجتياح الذي تقوده الآن الولايات المتحدة وإسرائيل، بمشاركة أوروبية مترددة، قد يدخل، عند نقطة ما طور الغزو "الإمبريالي الصهيوني" المسلح.

ويشكل هذا الاجتياح أيضا رافعة لاستمرار العولمة العسكرية الإمبريالية الصهيونية في المشرق العربي، وسيظهر المزيد من تداعياته في العراق، حيث دخل الاحتلال الأميركي في مأزق هناك وفق ما ذكره خبراء أوروبيون بارزون في نهاية السنة الماضية، وقد خسر الاحتلال الحرب على المستوى الإستراتيجي، ولا يربحها إلا على المستوى التكتيكي.

إذن حل مأزق الاحتلال في العراق قد يكون أحد تداعيات الأزمة السورية-الأميركية، لأن الأميركيين يتوقعون أن تقود الضغوط على سوريا إلى تأمين سلامة جيش الاحتلال، وحماية الدمى السياسية التي نصبها الأميركيون لحكم العراق، ناهيك عن ضمان اطراد قوة العولمة العسكرية.

التداعيات على الواقع اللبناني
لبنان الذي يشكل بؤرة أخرى لهذه التداعيات، ومع تقدير بعض الآراء المعارضة بشأن الأسباب الداخلية للأزمة الراهنة، فإن الاجتياح السياسي "الديمقراطي" الأميركي الذي ينطلق من لبنان باتجاه سوريا، يلبي حاجة إسرائيلية إستراتيجية تتمثل في التخلص من المقاومة الوطنية اللبنانية، وخاصة حزب الله، وفي الانتقام من قادتها وإذلالهم.

وفي هذا السياق، فإن "البوشية Boushisme" التي تعمل لصالح "الشارونية Charonisme" في إدارة العلاقات الدولية، تجعل المشروع الإقليمي الأميركي المعروف باسم "الشرق الأوسط الكبير" يقوم على اندماج، وتماهي الإمبريالية الأميركية بالصهيونية الإسرائيلية.

ومع تحرر هذا "المشروع" من ضغوط المقاومة الوطنية المسلحة في العراق ولبنان وفلسطين، عبر إقفال أو تحطيم "البوابة السورية"، فإن هذا التكوين الإمبريالي الجديد، سيكون قادرا على دفع نيران العولمة العسكرية إلى قلب الدول العربية في المستقبل. 

ومن هنا نرى الديمقراطية -باعتبارها "ثمرة العولمة العسكرية"- تشتعل أمام ناظرينا في فلسطين وفي العراق، ففي هاتين الدولتين العربيتين، يقوم الاحتلال الاستيطاني العسكري في الأولى، والعسكري في الثانية، ببناء نماذج سياسية، تفصح عن مضمون الديمقرطية البوشية الشارونية.

في النموذج الفلسطيني، تمت محاصرة الإرادة السياسية الفلسطينية، والعمل جار لإنجاز الإبادة السياسية للفلسطينيين.

وفي النموذج العراقي، الغزو الإمبريالي الأميركي الذي يحاول تفكيك وإبادة الاجتماع السياسي العراقي.    

وبهذا هل يمكن أن يقدم لبنان نموذجا ثالثا عن كيفية تحقيق "الديمقراطية الأميركية" بنيران العولمة العسكرية؟

ومن هي الدول المرشحة لهذا الاجتياح السياسي العسكري بعد لبنان وسوريا؟ 

التداعيات على القضية الفلسطينية
إن "نظام الشرق الأوسط الكبير" والمشروع الديمقراطي البوشي الشاروني يريد أن يكرس التفوق الصهيوني على الفلسطينيين ليس في نطاق القوة المادية، وإنما في نطاق القوة الأخلاقية أيضا، حيث نرى كيف أن أدوات العولمة الإعلامية تعمل كي تطمس على الجريمة الصهيونية باحتلال واستيطان فلسطين، بما يكفل محو أثر تلك الجريمة من وعي الأجيال العربية القادمة.

وقد شاهدنا منذ أيام قليلة صحفيا تونسيا يساجل "المشاهدين" العرب، بأن "شارون يأتي إلى تونس للمشاركة في قمة دولية. قمة رؤساء دول، فلم الاحتجاج على زيارته؟!".

أما العلاقة بين اللاجئين الفلسطينيين ووطنهم السليب، فإنها سوف تشرخ على المستويات القانونية والسياسية، بحيث تسقط قضية حق العودة، مثلما أسقطت قضية التحرير، بحيث تتحول قضية اللاجئين الفلسطينيين من قضية سياسية وطنية وقومية وإسلامية ودولية إلى قضية إنسانية تسوى بما يتوفر من النقود اللازمة لغسل عار الصهيونية وإخفاء معالم جريمتها. 

العرب على قارعة الطريق
إن المغامرة في قراءة تداعيات المواجهة السياسية بين "دمشق بيروت" وبين "واشنطن تل أبيب"، لا تعود إلى دور بعض الحكومات العربية في تقديم الدعم لهذا الاجتياح السياسي وحسب، وإنما تعزى إلى صعوبة حصر كل عناصر وأبعاد المواجهة الراهنة، خاصة فيما يتعلق بمعرفة ظروف انتقال إدارة الرئيس جورج بوش الابن من التهديد السياسي الدبلوماسي إلى العدوان العسكري.

تداعيات العدوان الأميركي السياسي الدبلوماسي على "سوريا ولبنان"، والذي قد يدخل طور العدوان العسكري، تتعدى "إصلاح" الأنظمة السياسة العربية وفق الشروط الأميركية، إلى تفكيك الدول والمجتمعات العربية،


قبل أن يعاد تشكيلها، بما يعين على زوال ريح الأمة، وإلقاء العرب على قارعة التاريخ العالمي.

_______________
باحث لبناني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة