العوامل الخارجية في الأزمة النيجيرية   
الأربعاء 20/9/1425 هـ - الموافق 3/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:12 (مكة المكرمة)، 11:12 (غرينتش)

الرئيس النيجيري أولوسيغون أوباسانجو ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير

بقلم/ سمير الفلكي

لا توجد دولة في القارة الأفريقية تتنوع وتتعدد مشاكلها مثل نيجيريا التي تعد بمثابة دويلات صغيرة تم جمعها في إطار واحد هو الفدرالية لتصبح جمهورية نيجيريا الاتحادية، وهو اسمها الرسمي.

ويرجع سبب هذا التنوع والتعددية في المشاكل رغم أنه لا يمثل حتى الآن عاملا من عوامل التقدم والتنمية كما هو الوضع في الدول الاتحادية الأخرى في العالم، إلى وجود أكثر من 350 عرقا وأكثر من 250 لغة وما يزيد عن 150 ديانة، فضلا عن علاقات إقليمية وقارية ودولية لعبت دورا أساسيا في تفعيل الأزمة. فهناك عوامل خارجية عديدة تضافرت وتراكمت خلال العقود الأربعة الماضية لتعطي للأزمة بعدا خارجيا لا يمكن تجاهله.


تدرك الدول الغربية طبيعة الأوضاع في نيجيريا وطبيعة الخلافات العرقية إدراكا تستطيع معه أن تحرك الأمور والمواقف بالشكل الذي ترغبه وفي التوقيت المناسب

يذهب البعض إلى أن أهداف الدول الغربية ربما تكون قد تحققت في إلغاء تنظيم مسابقة ملكة جمال العالم العام قبل الماضي بنيجيريا عن طريق إثارة مشكلة دينية، عندما كتبت إحدى الصحف النيجيرية مقالا تهاجم فيه معارضة بعض الجماعات الإسلامية تنظيم المسابقة. وتردد أن الصحفية التي كتبت هذا المقال كانت مدفوعة دفعا لكتابته، حيث تهجمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت في مقال لم يكن يستدعي إقحام اسم الرسول فيه "إنه لو كان الرسول موجودا في زماننا هذا لاختار زوجة له من المشاركات في مسابقة ملكة جمال العالم".

وأثارت هذه الفقرة حفيظة المسلمين على كافة انتماءاتهم في جميع أنحاء نيجيريا مما أدى إلى إشعال نار الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين خاصة في المنطقة الشمالية ذات الأغلبية المسلمة. ولقي ما يصل إلى 200 شخص مصرعهم معظمهم من المسيحيين وأصيب المئات وتم تدمير عدد كبير من دور العبادة المسيحية وممتلكاتهم.

وحقق المقال الهدف منه حيث أعلنت إدارة المسابقة الدولية انسحابها من تنظيمها حتى لا تكون سببا في إثارة الأحقاد وسقوط القتلى بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا، وتم نقلها إلى لندن.

وبعدها هدأت الأمور إلا من بعض القلاقل الصغيرة، حيث طالبت الجماعات الإسلامية بالقبض على الصحفية التي كتبت هذا المقال، إلا أنها هربت إلى الولايات المتحدة بشكل سريع يدعو إلى الشك والاستغراب.

ثم ظهر الرئيس النيجيري في التليفزيون ليؤكد أن مسألة تنظيم مسابقة ملكة جمال العالم في نيجيريا أمر ليس ذا أهمية كبرى، واتهم صراحة ومعه وزير إعلامه في ذلك الحين البروفيسور جيري جانا قوى غربية بإثارة الأوضاع في البلاد لسحب "شرف" إقامة هذه المسابقة على الأراضي النيجيرية.

وتدرك الدول الغربية طبيعة الأوضاع في نيجيريا وطبيعة الخلافات العرقية إدراكا تستطيع معه أن تحرك الأمور والمواقف بالشكل الذي ترغبه وفي التوقيت المناسب مع علمها بالنتائج مسبقا.

وتتجه نيجيريا لأن تكون وعاء لصراعات ونزاعات الدول الأوروبية والولايات المتحدة بسبب تضارب المصالح بينهما خاصة في مجال البترول والغاز الطبيعي، حيث ترى أوروبا وعلى رأسها بريطانيا أنها أحق ببترول نيجيريا بسبب كونها مستعمرة بريطانية سابقة ولعضويتها في رابطة الكومنولث وبسبب الوجود القديم لشركات البترول البريطانية مثل شركة شل العالمية في منطقة دلتا النيجر التي تعتبر أغنى منطقة بترولية في غرب أفريقيا.

ورغم ترحيب الحكومة النيجيرية باهتمام أوروبا والولايات المتحدة بنيجيريا وسعي هذه الدول لاستغلال الثروات النيجيرية الذي تراه أبوجا بمثابة تعظيم لمكانتها الدولية، كما تراه سببا في تحقيق ثروات ربما يتم نهبها من جانب البعض أو لاستخدامه في برامج التنمية الاقتصادية، فإن هذا الاهتمام من جانب الغرب لن يجلب إلى نيجيريا إلا كثرة وتعدد الطامعين في استغلال ثرواتها وتحويلها إلى حلبة أخرى للصراع بين القوى العظمى في العالم.

وهنا تهدد نيجيريا الأدوات التي قد تستخدمها القوى العظمى في مواجهة بعضها البعض. وأولى هذه الأدوات الضرب على وتر المشاكل الداخلية وهي لعبة معروفة وتجيد الدول الغربية التحكم بأوراقها في الوقت والمكان المناسبين.


أصبحت ورقة الإرهاب بمثابة "الجوكر" الذي يحرز أفضل النتائج لتنفيذ مطالب الدول الكبرى من نيجيريا التي يؤدي رضوخها إلى السيطرة على منطقة غرب أفريقيا بكاملها
يضاف إلى ذلك خصوبة الأوضاع الداخلية في تأجيج هذه المشاكل إذا ما أراد أحد إثارتها بسهولة بالغة. ويجيء في إطار التنافس بين أوروبا والولايات المتحدة لإثبات الوجود الأميركي في القارة الأفريقية بشكل عام وغرب أفريقيا بشكل خاص، تلك الخطوة التي قامت بها العسكرية الأميركية بتنظيم مناورة في منطقة خليج غينيا على أساس أنها تدريبات روتينية للبحرية الأميركية تتوافق مع تدريبات في أربعة مواقع في العالم لمواجهة الإرهاب الدولي.

ثم تجيء تصريحات المفوض السامي البريطاني الجديد لدى نيجيريا جوزني بأن بريطانيا تعتمد على 10% من البترول النيجيري، وأن هذا هو السبب في اهتمامها بمنطقة دلتا النيجر.

ويضيف أن الأوضاع الأمنية في تلك المنطقة غير مستتبة، ووجه عدة انتقادات لعدم قدرة الحكومة النيجيرية على السيطرة على النزاعات المسلحة في الجنوب، إلى أن حصل على ما يريده وهو موافقة الحكومة لبريطانيا على القيام بدور تأمين المنطقة من خلال تعاون أمني بين بريطانيا ونيجيريا.

وهنا تراهن كل من بريطانيا والولايات المتحدة على الريادة في هذه المنطقة الغنية بالبترول الذي يصل احتياطي نيجيريا منه إلى أكثر من 34 مليار برميل ومرشح للزيادة إلى أكثر من 44 مليون برميل حتى عام 2010.

ويصب كل هذا الاهتمام وهذه الثروات في اتجاه واحد هو أن نيجيريا في طريقها إلى أن تكون مسرحا لصراعات وتطلعات الدول الكبرى لفرض سيادتها على البترول الأفريقي والثروات المعدنية الأخرى.

وأدوات الضغط معروفة وهي التركيبة السكانية العرقية والدينية للشعب النيجيري، يضاف إليهما عنصر الإرهاب الذي بدا التلميح به مؤخرا من أن تنظيم القاعدة اتخذ نيجيريا قاعدة للانطلاق في هجماته يوم 11 سبتمبر/ أيلول على الولايات المتحدة.

وأصبحت ورقة الإرهاب بمثابة "الجوكر" الذي يحرز أفضل النتائج لتنفيذ مطالب الدول الكبرى من نيجيريا التي يؤدي رضوخها إلى السيطرة على منطقة غرب أفريقيا بكاملها.
______________________
خبير الشؤون الأفريقية بوكالة أنباء الشرق الأوسط في نيجيريا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة