كلمة الرئيس التونسي في مؤتمر القمة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:56 (مكة المكرمة)، 10:56 (غرينتش)
زين العابدين بن علي

بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
أصحاب المعالي والسعادة..
أيها السادة والسيدات..
نلتقي اليوم على أرض الأردن الطيبة ونحن معتزون بما حققه هذا البلد الشقيق من إنجازات ومكاسب في جميع المجالات طوال مسيرة موفقة أرساها المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه وتتواصل اليوم بكل سداد في عهد ابنه البار صاحب الجلالة أخينا الملك عبدالله الثاني. وإذ نتوجه بأسمى عبارات الثناء والتقدير إلى إخوته على الإعداد المتميز لهذه القمة وضمان كل أسباب النجاح لأعمالها فإننا نشكر جلالته على الاستقبال الحار الذي حبانا به والعناية الفائقة التي أحاطنا بها منذ حلولنا بهذا البلد الشقيق.

صاحب الجلالة
يلتئم مؤتمرنا هذا بعد نصف سنة تقريبا من انعقاد القمة الطارئة التي احتضنتها الشقيقة مصر لدعم الشعب الفلسطيني في انتفاضته الباسلة.

وإن أهمية القضايا المطروحة علينا في هذه القمة تحثنا جميعا على تفعيل تضامننا وتطوير عملنا المشترك والارتقاء به إلى مستوى التحديات الكبيرة التي تواجهنا بما يحفظ مصالحنا ويستجيب لتطلعات شعوبنا إلى مزيد من التعاون والتكامل.

ونحن نعتقد أن انتفاضة الشعب الفلسطيني الشجاعة وإن لقيت التأييد والمساندة على المستويين الرسمي والشعبي فإنها ما زالت تحتاج منا إلى الدعم المادي والمعنوي حتى تواصل صمودها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة .

كما أن الوضع الخطير الذي تواجهه اليوم السلطة الوطنية الفلسطينية يحتم علينا الإسراع بتقديم المساعدات المالية الضرورية إليها لتمكينها من أسباب الدعم والصمود، فهي بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى وقوفنا جميعا إلى جانبها في هذه المرحلة الحرجة التي تتعرض فيها لهجمة إسرائيلية شرسة تهدف إلى إضعافها والنيل من مصداقيتها.

إن الحصار الشامل الذي تفرضه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية والحرب الاقتصادية التي تشنها على الشعب الفلسطيني وعمليات القمع والاغتيال والتنكيل التي تمارسها ضده يوميا قد خلفت مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعاقين وألحقت أضرارا بالغة بالبنية الأساسية وبالمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.

ولذلك فإن القرارات التاريخية التي اتخذناها في قمة القاهرة الاستثنائية لدعم الشعب الفلسطيني تستوجب منا اليوم الإسراع بتنفيذها لدقة الموقف وخطورة الوضع.

ونحن على يقين بأن إنشاء آلية عربية بالتنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية للإشراف على تقييم الاحتياجات وتوزيع المساعدات في إطار صندوقي الأقصى والقدس يمثل أداة عملية مناسبة لإيصال الدعم العربي إلى الأشقاء الفلسطينيين في الوقت الملائم وبالسرعة المناسبة.

والواجب يدعونا إلى تكثيف اللقاءات والاتصالات والتحرك المشترك لمزيد شرح مواقفنا بخصوص قضايانا العربية العادلة، والتصدي بنجاعة للحملات الإسرائيلية لدى الرأي العام الغربي خاصة، وذلك بتفعيل الخطة الإعلامية التي وضعها وزراء
الإعلام العرب، وتنفيذ برامج التحرك التي تم الاتفاق بشأنها في إطار اللجنة الوزارية للمتابعة والتحرك المنبثقة عن قمتنا الطارئة بالقاهرة.

وإذ نؤكد مجددا تمسكنا بالخيار السلمي فإننا ندعو المجتمع الدولي ولا سيما راعيي السلام والاتحاد الأوروبي إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم في نصرة الحق والعدل وتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني وإحياء مفاوضات السلام على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام.

وتظل استعادة الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة كاملة وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس الشريف وتحرير الجولان العربي السوري وما تبقى من أراض لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي في صدارة أولوياتنا ضمن كل تحرك إقليمي ودولي.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
إن حرصنا على توفير أسباب الأمن والاستقرار في سائر منطقتنا العربية يدفعنا إلى التعبير عن بالغ انشغالنا بشأن الأوضاع المتردية للشعب العراقي الشقيق وتواصل الحظر المفروض عليه منذ أكثر من عشر سنوات، لذلك فإننا نناشد المجتمع الدولي للإسراع برفع هذا الحظر، خاصة وأن العراق قد دخل في حوار شامل مع الأمم المتحدة وهو ما يساعد على إيجاد حل عادل لهذه المعضلة التي طالت حتى يتسنى فض المسائل الإنسانية العالقة وتتمكن دول المنطقة وشعوبها من العيش في أمان وسلام.

وإذ ننوه من جهة أخرى بما أبدته الجماهيرية الليبية الشقيقة من تعامل إيجابي ومسؤول في قضية لوكربي فإننا نجدد مطالبتنا برفع الحظر نهائيا وبصفة فورية عنها، خاصة بعد أن أوفت ليبيا بالتزاماتها، ولم يعد يوجد أي مبرر لتواصل الحظر ضدها.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
إن التحولات الإقليمية والدولية وما أفرزته من تحديات كبيرة تداخلت فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية وما تحمله من انعكاسات على بلداننا تحتم علينا التفاعل معها انطلاقا من رؤية مشتركة شاملة ومتكاملة.

ونحن نشيد بكل الخطوات التي تم تحقيقها حتى الآن في المشاريع التنموية المشتركة مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والسوق العربية المشتركة باعتبارهما مشروعين رائدين لمستقبل أمتنا ونؤكد بالمناسبة ضرورة مواصلة بناء هذين الهيكلين الهامين اللذين ننتظر منهما كل الخير لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي.

وأمام المستجدات التي طرأت على العلاقات الاقتصادية الدولية وبروز التجمعات الإقليمية خاصة فإننا مدعوون إلى إحكام التنسيق وتوحيد المواقف بما يعزز قدراتنا التفاوضية في مختلف المحافل والفضاءت الاقتصادية الإقليمية والدولية ويحمي مصالحنا المشتركة كما أننا مدعوون إلى إيلاء الأهمية اللازمة للثورة التكنولوجية الكبيرة في مجال الاتصال والاقتصاد اللامادي وتكثيف تعاوننا للاستفادة من تجاربنا وتطوير خبراتنا في هذا المجال.

وإذ يمثل قطاع تكنولوجيات الاتصال والمعلوماتية في مطلع هذا القرن الجديد مجالا إستراتيجيا ومقوما جوهريا للتنمية الشاملة ودعم مواقع أمتنا في العالم وتعزيز حضورها وحضور لغتنا العربية وثقافتنا في شبكات الاتصال العالمية والارتقاء بالمنظومة التربوية في بلداننا وبالبحث العلمي والإنتاج التكنولوجي وتطبيقاته في هذا الميدان فإننا نؤكد ضرورة إيلاء هذا الموضوع الأهمية القصوى بهدف إرساء تعاون عربي فعال في هذا المجال يرقى إلى مستوى طموحنا ويخدم مصالحنا المشتركة، وهو ما يستدعي مقاربة عملية وتصورات ميدانية واضحة من الضروري أن يتواصل النظر فيها في ضوء نتائج الاجتماع الأخير لـ "عربكوم" ببيروت، وما سينبثق عن قمتنا من توجهات حتى يتسنى لنا مزيد تعميق النظر فيه ومتابعته من خلال صيغ ومشاريع مضبوطة في قمتنا القادمة، والمقترح في هذا السياق أن يصبح موضوع تكنولوجيات الاتصال والمعلوماتية بندا قارا في المحور الاقتصادي لسائر اجتماعات القمة التي نعقدها.

جلالة الملك
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
وإن الروابط التاريخية وأواصر التضامن والمصالح المشتركة التي تربط العالم العربي بالقارة الأفريقية تجعل كذلك من العلاقات العربية الأفريقية علاقات إستراتيجية وحيوية تحفزنا إلى مزيد من النهوض بالتعاون العربي الأفريقي وتطوير محتواه وآلياته قصد بنائه على أسس الشراكة والتنمية المتضامنة.

إذ أشير إلى ما تستدعيه الأوضاع العالمية الجديدة من ضرورة تفتح منطقتنا على العالم وتعميق أواصر التعاون والشراكة والتفاعل الإيجابي بين أقطارنا في إطار مجموعة عربية متضامنة متماسكة فإني أؤكد أن لا سبيل لنا غير ذلك للدفاع عن مصالحنا والظفر بالمكانة التي ننشدها لأمتنا على الساحة العالمية.

وفي الختام أجدد لكم عزم تونس الراسخ على مواصلة تعزيز العمل العربي المشترك ودعمه في كل المجالات، وأسال الله أن يكلل أعمال قمتنا بالسداد والنجاح، وأن يوفقنا جميعا لما فيه خير أمتنا العربية وعزتها ومنعتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
المصدر:
الموقع الرسمي للقمة العربية في عمان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة